دراسات …
تميم منصور – فلسطين المحتلة …
في الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر ، وفي الشهر الحادي عشر من عام 1918 ، توقفت ادوات القتل والدمار التي استعملها المتحاربون في الحرب العالمية الأولى عن قتل المزيد من الأبرياء والضحايا ، ضحايا جشع وأطماع قادة الدول التي دمرت أكثر المناطق حضارة في العالم ، خاصة في القارة الأوروبية وفي الشرق الأوسط .
كافة المؤرخين والمراقبين الذين حللوا ورصدوا ظروف هذه الحرب أجزموا بأنها لم تكن حرب مبادىء ، بل كانت حرب مصالح بين أقوى الدول في العالم ، كل دولة كانت تريد ان تستعمر وتتمدد أكثر ، كل دولة من هذه الدول حاولت ان تسيطر على مناطق استراتيجية كي تساعدها في بسط هيمنتها ، هناك دولة واحدة تغيّر موقفها 180 درجة خلال الحرب هي روسيا ، فبعد أن نجح الحزب الشيوعي الروسي بقيادة لينين بالسيطرة على الحكم ، والقضاء على الحكم القيصري في شهر اكتوبر من عام 1917 ، سارعت القيادة الروسية الجديدة الى التفاوض مع المانيا ، ووافقت على الخروج من الحرب ، لأنها ادركت واعترفت قبل غيرها بأن هذه حرب مصالح ، وليست حرب مبادىء ، هدفها نشر السلم والرخاء والعدالة في العالم .
وافق لينين على وقف القتال كي يضمن نجاح الثورة ، رغم أنه وقع على اتفاقية كانت قاسية جدا بالنسبة لروسيا ، عرفت باتفاقية ” بريست ليتوفسك ” لكنه كان يعرف بأن مستقبل المانيا سيتقرر بعد هزيمتها على يد الحلفاء ، وان الأراضي الروسية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الألماني ، سوف تتحرر وهذا ما حدث .
في هذه الأيام تحتفل الدول التي كان لها دوراً بارزاً بإشعال هذه الحرب بذكرى مرور مائة عام على انتهائها ، والمهزلة ان هذا الاحتفال تم في فرنسا ، بحضور قيصرة المانيا ووفود أخرى ، فقد ظهر التناقض والرياء في هذه اللقاءات ، لأن فرنسا بقيادة طفلها السياسي ” ماكرون ” أكثر من تباكي على هذه الحرب ، كما ان قيصرة المانيا افتعلت الحزن على ضحايا الحرب العالمية الأولى ، وكذلك ممثل حكومة بريطانيا ، والرئيس الأمريكي الأهوج ترامب .
كان لقاؤهم وهمي وكاذب ، لأنهم لا زالوا يصنعون اسلحة الدمار والقتل ويتاجرون بدماء الأبرياء في كل من اليمن وفي سوريا وافغانستان والصومال وغيرها من الدول ، لا زالوا يمدون اسرائيل بسلاح القتل والدمار لقتل الفلسطينيين ، مع ذلك فإن أحداً لا يستطيع الانكار بأن الحرب العالمية الأولى كانت أخطر وأهم الأحداث التي وقعت فوق الكرة الأرضية حتى ذلك الحين ، وان هذه الحرب ادت الى قتل واصابة ملايين البشر ، وانها خلفت بعد انتهائها واقعاً جديداً سياسياً وجغرافياً في اوروبا وفي الشرق الأوسط ، وان أكثر الشعوب التي تضررت من هذه الحرب هي الشعوب العربية .
كانت المانيا ومعها حليفاتها امبراطورية نمسا المجر والامبراطورية العثمانية وبعض الدول الأخرى ، على قناعة بأنها سوف تحسم المعارك لصالحها في اوروبا بسرعة ، وضعت المانيا خطة مسبقة لبداية الحرب عرفت بخطة ” شلايفين ” وهو أحد كبار القادة العسكرين الألمان تقضي هذه الخطة بدخول فرنسا عن طريق بلجيكا واحتلال باريس ، مما يشل قوة وحركة الحلفاء ، خاصة بريطانيا ، لقد أفشل الفرنسيون هذه الخطة بفضل الجنرال ” جوفر ” الفرنسي ، الذي قام بعملية التفاف ، عرفت بعملية الراين فترك الجيش الالماني المندفع داخل الأراضي الفرنسية أمام خيارين ، أما الاستسلام أو العودة الى الخطوط التي قدموا منها ، وتحولت الحرب بعدها الى حرب ثابتة بدلاً من أن تكون حربا متحركة كما يريد الألمان .
من هنا بدأت هزيمة المانيا ، لأن التمدد الزمني في الحرب ليس لصالحها ، حاولت التعويض عن جمود الجهة الغربية ، بجبهة متحركة مع روسيا ، لكن هذا لم يحسم المعركة لصالحها ، لأن الجيش الروسي لم يستسلم ، كما أن خروج روسيا من الحرب عام 1917 ، لم يمنع هزيمة المانيا في النهاية ، لأن الولايات المتحدة دخلت الحرب الى جانب فرنسا وبريطانيا ، مما جعل هزيمة المانيا مسألة وقت .
بعد ان الحقت قوات الحلفاء الهزائم المتلاحقة بجيوش دول المحور ، وهو الحلف الذي قادته المانيا ، كانت الهزيمة على كافة الجبهات تقريباً ، ففي الشرق الأوسط ، فشل العثمانيون بإعادة احتلال مصر رغم مساعدة الالمان لهم ، كما ان القوات البريطانية تمكنت من دحر العثمانيين من فلسطين ومن سوريا ، ووصلت الى حدود سلاسل جبال طوروس ، كما احتلت القوات البريطانية العراق ، وهذه كانت ضربة قاتلة لدول المحور .
في اوروبا بدأت قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة ، تتدفق مخترقة الحدود الالمانية ، مما وضع الالمان مرة أخرى أمام خيارين اما الاستمرار في القتال ، وبهذا يتم تدمير كافة المدن الالمانية واما الاستسلام ، فكان الخيار الثاني هو المصيري بالنسبة لها اي لالمانيا ، فقد وقع وفد الماني على اتفاق الاستسلام بين يدي الجنرال الفرنسي فوش ، وكان التوقيع في احدى عربات القطار الخاص بالمارشال المذكور ، المتوقف في إحدى ضواحي مدينة باريس .
في الشرق الأوسط اضطرت الدولة العثمانية على الاستسلام خاصة بعد أن احاطت قوات الحلفاء بأساطيلها ومدافعها العاصمة اسطنبول ، متخوفاً من تدير المدينة التاريخية ، اضطر السلطان العثماني القبول بالاستسلام دون قيد أو شرط .
كانت نتيجة الحرب انتصار الحلفاء ، امريكا ، بريطانيا ، فرنسا ، ايطاليا اليونان وغيرها ، هذا يعني انتصار دولاً استعمارية على دول استعمارية أخرى ، اما الشعوب فهي خاسرة لدى الطرفين ، فقد قدر عدد من أصيبوا في هذه الحرب حوالي 37 مليون مصاب ، من بينهم 16 مليون قتيل من عسكريين ومدنيين و 20 مليون جريح .
قتل من المانيا مليوني عسكري ، ومن بريطانيا 800 الف عسكري ـ ومن فرنسا 300 الف عسكري ومن الدولة العثمانية 700 الف عسكري ، ومن امريكا مائة الف عسكري ، هذا عدا عشرات الالوف المفقودين ، اضافة الى ذلك فقد دمرت آلاف المصانع والمزارع ، والاملاك العامة والخاصة ، اضافة الى تدمير البنية التحتية في العديد من المدن الأوروبية ومدن الشرق الأوسط .
من الطبيعي أن تنعكس هزيمة دول المحور الأوروبية ، وهي المانيا والنمسا والمجر وبلغاريا وكل من دعمها على سكان هذه الدول ، كما انعكست هذه الهزيمة على الشعوب الأوروبية التي خضعت او وقعت تحت حكم كل من المانيا والامبراطورية النمساوية المجرية ، فقد اعاد مؤتمر الصلح في فرساي الذي عقده الأحلاف المنتصرون رسم خارطة اوروبا من جديد ، سياسياً وجغرافياً وديمغرافياً ،كذلك الأمر ادت هزيمة الدولة العثمانية الى تغيير ملموس وجوهري في خارطة الشرق الوسط ، فرضه المنتصرون الحلفاء وكان الضحية هم العرب .
يتبع





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

