تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر أنا .. بقلم : إدوارد جرجس

آراء حرة ….
إدوارد فيلبس جرجس – – نيويورك …
تقابلنا في الحياة مقولات هي حقائق مثل ” سلاح ذو حدين ” أو ” كل شئ زاد عن حده انقلب ضده ” ، أو ” الاعتدال أو الوسطية ” ، كلها تدور حول المعقول في استخدام الشئ أو الأشياء التي أمامنا ، فمثلا الذَرَة ، أعتقد أنه لو عرف مكتشفها أنها ستتحول إلى  وسيلة للقتل والتدمير ربما فكر كثيرا ، بل الطعام نفسه وهو الغذاء اليومي لكل كائن حي ، وهو وسيلة المحافظة على الحياة وبنية الإنسان ، لو أسرفنا فيه ممكن أن يتحول إلى وسيلة لقتل أنفسنا بشتى أنواع الأمراض ، حتى في العقائد الاعتدال والوسطية هي عبادة أما التطرف والتشدد ممكن أن يتحول إلى عنف . مقدمة بسيطة وسهلة أدخل بها إلى موضوعي وهو ” السوشيال ميديا ” أو وسائل التواصل الاجتماعي . فكرة الموضوع أتتني طائعة بعد أن شاهدت فيلم ” الدائرة ” الذي قام ببطولته ” إيما واتسون ” و ” توم هانكس ” وأخرجه ” جيمس بونسولدت ” ، الثلاثة قدموا عملا رائعا شاهدنا خلاله العرض الدرامي للفيلم الذي أبرزته الفتاة بطلة الفيلم منذ نشأتها وحتى تصدرها لقائمة أهم الشخصيات المؤثرة لإحدى أهم شركات تكنولوجيا التواصل الاجتماعي العملاقة ، التي يرأسها بطل الفيلم مبرزا مراحل تطور هذه الموظفة الشابة التي اقترنت بخسارات عائلية وشخصية  نتيجة تحمسها الزائد ، فحينما تحمست لأن تكون أول إنسانة تنقل حياتها على الهواء مباشرة ، تورطت في نشر فيديو حي لأبيها وأمها وهما يمارسان الجنس ، وحينما أجرت لأول مرة تجربة التتبع الحي للأشخاص بزعم أن هذا التتبع يساعد في ضبط المشتبه بهم والمجرمين ـ أودت بحياة صديقها الذي ترتبط به منذ الطفولة في علاقة شبه عاطفية ، وقد كانت حولت حياته إلى جحيم قبل ذلك ، حينما نشرت صورة لنجفة صنعها من قرون الغزال فوصلته تهديدات بالقتل من متطرفي الدفاع عن البيئة ، وهكذا ظلت تخسر الفتاة _ بطلة الفيلم _ كلما صَعَدت في العالم الافتراضي شيئا حقيقيا ، وفي النهاية تقرر أن تذهب بمبدأ الشفافية التي تنادي به شركتها إلى أبعد الحدود ، فتقوم بنشر أرقام صاحب الشركة وحساباته في البنوك المختلفة والأماكن السرية التي يخبئ فيها أمواله حتى عن أقرب أقربائه ، وبذلك تكون قد استخدمت السلاح الذي يحارب به صاحب الشركة ضد نفسه ، هذا الفيلم من وجهة نظري من أهم الأفلام التي تناولت أخطار وسائل التواصل الاجتماعي عند استخدامها بطريقة غير صحيحة ، فهي أهم أسباب الانهيار الاجتماعي ، فكم من مذبحة ارتكبت باسم الحرية ـ وكم من أزمة تسببت فيها تلك المدعوة شفافية ، وكم من أزمة بسبب تلك القيم التي يتاجر بها محتكري العالم الافتراضي وأباطرته ، هذا الفيلم لو انتج في إحدى دول العالم الثالث لزعم البعض أنه وسيلة لمحاربة الفيس بوك باعتباره النافذة الكبرى للحرية ، لكن من حسن الحظ أن هذا الفيلم أنتج فى أمريكا، وقام ببطولته فنانون على قدر كبير من الاحترافية، وفى الحقيقة هذه الأخطار التى جسدها الفيلم لا تبتعد أبدا عما يحدث الآن كل يوم، فقد سمح الفيس بوك بإظهار أقذر ما فينا، ووضع كل شىء بجوار كل شىء، الغث والسمين، الغالى والرخيص، الطاهر والنجس، الطيبون والملعونون، وهذا سبب كاف ليتوه العالم ويفقد اتزانه، وتغيب الحقيقة وتفقد بوصلتها .
edwardgirges@yahoo.com