لا يتكرر الحبُّ إلا بالموت – بقلم : د . سمير ايوب

فن وثقافة …
بقلم : د. سمير محمد ايوب …
كُلما جَثَتْ روحي على رُكْبَتَيها ، وكثيراً ما باتَتْ تَضْطَر ، رغمَ كلِّ الثباتِ الذي أبْديه ، أكونُ ساعتها بأمسِّ الحاجةِ إلى كتفٍ قويٍّ أتوكأ عليه . لأنْضوَ ثوبَ التوجُّسِ عني ، قبل أن أعلن انتصاري في الحروب المتقدة في حناياي .
وكلما حان وقت قهوتِنا ، لم أعدْ أنهضُ مِن كسَلي .بل أحتضنُ قلبي بمفردي . وأفتشُ صمتي بحثاً عن كلماتٍ أدردِشُ بها معه . فلا يُخالِط سمعي سوى همسٌ مُلِحٌّ ناصِحٌ : خُذي يَدَكِ . إبسطيها كلَّ البسطِ . لا تُبْقِيها مَغلولةً إليَّ .
لمَحَتْ ظِلالَ بسمةٍ على صفحاتِ وجهي . فسارَعَتْ تؤكدُ بنبرةٍ مُستغرِبَة ، تدفعُ تُهمةً غيرَ مَنطوقة :  لم يَمُتْ يا شيخي ، وإن كان جسده قد غفى غفوته الأخيرة ، فتوفاه سبحانه منذ سنين . من حينها وهو آخر من تضمه جفناي ، وأول الخاطر كلما صحوت . أبقيتُ تعمُّداً ألكثيرَ من تفاصيلنا حوليَ مُورِقَةً . ولكني كنت كلما إستجديته عودة ، لا أسمع إلا صوتا هاتفا لكل حواسي : عِيشي . فأنا لستُ في الطريق إليك . لأنجو من لعنةِ الإدراك ، كنت أُغمضُ عينيَّ بشدَّةٍ . ليبقى واقعي صامتاً بِلا حدودٍ ، كَثرثرةِ القبورِالتي أعشقُ فصاحتَها المُباشرة .
تابَعَتْ دون أن تلتفِتَ إليَّ : في يومٍ مضى ، خذلني كلُّ مَنْ حَوْلي . أشعروني أن طِيبَتي هي أسوأ مُقْتَنَياتي . إنقبضَ صدري ولم أعد اطيق معاركي الداخلية . فغادرتُ إلى حيث يرقد من أحببت . فهم مِشكاتي للسكون . تجولتُ مُطَوَّلاً بين شواهد القبور. حدَّثتهم بوجعي ، فجبروا خاطري .
بَقيتُ صامِتاً أستقرأ لُغاتَها المنطوقة ِوالمرئية . هي إمرأةٌ  ذات جاذبيةٍ مُلْفِتَةٍ . لكن ، لا علاقة لجاذبيتها بتضاريسِ وجهها الجميل ، ولا بمفردات قَوامِها الممشوق . بل نبعها أناقةُ فكرٍ أنضجهُ عَدُّ السنين ، و روحٍ مُتوثِّبَةٍ تُزينُها نفسٌ لوَّامَةٌ . تَنَهَّدْتُ بضجرٍ ، وأنا أُحَمْلِقُ في عينيها ، وقلت لها بنبرة مُعاتِبَةٍ : ثم ماذا يا سيدتي ؟
قالت : لا تَسَلْني من أيِّ الدروبِ تَسرَّبَ . في غَفلةٍ من حُزْنيَ ، باتَ ملءَ السمعِ وملءَ البَصَر . إلتقينا في لُجَّةِ ومْضةٍ . إخترقَتْ القلبَ . واستباحَتِ الروحَ . واستبدَّتْ بالجسد . فإئتلفَ كلُّ شئٍ بكلِّ شئٍ وأوغَلَ . ومن ثم ، بدأت تهربُ مِني شواهدُ القبور . وبِتُّ أفرحُ كثيراً بحدائقي المُهْمَلَة . أبقي أصابعي عالقةً بينَ ورقِها وزهرها . وصارت شفتاي ، كلما سمعته أو رأيته أو لامسته ، ترتجف دون أن تُلامِسَ شيئاً .  وتتلوى بفوضى عارمة ، كلما ارتطمت بدفء فناجيلي وحوافها .
بَقيتُ صامِتاً مُنصِتا ، وهي تتابع  : أعلمُ أن الحياةَ عقيمةٌ ، ولكني لست أدري إلى أي حد ؟ هل الراحلون بالموت ، هم آخر من في مضاربنا ؟ وَيْحَ قلبي يا شيخي ، أما عادَ مُتَّسِعا لِحُبٍّ جَديد ؟
قلت : أحجياتُ الموتِ وتنويعاته ، ملءُ السمعِ وملءُ البصر ، في كل مَواطِنِ العرب . مع كل نفس ذائقة الموت ، لم يَعُدِ الموتُ قضية البعض ، بل في الحياة يكمنُ القولُ الفصل . فالحياة هنا ، لا يتذوقها إلا من رَحِم ربي . وتابعتُ  : تبدو القلوب يا سيدتي ، حينا ككل الأماكن . تضيقُ إن غادرها حبيب . ومع تداول يوميات العيش ، سرعان ما ننسى ، فتعود للإتساع . وتبدو أحيانا كالطبيعة ، مستبدة تكره الفراغ .
يَحْكي الموتُ أوجعَ قَصَصِ الحُزْن عمَّنْ فوقَ التُّراب . أما من في القبور ، فهم لا يفرحون ولا يحزنون . أحياء المقابرِ ألبوماتٌ من الذكريات ، مُرتَّبَةٌ مُدَقَّقَةٌ مُبَوَّبَةٌ ومُفَهْرَسَة. رسائلها تنادي ، تناجي الصدى في إشتياقٍ نهرَبُ إليه ، مخافةَ إعتقالِنا بِتهمة الفرح .
أما الوجع يا سيدتي ، فلا يُقاس بالزمن ، وإنما بالتجربة . لا تُخبريني كم عمر معاناتك . أخبريني كم مرة حاولتِ نفضَ غبار الحزن عنك ، وعيناك تُمطرُ وجعا مُمِضّاَ. كم إفتَقَدَتِ الدروبُ خبطةَ قدميك ووقع خطاها ، وأنت تطاردين مواكبَ الفراشِ في الحواكير . أما زلتِ كل مساءٍ ، تنتظرينَ بقلقِ أمٍّ ، جلبة عودة العصافيرِ الى أعشاشها في ثنايا شجر بيتك ؟ أما زلت مع قهوة المساء ووصلات ام كلثوم ، تتعقبين النجوم في عتم الليل ؟ أما زال صهيلُ الديكة البلدية وعصافيرُ الفجر ، رفقاء فيروزياتك وأفراح قهوتك في الصباح ؟
سيدتي ، من الممكن أن تكوني سندريللا العصر . اطيعي روح قلبك ، ولا تهربي . إمضِ بعيدا عن الوحدة . تمادي في احتساء قهوتك معه . فمن اختطفك من نفسك الى نفسك يستحق الحب . دون أن تنسي أن القدر مُستبِدٌّ وإن عَدَلْ . وأن الحب لن يتكرر إلا بالموت .