المسرح الفلسطيني وتداعيات النكبة والمعاناة الفلسطينية – بقلم : د . كمال أحمد غنيم

دراسات ….
بقلم : د. كمال أحمد غنيم – فلسطين المحتلة ….
اتجه بعض الكتاب إلى معالجة صور المعاناة التي تلقتها عائلات المشاركين في الثورة ضد الانتداب ومحاولات التهويد، ومن ذلك مسرحية “مأساة عائلات الشهداء والمجاهدين” لسعيد شقير التي دارت حول حكاية مجموعة من المجاهدين تنادوا لمحاربة الأعداء عام 1937، وكيف استقبلتهم القرى بكل ترحاب وساعدتهم بالمال لشراء الأسلحة، وكيف كان الجيش البريطاني يحضر حيث الشهداء للتعرف عليهم، ثم يصور في مشاهد أخرى انعكاس المأساة على أهل الشهداء حيث يموت الشيخ الكبير والد الشهيد وتموت زوجة الشهيد حزنا عليه، ثم يصور سوء الحال الذي صارت عليه حالة عائلات المجاهدين الشهداء والأسرى، ثم يصور كيف عانى المجاهدون المغتربون وفضلوا العودة للوطن والموت على أرضه، ثم يخرج السجين علي مطالبا بتصوير الحالة المأساوية لعائلات الشهداء، محملا المسئولية للقيادات المحلية والعربية في أمل أن لا ينعكس هذا التصوير على رغبة الشباب في الجهاد، من خلال خوفهم من المصير الأسود، الذي قد يصيب عائلاتهم كما أصاب عائلات إخوانهم الشهداء والأسرى( )، ومن الجدير بالذكر هنا أن صرخة شقير وجدت صدى لها؛ نراه اليوم ماثلا في الرعاية الخاصة التي تحظى بها تلك العائلات.

وكتب برهان الدين العبوشي عام 1947 مسرحية “وطن الشهيد” التي رمى من خلالها إلى إثبات الثناء على كل من ضحى من أجل الوطن، وخصوصا شباب الريف، والشهداء، وبين كيف أخل أهل الغرب بوعدهم، ومحاولات اليهود القائمة على الخداع واللؤم، مبرزا جوانب التقصير عند العرب، ففي الوقت الذي يجمع فيه اليهود المال للاستيلاء على فلسطين، تتفرق جهود العرب، وتبقى الأموال بعيدة عن هذا الهدف، وتنفق بطريقة لاهية تصل عبرها إلى أيدي اليهود، ويشير الشاعر إلى جهود الأمة العربية ورغبتها في الوقوف أمام المؤامرة، زمن كتابة النص، وتبدأ المسرحية بالشريف حسين وأولاده، وثورتهم على الأتراك رغبة في الحرية، وتحالفهم مع العرب على أساس المحافظة على القدس، ومشاركتهم في المعركة إلى جانب الحلفاء بناء على ذلك.

وفي الفصل الثاني يبرز تخطيط اليهود للسيطرة على فلسطين من خلال اجتماع قادتهم، وحصولهم على الوعد وجمعهم المال إعدادا للمعركة وشراء للأراضي، كما يصور الشاعر دور الفتيات اليهوديات، ويبرز الشاعر كضمير حي في المنظر الأخير لينقذ الراعي من السقوط في المؤامرة، وفي الفصل الثالث يبرز الكاتب نجاح اليهود في شراء بعض الأراضي، وكيف ساعدهم “سرسق” وغيره من السماسرة مثل “سقيم”، ويبرز أثر بيع الأراضي على “منكود” وخطر البيع الذي أوشك أن يهدد “خليل” لولا إنقاذ الشباب له، كما يشير إلى طرق التلاعب والتزوير في الاستيلاء على الأراضي التي لا يخضع أصحابها للترغيب أو الترهيب، من خلال قضية حليمة وتزوير شخصيتها للتوقيع على صك البيع.

وفي الفصل الرابع يمتلئ رجال الثورة حماسا، فيقررون مهاجمة اليهود والإنجليز، وفي المنظر الرابع من الفصل نراهم أسرى، ولكن معنوياتهم على الرغم من التعذيب عالية، وفي الفصل الخامس يقوم الثوار بعملية أسر لمجموعة من اليهود كرهائن، لكن الإنجليز يحاصرون الموقع، ويفشلون العملية، ويبرز الكاتب في المنظر الثالث جهود العرب وفي المنظر الأخير جهود المفتي أمين الحسيني وعزم الرجال على المواصلة والاستمرار في الجهاد( ).

وكتب محيى الدين الحاج عيسى الصفدي مسرحية “أسرة شهيد”، صور فيها حالة أسرة شهيد سقط على أرض الوطن، وما لاقته أسرته من آلام وتشريد، يُعدّ نموذجا لما حل بالشعب الفلسطيني خلال هجرته وتفرقه في مختلف البلاد العربية وغيرها، وكيف أصبح أبناؤه جنودا في جيش التحرير( ).

ونشرت مجلة الجديد عام 1962 مسرحية “قدر الدنيا” لكاتب مجهول وقّع باسم “جهينة” المستعار، صور معاناة أسرة فلسطينية، وكشف عن المفارقات الصعبة في معادلة الحياة اليومية من خلال حادث عودة الشاب حسن من لبنان، متسللا إلى بيته الذي يقع في قرية من قرى شمال فلسطين، وعندما يصل البيت يقع الأهل في حيرة، ويتشاورون في قضية بطاقة الهوية دون نتيجة، لكن الابن الأكبر حسين يعدهم بالحصول على الهوية، في مقابل عمل الأخ الأصغر عادل مخبرا عن أصحابه المناضلين، فيرفض الوالد هذه المساومة، وتداهم قوات الاحتلال في تلك اللحظة البيت بغرض اعتقال عادل بسبب نشاطه، فيختبئ حسين في الحمام خوفا من مواجهة أسياده، بينما يتسلل حسن من البيت راغبا في العودة إلى لبنان، ليعود من هناك بهوية حقيقية، ويقبل ولده وهو يبكي، فيدخل ابنه ليبلغ والدته وجدته بوداع حسن وبكائه، فتخرج الأم والزوجة وهما تناديان عليه( ).

وجسّد عبد اللطيف عقل معاناة الشعب الفلسطيني منذ النكبة الأولى من خلال واقع أسرة فلسطينية تشتت أبناؤها كل في بلد وموقع، وذلك في مسرحية “تشريقة بني مازن”، ويبعث اسم العائلة “بنو مازن” في المتلقي آثارا باقية من عزتها، التي تُضرب بها الأمثال، فالشاعر العربي القديم “قريط بن أنيف” يقول:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان

وأفراد العائلة رموز واضحة لمفردات القضية الفلسطينية، فأم مازن هي الحاجة سلمى المازنية المشلولة شللا نصفيا منذ حادثة الأرض الغربية، وهي فلسطين الأم التي اُحتل نصفها الأول عام 1948، الرافضة لكل أشكال النسيان للواقع المر، وأبو مازن شيخ قبائل آل مازن وعميدها، يرفض الهجرة وترك الوطن مهما كان الثمن، لكنه يضطر إلى السفر المؤقت مع ابنته “خسارة”، حتى يوصلها إلى المطار لتسافر إلى زوجها في أمريكا، حفاظا على الشرف والمروءة، فكيف تسافر “خسارة” وحدها، لكنه يواجه المرارة في التعامل السيئ، والتنكر له في بلاد الأخوة، فلا يجد مكانا يبيت فيه ليلته، في بلاد العرب وديار الكرم، ويموت على درج محطة الشرطة.

وينتشر الخبر فيجتمع أولاده حتى يُعيدوا الجثة إلى الوطن، لكن الجثة تسافر من بلد عربي إلى آخر، من خلال انتقالها عبر البلاد الأوروبية المختلفة، وتفشل كل الجهود والمبادرات العربية والغربية للسماح بجثة الفلسطيني أبو مازن بالعودة إلى الوطن والدفن في مقبرته، وينكشف اجتماع الأخوة عن مأساة الشعب الممزق، المبعد برغبة بعض أبنائه أحيانا ورغبات الآخرين في معظم الأحيان عن معالجة القضية، فمازن المازني الابن الأكبر منغمس في الحياة المصرية، متزوج من امرأة مصرية من شارع الهرم، يطمح إلى الانخراط في عالم الفن والتمثيل، وعمر المازني تزوج من امرأة ثانية في بلد عربي منغمس في افتتاح المحلات التجارية وتبديل العملات، وأحمد المازني مغامر، وقع في حب امرأة بيروتية مجربة، كانت تعمل راقصة لرجال الأعمال العرب، وموظفي السفارات والمارينز، ثم علمها الرقص بالسيف، و ما إن مهرت الفن على يديه حتى جربت فيه مهارتها ولفظته، أما محمود المازني فهو مغترب في الخليج، منغمس في العمل بشركات النفط، ومواظب على إرسال مبلغ من المال لوالديه، يبرر الأحداث والأشياء بما يناسب مصالحه الشخصية، وأما داود المازني فهو مغترب في أمريكا، غير اسمه إلى ديفيد، واسم ابنه من جهاد إلى جون بعد حصوله على البطاقة الخضراء من أمريكا، وأما عبد الغني المازني فهو مقاول نقل كل نشاطه إلى المشاريق، وأبقى على شيء من نشاطه الشكلي في الوطن، في صورة اتصال ضعيف، و “خسارة المازني” هي بنت أبي مازن الوحيدة، تزوجت في المشاريق، سافر معها والدها سفره الأخير، ولم تستطع الحضور للمشاركة في جنازة أبيها، لأنه ليس من السهل على زوجها أن يتخلى عن الرحلة إلى ميامي في إجازته، أما وديع وشريف فهما شهيدان قُتلا في ظروف مشبوهة، وعادل المازني قُتل وهو يحاول الإصلاح بين أبناء عمومته، وأما فكري المازني، فهو المثقف الواعي، المكتفي بدور الضمير النابض للأسرة أو الشعب، لا يغادر طاولة كتبه وصحفه، يحلل الأمور بدقة، ويكشف الحقائق بروح تهكمية عازف عن الزواج، رافض للهجرة من الوطن بشكل إرادي.

ومن الواضح أن الكاتب قد استوفى معظم حالات الإنسان الفلسطيني والعربي، ذلك أن كل ابن من هؤلاء يعبر عن توجه من التوجهات، ويشير إلى طبيعة البلد العربي الذي يعيش فيه كل منهم، وكيفية تصرفه تجاه قضية العرب المحورية، لكنه لا يغلق دائرة القتامة، بل يترك الأمل معلقا من خلال “عودة” الابن الأصغر، الذي رفض منذ البداية مع أخيه “فكري” زواج “خسارة”، الغائب الحاضر، وغيابه هو الأمل في ظهوره مع النصر، وظهوره دون ذلك يعني موته، لأن من ظهر في الصورة القاتمة السابقة يشكل في الغالب جانبا من جوانب السلبية العربية والفلسطينية في مواجهة المشكلة، واختفاء “عودة” الظاهر يعبر عن مأساوية الواقع العربي والفلسطيني، الذي قد يحكم عليه بالموت إذا ما ظهر قبل النضج، ويأخذ “عودة” بعدا أسطوريا، ليعبر عن الإرادة العربية، إذ إن أصحابه الذين يحملون اسمه وملامحه رجالا ونساء وشبابا وأطفالا تعتقلهم السجون العربية، مما يعني أن عودة ليس شخصا بقدر ما هو أمة بكاملها، لا يعرفه المنغمسون في ملذاتهم وأهوائهم، بل يعرفه البسطاء، مثل عامل النظافة الذي كان الصدر الدافئ الوحيد الذي تعرّف على “أبو مازن” في غربته داخل وطنه العربي( ).

ويصور توفيق المبيض معاناة الأسرة الفلسطينية في مسرحية “الألوان تحيا من جديد”، لتبرز من خلال غلافها الشفاف معاناة الشعب الفلسطيني بأكمله، فالأم “فايزة” وابنتها “نصرة” تمثلان فلسطين الفائزة والمنصورة -بإذن الله- مهما ادلهمت الخطوب، والعم “تايه” هو رمز للدول العربية البعيدة عن الإحساس بألم الفلسطينيين ومعاناتهم، يستجيب لهم، ويقف معهم إذا أصابته نار الحرب وألمها من “أبو داود”، الذي لا تفرّق ناره بين مناضل ومحايد، أو حتى داعم لباطله، يستغل غياب الرجال -أولاد فايزة- ليعقد صداقة مع “أبو داود” ومناصريه “حربي” الولايات المتحدة، و”سالم” الاتحاد السوفيتي، يحقق من خلالها بعض المصالح والمنافع.

ويعود الأبناء، رمضان “الأزهري”، الذي يصوره الكاتب بالمعتمد على الدعاء والاتجاه لرحاب الله في البداية قبل التوجه لانتزاع الأرض وتحريرها من “أبو داود”، وخالد “المهندس المعماري” الذي يريد الانطلاق على الفور لاستعادة الأرض حتى لو كان الأمر يتطلب معاونة الجار “سالم” بما عنده من إمكانات توازي إمكانات “حربي” النصير الأول لأبي داود، أما ثابت فيقف في المنتصف بين الطريقين بلا موقف ولا رأي بانتظار النتائج، والاكتفاء بانتقاد خالد ورمضان.

وتتطور الأحداث باعتداء “أبو داود” على بيت “تايه” وسلب أرضه وقتل ابنه، بينما يحكم “الشيخ عادل” الذي يرمز للموقف العالمي المتواطئ بالرجوع إلى الحدود السابقة، وإرجاع ما أخذه أبو داود من تايه في ضربته الأخيرة، ويدعو بعض المحايدين إلى تنازل الطرفين قليلا، وتبقى وصية الأب الشهيد بضرورة استعادة البيت والأرض بكاملها ماثلة أمام الجميع، لكنهم يحتارون في الطريقة التي يسلكونها، وإن كان الرأي عندهم عدم التنازل عن الوصية، ويختار الأبناء طريق المواجهة، لكن المعركة تشتد والخسائر تكبر، ليبقى السؤال معلقا في نهاية المسرحية عن ماهية الطريق نحو تحقيق الهدف( ).

ويجسّد توفيق المبيض المعاناة في مسرحية “القادم من تحت الأنقاض” بطريقة أخرى، تتناول بشكل رمزي جوانب من حياة الأب الفلسطيني “صابر”، وزوجته “صابرة” في طريقهم لإحقاق الحق، وإقامة العدل، والوصول إلى فض المشكلة بكل الطرق، يستلهم من خلالها مراحل النكبة، وإن لم يلتزم بترتيب الأحداث زمنيا ومكانيا.

ويقدم الكاتب في مقدمة المسرحية صابر الصابر وهو في مكان مقفل، يطرق الباب المكتوب عليه: “العدل”، ليعرض مشكلته، لكن الصوت الجهوري يطلب منه كلمة السر، ومن هنا تبدأ لوحات المسرحية الممثلة لفصول المأساة المتعاقبة، فاللوحة الأولى “اللاجئ”، تدور أحداثها بين صابر والنحيل الأعور “ديان”، مرة في مخيم اللجوء، وأخرى في مركز القيادة، وثالثة أمام بيت العدل يُبرز من خلالها المعاناة في مخيمات اللجوء، ويعتقد صابر وزوجته أن كلمة السر هي “لاجئ”، فيتوجه إلى بيت العدل، ليكتشف أنها غير ذلك، فيعود للبحث عنها من جديد، وفي اللوحة الثانية “المتمرد” تدور الأحداث في السجون حيث يعاني رجال المقاومة، ويعود صابر إلى بيت العدل ليطلق كلمة “متمرد” لكن الباب لا يُفتح له، وهكذا في اللوحة الثالثة تدور الحكاية حول مرض أحد الأطفال الذي يحتاج إلى العلاج، ولكن الاحتلال يرفض إقامة الأسرة، وبالتالي يمنع علاج الطفل، الذي يوشك على الهلاك، ويعود صابر بكلمة “وثيقة سفر” لكن الباب لا يفتح له، وفي اللوحة الرابعة يستعرض شكلا آخر من أشكال المعاناة المتمثل في منع التجول، والطوق الذي يستخدمه الاحتلال كأداة من أدوات القمع، ويعتقد صابر أنه وصل إلى كلمة السر “الطوق”، لكن الباب يبقى مغلقا، وفي اللوحة الخامسة ينفد صبر “صابر الصابر”، ويلجأ إلى المقاومة بالسلاح، ويظهر الذعر في وجه ديان والعجوز جولدا مائير وليفي الرجل ذو النظارات، وتؤلمهم الجراح التي أصابتهم من سلاح صابر، ويخافون الحرب وتطورها، ويصل الأمر إلى قتل “ليفي” الرجل ذو النظارات، ويحاول النحيل التخطيط لقتل صالح الصابر، ويُكتشف أمره، ويُقتل، لكن بعد أن يطلق الرصاص على زوجة صابر، وبذلك يكتشف صابر كلمة السر، فينفتح باب العدل أمام كلمة “سلاح”، ويستطيع صابر الصابر الوصول إلى بيت العدل يحمل البندقية وغصن الزيتون، ويرفض النحيل غصن الزيتون، ويشهر سلاحه، بينما يرحب الناس بصابر القادم من تحت الأنقاض يحمل بندقية وغصن زيتون، وقد أدرك أن السلام لا يتحقق إلا ببندقية الثائر( ).

واستثمر محمد حسيب القاضي أسطورة “بعل” إله الخير، و”عنات” إلهة الخصب في المشهد الأول من مسرحية “دولة أيوب” للدلالة على عمق معاناة الإنسان الفلسطيني، إذ يستنجد إله الخير بإلهة الخصب، حتى تخرجه من عالمه السفلي، المترتب عليه انتشار الخريف على الأرض، وتحاول ذلك، لكن الخفافيش تقاومها، وتشده أيدي الظلام، والأصوات تعذب “بعل” بالزعم أن زوجته “عنات تخونه( )، في تجسيد واضح لفلسطين، والمحاولات المستمرة لتحريرها.

واستدعى سميح القاسم في مسرحية “قرقاش” شخصية الحاكم قراقوش، الذي اعتبره البعض رمزا للاستبداد، على أن قرقاش هو الاسم العبري لهذا الحاكم! ويسير القاسم وفق الرواية التي تزعم أن قراقوش قد تميز بإصدار القوانين الحمقاء القاتلة للحريات( )، والشاعر هنا يعدد هذه الأوامر والقوانين، في شكلها العصري، فيمنع قراقاش التجول في أثناء قيامه بالرحلات، كما يمنع الغناء الشعبي، ويستولي على أبناء الشعب جندا، يعملون في جيشه على الرغم من إرادتهم، ويعدم من يرتكب جريمة العقم، فلا ينجب الأطفال، ويعدم الأطول إذا كان المجرم قصيرا، ويحكم على ولده وعلى من تزوجها من بنات الشعب بالإعدام، ويطفح كيل الظلم، فيندفع الشعب، ويقتل قراقاش ووزيره، ويجلسون على كرسي الحكم( ).

ويقدم الكاتب أحمد حسين نمر في مسرحية “عرس في تشرين” مشاهد متعاقبة من التاريخ، يبرز من خلالها الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، متخذا مسرور الجلاد رمزا للقمع عبر العصور المتعاقبة، فالأعرابي تؤخذ منه ابنته عنوة، لتصبح محظية السلطان، تحت بطش سيف مسرور الجلاد، والعاشور التركي، ثم الكوميسير الإنجليزي، والخواجة اليهودي، يحكمون الناس بالحديد والنار، مستعينين بسيف مسرور الجلاد، فيضيع الحقل، ويتأجل العرس، انتظارا لصيف يحمل الفرح، ولكن الثورة تنفجر في صدور الفلاحين، ويكون الغضب في تشرين، إشارة إلى حرب أكتوبر، ليكتشف الجميع أن سيف مسرور ضعيف بإرادتهم، وينكمش الخواجة، ويتداعى الجميع للتماسك، والاستمرار في رفع العصي بوجه الخواجة، حتى لا يرفع رأسه من جديد( ).

وقد اعتمدت بعض المسرحيات على تشخيص الأغاني الشعبية، وقامت بصياغتها مسرحيا، وبرع في ذلك جبريل الشيخ في مسرحية “تغريبة زريف الطول”، التي تناول فيها قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والمعاناة القاسية التي تفجر المقاومة الشعبية العارمة، التي راحت تواجه الاحتلال بكل قوتها، لولا بعض الاختلافات التي أضعفت الثورة، مما يدعو ظريف الطول للسفر إلى حلب، حتى يرجع بالحكمة لأهل بلده، وتنتهي المسرحية برسالة الحكمة التي يرسلها إلى شعبه قبل قتله في الخارج، بأنها المحبة والالتحام بين الثوار، ويسلك جبريل الشيخ في تجسيد هذه المعاني من خلال اعتماده على تجسيد شخصيات تحمل أسماء معروفة في الغناء الفلسطيني الشعبي، فبطل المسرحية هو “ظريف الطول”، اللحن الفلسطيني المرح الموحى بالانطلاق، حيث يجعله شابا وسيما ينصر الضعفاء، ويحبه الناس حاملا رمز الحكمة، وصديقه “شوباش” اللحن الحماسي المعروف، الذي يجسد النخوة والحمية، ويُستخدم في الحروب والأعمال الجماعية كالبناء، وهو هنا شاب صديق لظريف الطول، يحمل رمز القوة المكملة لحكمة ظريف، والبطل النقيض محمد العابد، هو لون من الغناء، يتميز بنسبته إلى الراوي محمد العابد الشخصية الخيالية، ويأتي عادة على لحن العتابا، وهو في المسرحية عجوز متصابي، أناني.

كما يستخدم شخصية “عتابا” على أنها أرملة شابة، “وميجنا” على أنها ابنة عم “عتابا” وتابعتها، و”دلعونا” على أنها امرأة جميلة شابة متمردة على أوضاعها الاجتماعية، و”لية” على أنها خطيبة “شوباش”، و”أسمر اللون” على أنه فلاح شاب، و”جملو” خطيبة أسمر اللون، و “جفرا” بنت يتيمة في سن مبكر، و”ميج” رجل فقير والد “ميجنا”، و “أبو الزلف” رجل غامض، وكل هؤلاء -كما هو معروف- ألوان من ألحان شعبية فلسطينية، جسدها الكاتب في شخصيات، تمثل مأساة الشعب الفلسطيني، وتحاول إيجاد الحلول لها.

وقد استعان الكاتب ببعض الشخصيات الواقعية، ليستكمل النسيج الدرامي، مثل الجمال رفيق ظريف الطول، والغنام، وحراث البقر، وفرج الله المنافق، وقد وردت أسماء هؤلاء في الغناء الشعبي، بالإضافة إلى على المحتد، وشريف السيد، أصحاب المكانة، وملتزم الضريبة من العهد التركي، وبعض الوجهاء وغيرهم( ).
وسار عدنان إدريس على النهج نفسه في مسرحية “عودة فلكلور”، فجسد شخصية ظريف الطول ليكون البطل الشهيد، وزوجته “دلعونا”، ورمز للقضية بشخصية فلكلور، بالإضافة إلى شخصيات تراثية كالنمرود وعاد وثمود، وواقعية مثل “أبو محمد” و”أم محمد” و”أبو أحمد” ونبيل وعادل وخولة وغيرهم، وصور من خلال ذلك حكاية استيلاء اليهود على الأرض، وبنائهم المستوطنات على أنقاض البيوت العربية ودماء الشهداء وعظامهم، كما صور معاناة الشعب في ظل الإعلام العربي، الذي جعل القضية مجرد خطاب سياسي وشعار لا يُسمن أو يُغنى من جوع، لكن فلكلور يعود بجماعة من الفدائيين، يبعثون الأمل في نفوس الناس، ويسير معه ظريف الطول وأبو الزلف، الذين وحدوا الصفوف، وراحوا يطالبون الناس بالتواصل معهم( ).

ويتجه معين بسيسو إلى الكتاب الأدبي الرمزي الرائع “كليلة ودمنة” في مسرحيته: “محاكمة كتاب كليلة ودمنة”، ليقدم فيها عبد الله بن المقفع للمحاكمة بتهمة الكتابة الرمزية، بما تحمله من غمز ولمز، بالإضافة إلى ما في ذلك من إيحاء بانعدام الحرية في ظل الحكم القائم، مما يعني أن ابن المقفع يمارس بذلك أقسى أنواع النقد للسلطان، و يمنح الكاتب مسرحيته الروح الهزلية ليصنع المفارقة المضحكة المبكية، عندما يطلب ابن المقفع شهادة الأسد، فيعتذر حامل المحبرة بأن الأسد مصاب بالزكام، ويخشى أن يعطس في حضرة القاضي، كما يعتذر عن حضور الثعلب لأن ذيله انقطع بموسى أحد الحلاقين، وعن حضور الجمل لأنه هرب خوفا من القانون الجديد القاضي بقتل جميع الأرانب، ولا يبقى إلا الهدهد، الذي يأتي بجرأة وهو يحمل في منقاره عودا من قش، ليساهم في حرق الكتاب، لأنه يعرف نتيجة الحكم الجاهز، فالمحرقة قد أُعدت، والحطب يُجمع بجوار المحكمة، بينما يزيفه القاضي ومن معه بادعاء العدالة، والاستجابة لطلب ابن المقفع بالاستماع للشهود، ولأن الهدهد قد أفشى السر يأمر القاضي بحبسه في قمقم حتى الموت، ويؤجل الحكم المفضوح لصباح اليوم التالي( ).

واستعان بشير علي عمرو في مسرحية “نيرون” بالتاريخ الروماني، من خلال شخصية نيرون الحاكم المستبد، الذي أحرق روما، كي يتخلص من مظاهر الفقر والتخلف، حيث تتجاور القصور والأكواخ، حتى يبنيها بناء جديدا لا وجود فيه للأكواخ والفقراء، في صورة يتمرأى فيها واقع معاناة الشعب الفلسطيني إزاء احتلال يزعم المدنية والحضارة، ويبطش ويدمر تحت عناوين البناء والتعمير، ونيرون هو ابن أجربينا التي تزوجت الملك كلوديوس وأقنعته أن يجعل نيرون ابنها من زوجها الأول وليا للعهد، وقامت بتربيته على يد الفيلسوف “سنكا”، لكنها منعته من أن يتعلم الفلسفة، واكتفت بتعليمه الأدب والأخلاق، وكانت تتدخل في عمل الفيلسوف، ثم تخلصت من كلوديوس بفطيرة مسمومة، وضمنت تأييد الحرس لابنها بمساعدة “بوروس” القائد، وعاشت الإمبراطورية في السنوات الخمس الأولى من حكمه في رخاء وعدل، إذ قادت أجربينا سفينة الحكم من وراء الستار، لكن نيرون شب عن الطوق، وأراد أن يمارس لعبة الحكم بمفرده.

ومن هذه اللحظة الحاسمة تبدأ مسرحية علي عمرو، ليبرز من خلالها ما جناه تدليل الأم من عواقب، وما فعلته مكائدها في تخريب نفس ولدها، الذي أصبح موسوسا، لا يثق بأحد، ويخشى أقرب الناس إليه، وتعامل مع من كان لهم الفضل في وصوله للحكم بطريقة جديدة، قوامها الشعور بالنقيصة أمامهم، فما كان منه وهو يفكر في صناعة المجد، إلا أن يتخلص منهم، فقتل والدته عندما اعترضت على جلساء السوء عنده، ووقفت في وجه تفكيره بهدم روما، وطرد الفقراء منها، كما أنه ركل زوجته أُكتافيا ابنة كلوديوس، وهي تحمل جنينه في بطنها، ومارس ما أراد، فأحرق روما، ووقف يراقبها من بعيد، والبيوت تحترق قصورا وأكواخا، والناس تتلظى بالنار أغنياء وفقراء، وأبقى بعض جنوده على أسوارها، ولما خمدت النار دخل روما، ليعيد بناءها، لكن الجموع الغاضبة حاصرت المدينة، واشتعلت نار الثورة في نفوس الجماهير، الذين احترقت بيوتهم، واحترق أهلوهم وأقاربهم، وصدر الحكم بصلب نيرون، لكنه سارع إلى الانتحار، بوضع الخنجر في فمه( ).

وقد قام الكاتب محمود عباسي بمسرحة قصته القصيرة “في الهزيع الأخير”، فكتب مسرحية “العمر ليلة واحدة”، ونقل من خلالها صورة واقعية من تمزق ومعاناة الإنسان العربي في فلسطين نتيجة مآسي الحروب المتتابعة، وتشتت شمل الأسرة الواحدة، وهي تدور حول فقد “هناء” عريسها “واصل” ليلة عرسها، حيث يختار الخروج مع القوات العربية المنسحبة إثر دخول اليهود إلى قريته عام 1948، لخوفه من انتقام هذه القوات منه، لأنه كان قائد موقع في القرية، وعمل مع المقاتلين في مقاومة اليهود، ويعاني واصل في الغربة من الحرمان والتشتت والضياع، ويظل في حنين متواصل لوطنه وزوجته وأخيه سعيد.

وتأتى نقطة التحول عندما يقبل واصل القيام بعملية فدائية في فلسطين، فيتسلل عبر الحدود، ويصل لتنفيذ مهمته إلى قريته ويلتقي بزوجته “هناء”، ويقضي معها ليلة دافئة، تكون ثمرتها ابنة جميلة، تثور حولها الشكوك، لأن أحدا من أهل البلدة لم ير واصل، ولا يعرف عن حضوره شيئا، وتتعقد الأمور عندما يعلم واصل أن المصنع الذي جاء للقيام بنسفه؛ هو المصنع الذي يعمل فيه أخوه، حيث يحدث الصراع الداخلي بين عواطفه ومبادئه، وقبل أن يحسم هذا الصراع تداهم الشرطة البيت، فيهرب قبل تنفيذ المهمة، ليترك زوجته تعيش معاناة من نوع آخر، تمثلت في اتهامات الناس لها، غير المشفقة عليها، وخوفها من الكشف عن حقيقة تسلل زوجها إلى القرية لما في ذلك من مخالفة قانونية ستُعاقب عليها، لكنها تضطر لمواجهة الحقيقة عندما تأتيها ابنتها وقد عذبها كلام الناس، فتبوح لها بحقيقة ما أخفته على مدار الأعوام الماضية، ويُفاجأ الجميع بعودة واصل ليلة الاحتفال بزواج ابنته “منال”، لتتم الفرحة ويجتمع شمل الأسرة من جديد( ).

وقد رصد الكتاب المسرحيون صور المعاناة في أكثر من جانب من جوانب الحياة الفلسطينية، ومن ذلك صورة اللجوء في المخيمات، والمعاناة فوق العادية، التي سحقت بفظاعتها ومرارتها قلوب الفلسطينيين، فقد صور محمد أحمد جاموس في مسرحية “مأساة لاجئة” حكاية السيدة ثريا، المهجّرة من يافا إلى حيفا فرام الله مع غيرها من النازحين، وقد فقدت كل شيء، وأقامت هناك تفترش الأرض وتلتحف السماء، وأقصى ما استطاعت أن تحصل عليه هو قطعة من الخيش، جعلتها ستارا على باب كهف أوت إليه، وظهرت مأساتها جلية في خروجها أمام الكهف ومناجاتها السماء، وبكائها الديار، مما أجج الحزن في صدور جاراتها وأخواتها في النكبة، وأبكاهن جميعا، وعندما جاءها ولدها خالد يبثها رغبته في الثأر، استثارت عزيمته، فاندفع إلى الميدان ببسالة، واختاره الله شهيدا، ووصل النبأ إلى والدته، مما زادها ألما على ألم، لأن خالد كان هو آخر رجائها في الدنيا، وهكذا شعرت بأن المصائب تترى عليها، وعلى أهلها، فبكت غربتها وثكلها بمرارة، حتى وافاها ابن عمها سعد، فرجته أن يأخذ بيدها إلى قبر ولدها لتزوره.

وأعدت العدة لذلك، وانتظرت ابن عمها عند مفترق الطرق، وهي تستمع إلى مشاهد الحنين والألم ممن حولها من المشردين عن ديارهم، فأحزنها حديثهم، وراحت تردد أغنيات حزينة، غلبها خلالها النوم لشدة ما قاست، ورأت في نومها رؤيا النصر، فالناس في بهجة وسرور، وأقواس النصر مرفوعة، ومعالم الزينة واضحة، وصوت البشير ينادي بالنصر، مما جعلها تشارك النساء في أغنيات النصر وأهازيجه، ورأت نفسها ومن معها يعودون إلى الوطن، ويقيمون في بيوتهم، بل إنها شاهدت ابنها خالد هناك، يبتسم ويفخر بخلود الشهداء، وبقائهم على الحياة، فتحاول ثريا الوصول إلى ابنها لتضمه، ولكن تزل قدمها وتسقط على الأرض، وعندما تفتح عينيها تجد نفسها ما زالت عند مفترق الطرق، وقد وصل ابن عمها حسب الموعد لزيارة قبر ولدها الشهيد، فجُن جنونها وصرخت بحرقة تبكي دارها وولدها، ولم تتحمل حجم الفاجعة، فخرت على الأرض جثة هامدة، لتنهي مشهدا من مشاهد المعاناة في مخيمات اللجوء والقهر الكبير الذي فُرض عليها وعلى شعبها( ).

وصور وليد رباح في مسرحية “وثيقة سفر فلسطينية” مأساة اللجوء وفقد الهوية، حيث تناول خيمة اللجوء وقتل الأطفال لأتفه الأسباب، واعتقال الرجال دون مبرر، والمعاقبة على حيازة الأسلحة حتى لو كانت مجرد بندقية صيد، والاضطهاد غير المبرر في المطارات العربية، حيث يُستقبل الأجانب بكل ترحاب، ويُعامل العرب بدرجة أدنى، بل يُعامل الفلسطيني على أنه متهم أو مجرم، ينتظر ساعات في مكتب المخابرات بالمطار، ويُسمح له بنصف الفترة، التي يرغب في مكوثها أو أقل، كما يتابعه المخبرون لحظة بلحظة، ويطلبون اللاجئين في مخيماتهم كشاهد حي على المأساة، دون العمل على معالجة أوضاعهم، أو إزالة مبررات بقائهم على هذا الحال، وتبقى حرية الكلمة جرما مشهودا، فمن المسموح الكلام عن البطولات القديمة أو الخيالية، كعنترة والهلالي وشهرزاد، لكن الحديث عن بطولات القسام جريمة يُعاقب عليها كل الجالسين في المقهى، كما يصور الكاتب تمزق الشعب وتشتته في الخارج، عبر مشهد تحيات الأرض المحتلة من خلال الإذاعة، وتظهر المؤامرة واضحة في مشهد الأمريكي والشيطان، وفي مقابل ذلك يرسم الكاتب ملامح الصمود الماثل في العرس الذي أقامته أم الشهيد، ويتضح الإصرار على مواصلة التضحيات في المشهد الأخير( ).

وقام رياض مصاروة بمسرحة رواية “رجال في الشمس لغسان كنفاني”، التي طرحت مشهدا مأساويا من مآسي الشتات الفلسطيني، الباحث عن لقمة العيش في ظروف موضوعية مقلوبة، فرجال الشمس “أبو قيس، وأسعد، ومروان”، أُجبروا على ترك الوطن، ليعيشوا ظروف المأساة، وكان البحث عن الحل في الاتجاه الآخر، بالهجرة بعيدا عن الوطن، عبر صحراء حارقة مشمسة، في ظل غياب بطاقة الهوية، أو التصريح الخاص، فكان لا بد من المغامرة بالصعود إلى خزان المياه، واختراق الصحراء للوصول إلى بلاد الخليج، رغبة في العمل فيها، وعلى الحاجز يحاول السائق أن يبتعد بالسيارة بسرعة عن الحاجز وأعين الجنود و روتين التفتيش والمنع، لكن الجنود العابثين يشغلونه بسخريتهم ودعاباتاهم، ويتأخر عن الرجال، لينضج الرجال في فرن الخزان، وعندما تتاح له الفرصة، وينطلق بهم بعيدا، لا يسمع لهم صوتا، ولا يرى لهم حركة، ويخرجهم جثثا ميتة، ماتوا بصمت، ولم يطرقوا الخزان، فربما كان المنع والأسر أهون من الموت، أو ربما كان الموت بشكل علني أكثر بلاغة، وأقوى حجة من الموت الصامت، القابع في خزانات التعتيم( ).

ورسم حكم بلعاوي في مسرحية “المستحيل” صورة أخرى من معاناة الشعب الفلسطيني في الشتات، فأبو حماد وأسرته يغادرون أرضهم وحقولهم وبيوتهم، ليسكنوا الكهوف والخيام، ويلبسوا أسمال الثياب، في ظروف حياتية أشبه بالمستحيل، وتتوالى مصائب النزوح بموت أبي حماد الذي لم يستطع تحمل الكارثة، ويُصاب الطفل مرزوق بسعال عنيف، يقود خطاه تدريجيا إلى الموت، ويجتمع بقية الأخوة على قرار المواجهة والتضحية، بدلا من انتظار الموت المجاني، الذي يحصد الأرواح حصدا، وتتجمع الجهود لمواصلة النضال، وتستمر قافلة الحزن باستشهاد الشاب “صادق”، وإصرار الجميع على المواصلة والمقاومة وتحقيق المستحيل( ).

ولجأ الكتاب إلى تصوير أشكال معاناة الأهل في الأرض المحتلة عام 1948، بما في ظروفهم من خصوصية، ومن ذلك مسرحية “أم الروبابيكا هند الباقية في وادي النسناس” لإميل حبيبي، التي كتبها عام 1992، معتمدا على قصتين قصيرتين من تأليفه، والمسرحية عبارة عن مونودراما تقوم بها ممثلة واحدة، وتحكي عن مأساة امرأة في أواخر الشباب، رفضت النزوح إلى لبنان مع زوجها وأولادها في نكبة عام 1948، وبقيت في بيت العائلة في وادي النسناس في حيفا، فظن الناس بها الظنون، فمنهم من قال أنها مجنونة، ومنهم من قال أنها عاشقة خائنة لزوجها، إلا أنها حافظت على كرامتها بما كانت تبيعه من فراش ولُحف، وما وقعت عليه يداها من متاع عربي سائب أو منهوب، كانت تشتريه وتحسّنه وتبيعه، بعد أن تحتفظ بكنوزها، التي تلقاها مخفية في طيات الفراش من قلادات، وأساور، ورسائل حب أول من فتيان رحلوا مع أهلهم، منتظرة عودتهم في يوم ما حتى ترد الأمانات إليهم.

وقد عاد العديد من أهل وادي النسناس النازحين منذ العام 1967، يزورون بلادهم ويطوفون في شوارعها وأزقتها، يفتشون عن بيوتهم القديمة، فيجدون الغرباء قد سكنوا فيها، يطرقون الأبواب، ويطلبون جرعة ماء، ثم يمضون عائدين إلى ديار الغربة إلا بيت هند، التي انتظرت أهلها عشرين عاما، لكنهم لم يطرقوا باب بيتها، لأنه مفتوح لاستقبال الشباب الباقين في وادي النسناس، الذين فسروا معاملتها الحسنة، ورعايتها للسجناء منهم بظن السوء، فصاروا يسمونها “أم الروبابيكا”، أي بائعة الأثاث القديم، بدلا من لقب “ملكة الوادي غير المتوجة”، الذي كانوا يطلقونه عليها.

وتكشف هند عن حب قديم وشريف بينها وبين أحد المقيمين، إلا أنها لم تبح له بذلك، وظن بها كغيره الظنون، ولم يعد يزورها، كما تكشف عن عشق للوطن وتعلق به، وانتظار الفرج الذي طال غيابه، وانكشف عن زيارات عابرة متوجسة، ويعبر حديثها عن عتاب مرير للنازحين والمقيمين على حد سواء، وتختتم الحديث بالإصرار على البقاء، رغم كل الظنون والاتهامات، في الوطن والتعلق به، وانتظار النصر القادم على يدي ولدها الشاطر حسن هو الخلاص من المعاناة، ومن غربة الإنسان داخل الوطن( ).

وقد عبر إميل حبيبي في مسرحية “لكع بن لكع” عن معاناة الفلسطيني في الداخل والخارج، فقد روى من خلالها حكاية النزوح الفلسطيني من عام 1948 حتى أواخر السبعينات، ومر خلالها بأحداث الأردن، ولبنان، ومعاهدة كامب ديفيد، ضمن قيود مسرحية خاصة به، وهو يهدي عمله إلى حنين وفرح، حتى يكون اللقاء بينهما فرحا، والأول هو الفلسطيني تحت الاحتلال، والثاني هو الفلسطيني عبر الحدود، وبطلة الفصل الأول هي “بدور” الأرض والقضية، وبطل الفصل الثاني هو “بدر” الإنسان الفلسطيني الرافض للمساومة، المتمسك بأرضه، وبطل الفصل الثالث هو “المهرج”، رمز الإنسان العربي الرازح تحت سطوة الحكم الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1948، بالإضافة إلى شخصيات أخرى ترمز لليهودي والحكام العرب والشعوب العربية، ليصور من خلال ذلك كله ثلاثة عقود من التحول السياسي العنيف، والمعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال، والضربات المتوالية، التي اكتوى بنارها من مأساة كفر قاسم حتى زيارة السادات للقدس وما تلاها( ).

كما جسّد سليم خوري في مسرحية “الجن والإنس” معاناة الفلسطيني الباقي في الأراضي المحتلة عام 1948، من التفرقة العنصرية الحادة التي يمارسها الاحتلال ضده، ذلك أنه يعتبر نفسه من أفضل طبقات الكائنات، مستغلا إجراء الصراع الرمزي بين الإنس الضعفاء الذين يمثلون العربي في البلاد، والجن الأقوياء الذين يمثلون اليهود الحاكمين، الذين يقومون بأبشع الجرائم، ويلبسون ثياب البراءة والوداعة، ولا يترددون في قتل كل معارض في صفوفهم لأساليبهم الوحشية، أو لآرائهم العنصرية، وتتضح هذه الحقائق من خلال الحوار، الذي يبدأ به المسرحية بين عنصرين من عناصر الجن هما سحر والوزير شمرش، لكن سحر على الرغم من اقتناعها بهذه الأفكار تقوم بالمهمة التي كُلفت بها، وهى استدراج الشاعر وائل ليكون وسيطا بين الإنس والجن، فينشر بين الإنس ما يريده الجن من أفكار، أو أوهام، مقابل أن يرفعوا عنه الهم بإزالة “البلغمة” في كتفه، التي تمثل الهم الإنساني اليومي، بما يعني إغراءه بحل مشاكله، وإغداق المال والجمال عليه، وغير ذلك من المغريات، ثم يصبح بعد ذلك مجرد أداة، لإسقاط ما يستطيع من الإنس لصالح الجن، ويحظى الشاعر وائل بإعجاب ملك الجن لأنه يضيف كلمات مناسبة إلى الأغنية الوطنية للجن، مما يعجّل في عملية إزالة “البلغمة” من كتفه، ويأمره الملك بترديد الأغنية بين الإنس، ويفسر الأمر لسحر بعد ذلك على أنه إشعار للإنس بقوة الجن وجبروتهم، حتى ينزاحوا من طريق الجن، وبالتالي ينتشر الجن في الأرض.

وفي المقابل يقف الوزير شمهور في وجه التمييز العنصري بين الجن والإنس، ويصدر مشروعه في كيفية التفاهم مع الإنس، ويستدعيه الملك، ليخبره أن ذلك يتعارض مع العهد السري الذي لا يُؤتمن عليه غير الملك، وأن تدخل شمهور سيعرقل سيطرة الجن، التي تتضح من خضوع أمثال الشاعر وائل، لكن شمهور يشير إلى التطور الحاصل في العالم، مما يقود إلى ضرورة التفاهم بين الإنس والجن، وأنه إذا كان الشاعر وائل وبعض الإنس قد استجابوا لتخطيط ملك الجن، فذلك لا يعني أن الإنس كلهم سيسيرون على النهج نفسه، وعندما يرى الملك إصرار شمهور يحتال للأمر بالتسويف، ويعلن كاذبا عن احترامه لمشروعه حتى يكسب الوقت ويستطيع التصرف، ثم يأمر الوزير شمرش بقتل شمهور كما قتل قبل ذلك مدير الدائرة السرية الذي كان يحفظ العهد السري الذي لا يطلع عليه الآن أحد سوى الملك.

ويتم تنفيذ الأمر، ويُقتل شمهور، لكن جماعته يثيرون الشكوك حول مقتله، ويطالبون بخلع ثياب الجن، وإلقاء الأسلحة، والتزيي بزي الناس، بل يقومون بمظاهرات تطالب بذلك، يرفعون الشعارات التي تتساءل عن حقيقة مقتل شمهور، معلنين أن مشروعه سيبقى، ويحاول الملك استرضاءهم، فينصرف بعضهم، لكن تبقى جماعة ترفع شعار الملل من الوعود الكاذبة، مما يضطره في النهاية إلى تفريقهم بالقوة، لتنكشف التطورات الجديدة عن تصاعد القناعات بعدم التفرقة بين الإنس والجن.

وتتصاعد شكوك الملك فيمن حوله، ويصبح هدفه القادم الوزير دهموش، فيقيم حفلة للجن حتى يفتح الصندوق الأصغر، الذي يظل ماثلا على خشبة المسرح من بداية المسرحية، وإذا به صندوق مليء بالجماجم، يوزعها الملك عليهم، معلنا أن هذا هو مصير كل من يخون.
ويحضر الشاعر وائل ومعه صديقه خليل حتى يخلصه من “بلغمته”، لكن خليل يسيء الإضافة إلى الأغنية الوطنية للجن، فيذكر شطرا بقافية مخالفة، مما يثير حنق الجن وملكهم عليه، ويأمر بوضع بلغمة وائل على كتفه بالإضافة إلى بلغمته، ويحاول وائل أن يعترض، بأن ذلك يسيء إلى مهمته وسط إخوانه الإنس، لكن الملك المغرور لا يهتم به، لأنه يحتقر الإنس كافة.

وتقف سحر في وجهه لأول مرة بعد أن أدركت الجرائم التي يرتكبها الملك في حق الجن كما يرتكبها في حق الإنس، ويأمرها الملك بالخروج، لكن الجن تطلب منه أن يأمرهم بقتلها، فتقول هي موضحة حقيقة الملك أنه يريد بالفعل قتلها، لكنه سيقتلها في الخفاء كما قتل غيرها من الجن، وأن عنصريته ضد الإنس قلبته سفاحا يدمر الإنس والجن معا، وتخرج، بينما يصر وائل على إعادة بلغمته إليه لا إلى خليل، لكن الملك يطرده، بينما ترتفع أصوات الاحتجاج على حكم الملك في الخارج، ويحاول الملك تجاوز هذه الأصوات، فيأمر الجن بمواصلة غناء أغنيتهم الوطنية( ).

وصور أدمون شحادة في مسرحية “القديسة” معاناة الجماهير العربية داخل الأرض المحتلة عام 1948، التي أصبحت تعامل معاملة الأقلية في وطنها، وتحاكم بناء على قوانين بعيدة عن ثقافتها وتقاليدها، رغبة في طمس هويتها وحريتها.
وقد ألبس المسرحية ثوبا تراثيا أسطوريا شفافا، فالسيدة إخلاص زوجة القائد مراد الملقبة بالقديسة، يغيب زوجها مراد عامر بعد خروجه للحرب عشر سنوات، وتبقى مخلصة له، وتحظى بحب الجماهير لها ولزوجها البطل، لكن الحاكم الغريب عن المدينة كان قد أصدر قرارا بأن كل امرأة في المدينة لا بد أن تعمل على الإنجاب باستمرار، وأن الحد الأقصى بين الإنجاب السابق واللاحق هو عشر سنوات، وبالتالي فإن النساء الأرامل أو اللواتي فقدن أزواجهن محكوم عليهن بالزواج، رغبة في تعويض القتلى الذين سقطوا في الحرب.

وبما أن القديسة قد بلغ ولدها السنة العاشرة من عمره، فإن ذلك يعني وقوعها تحت طائلة القانون، ويحاول بهاء وكيل أعمالها أن يحل مشكلتها، بعرض الزواج عليها، مستغلا الواقع الجديد وإحساسه بالضعف البشري الذي كان ينتابها وتمنعه في اللحظة الأخيرة، لكن القديسة ترفض هذا العرض على الرغم من اعترافها بضعفها البشري وقدرتها على مواجهته في اللحظة الأخيرة وفاء لزوجها القائد، الذي وعدته بالانتظار حتى الموت، وتضطر القديسة إلى مواجهة الحاكم وقراراته الظالمة بنفسها، ويحاول الحاكم و وزيره الضغط عليها، والإيعاز لها بأنهم سيحاكمون زوجها غيابياً، وإصدار الحكم عليه بالخيانة، ثم يعرض الحاكم عليها الزواج منه، لكنها تحت هذا الضغط تناور، وتوافق على الزواج لكن من وكيل أعمالها بهاء.

وفي هذه الأثناء يدخل من باب المدينة رجل حطاب يساعده جابر بائع شراب السوس يحمل أخبارا عن القائد مراد وكيف جرح وعالجته فتاة اسمها “زهرة العلى”، وأنها طلبت من قومها أن يبقوه لها لتتزوج منه، ورفض مراد، لكنه اضطر لقبول شرطها بدلا من السجن، مقابل شرط فرضه على الفتاة، هو أن تتركه بعد عشر سنوات، لأن القانون يجبر زوجته الحبيبة على الزواج إذا تأخر عنها أكثر من ذلك، ويدرك جابر أن الحطاب هو مراد، وقد عاد لينقذ زوجته، ويعرف مراد منه مجريات الكثير مما حدث في غيابه، وكيف قام الناس برفض تجنيد أبنائهم إجباريا في جيش الحاكم، وما قام به الأخير من أشكال القمع ليفرض رأيه، والدور الذي لعبته القديسة في تخفيف العقاب على قومها، لكن الشباب -ومنهم ابن جابر- لم يسلموا من بطش الحاكم، فالكثيرون منهم سُجنوا، والكثيرون ممن عُذبوا أُصيبوا بالجنون. ويمكث مراد عند الحطاب جزءا من الليل، حتى يجهز نفسه لملاقاة زوجته، والإعلان عن عودته، بعد أن علم بتطور الأحداث معها.

وفي بيت مراد تستعد الوصيفة بسمة للخروج، بعد أن فقدت بهاء الذي أحبته وغدر بها، ويدور الحوار بينها وبين القديسة، مما يسفر عن قرار القديسة بالفرار من المدينة، على أن يتم الزواج بين بهاء وبسمة على أنها القديسة، مما يسهّل مهمة خروجها بولدها، ويحقق لبهاء وبسمة ما يريدان، وينجبان الأولاد كما يرغب الحاكم، وتأمرها بالذهاب إلى العم جابر بائع السوس ليساعدها فيما عزمت عليه. لكن بهاء يدخل وعندما يعلم بالخطة يرفضها، ويعلن عن مطامعه بالزواج من القديسة، والحصول على أملاكها، على أن تبقى بسمة جارية له وعشيقة، وتحاول بسمة أن تقتله، لكن ضربة السكين تصيب كتف القديسة، وهي تحاول منعها، وفي اللحظة نفسها يدخل مراد وجابر البيت، لتبتسم القديسة، وتفرح بعودة زوجها، لكنها تصاب بالإغماء، وتعتقد بسمة أنها ماتت، لكن مراد يقول أنها بخير وأن ما أصابها مجرد إغماء، ولا بد من إنقاذها( ).

ومن الواضح أن الكاتب قد لجأ إلى الرمز ليشير إلى مأساة بعض الفئات العربية، وما يمارسه الاحتلال ضدهم، من خلال محاولة إجبارهم على التجنيد، وممارساته القمعية في سبيل ذلك، والدور الوطني الذي يقوم به بعض هؤلاء في مقاومة القمع والاستبداد، وكأن القديسة هي فلسطين التي يحاول الغريب أن يقمعها بالزواج منها، أو بإرضاخها لقوانينه الجائرة، وما صمودها في انتظار القائد والزوج إلا تصوير للصمود، ورفض الاحتلال بكل شكل من أشكال المقاومة.

وقد جسّد بعض الكتاب همّا صارخا وحادا من هموم بعض الفئات العربية في الأراضي المحتلة عام 1948، تمثّل في همّ فئة الدروز، كأقلية فرض عليها الاحتلال، بالتعاون مع بعض قادتها المتعاونين، التجنيد الإجباري، والخدمة العسكرية في جيش الاحتلال، من ذلك طرح هادي زاهر قضية الدروز بشكل واضح ومباشر في مسرحية “الفخ”، حيث يستعرض جذور المشكلة، التي بدأت بقناعات بعض المتعاونين، الذين وقعوا اتفاقيات لم تحسب فيها الحسابات الوطنية ودماء الشباب الذين يصبحون أدوات في أيدي المحتل الغاصب، ويجري الكاتب المفارقة من خلال الحوار بين من استسلموا لهذا الواقع واقتنعوا به، بل اختاروه وبين من رفضوا ذلك وقاوموه بشتى الطرق، ليصل في النهاية إلى المصير الأسود الذي وقع فيه الطرف الثاني، فالغلاء وتضخم العملة والاستيلاء على الأراضي زوابع تلتهم كل ما جاءت به الرياح، والأنكى من ذلك مصير الأبناء، فمنهم من فقد حياته، ومنهم من فقد أطرافه أو أُصيب بعاهة مستديمة، فأصابهم الندم حيث لا ينفع الندم، فالشيخ محمود يفتخر بابنه جميل الذي أنهى فترة الخدمة الإجبارية واختار البقاء في الخدمة كوظيفة دائمة، لكن يبكى بدل الدموع دما في نهاية المسرحية عندما يفقد ولده قدميه في حرب خاسرة على كل الوجوه( ).

وتناول الكتّاب معاناة الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1967، من ذلك مشهد “ليل الضفة” لأحمد رفيق عوض، الذي تناول فيه من خلال الشكل العبثي المعاناة الإنسانية في الأرض المحتلة، ورسم من خلال الحوار الدائري المفتوح؛ المشاكل المحيرة، التي تعصف بالزمان والمكان، فطرح قضية النهايات المفتوحة للكثير من القضايا، وهمّ الهوية الوطنية، والقمع العالمي، وتهديدات القنابل النووية، مازجا ذلك بهم الضرائب، والقتل اليومي، والدم المتناثر، والحياة اليومية المملة بما فيها من تناقضات، وتجار المبادئ أصحاب الكروش، وسياسة العصا والجزرة، وعسكرة الفضاء، وغيرها من الهموم( ).
وصور سلمان ناطور في مشهد “بسيخولوجيا.. بسيخوماتيا” ، طبيعة الصراع الدموي الذي لا يبالي فيه الاحتلال باستخدام أبشع الوسائل، من ذلك العمل على تسميم مدارس البنات، لتعطيل القدرة الإنجابية عند الشعب الفلسطيني( ).

ويصور أدمون شحادة في مسرحية “الزائر الغريب” شكلا آخر من معاناة الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967، فمها “أم وديع”، امرأة فلسطينية من بيرزيت تعيش في رام الله مع ولدها “وديع”، وابنتها الجامعية “زهرة” بعد أن غادرها زوجها معين قبل خمس عشرة سنة، وقد استطاعت أن تعبر بهم مرحلة الانتفاضة، ومخاطرها، ومتطلبات الحياة، وحدها دون معين، معتمدة على أجر بيت صغير في بيرزيت، وحقل زيتون صغير، بعد أن صادر الاحتلال حقل الزيتون الكبير، الذي تصل مساحته عشرة دونمات.

ثم يتزلزل كيان هذه الأسرة في الواقع الجديد بعد قدوم السلطة الوطنية، إذ تظل الأخطار محدقة بالشعب الفلسطيني، ويظهر ذلك من خلال الزائر الغريب “مروان بلاطة”، القادم من أمريكا زاعما أنه يحمل مبلغا من المال من معين، ويحاول السيطرة على “مها” الأم، وعندما لا يفلح يعمل على تشجيع ابنيها على السفر لأمريكا، حيث الحياة المنفتحة، على أن يتزوج الابنة الصغيرة “زهرة”، وتبدأ شخصيته الغامضة بالوضوح نوعا ما، من خلال بحث الشاباك الإسرائيلي عنه بواسطة “ليليت”، ومتابعة الأمن الوقائي الفلسطيني لتحركاته عبر الضابط “حاتم أمان الله”، وتبين أنه فلسطيني، جاء يحمل الأموال، التي تبرعت بها الجمعيات العربية في أمريكا لصالح الجمعيات الخيرية في فلسطين لدعم الانتفاضة، كما تبين من جهة أخرى علاقته بالجمعيات اليهودية هناك، وتسليمه المال لشلومو، حتى يعبر به الحدود، ويستلمه في البلاد، كما أنه يبحث عن أقاربه اليهود من جهة أمه، وعندما يقع في أيدي ليليت وحاتم أمان الله اللذان يتصارعان على النفوذ في المنطقة، يخرج لهم بطاقة الحصانة الأمريكية، التي تمنع الطرفين من المس به على حد قوله، لكنه يعلن إصراره على اصطحاب وديع ابن مها لأمريكا والزواج من زهرة، مما يدفعها إلى قتله بمنفضة بللورية كبيرة في الفندق الذي يقيم به( ).
ومن الواضح أن الكاتب قد نأى قليلا عن واقع الحياة العربية ومجرياتها في أراضي السلطة الفلسطينية، لكنه صور استمرارية المعاناة، والمشاكل المترتبة على محاولات الشاباك والاحتلال الدءوبة للتدخل في حياة الفلسطينيين، بالإضافة إلى استمرارية مشاكل الفقر والهجرة المترتبة عن محاصرة الاحتلال لهم.

وقد سجل الكُتّاب معاناة الإنسان الفلسطيني في سجون الاحتلال، فقد أكد راضي شحادة من خلال مسرحية “السلام المفقود” على وجوه معاناة الشعب الفلسطيني، وسط المزاعم الداعية لتحقيق سلام ضائع غير قائم على العدل، فالسلام والعدل كما يراهما سوط يُضرب به الناس في واقع التضليل والخداع، فالإنسان الفلسطيني يعاني بكل فئاته، بعد أن أصبح عبدا مسخرا في أرض كان سيدها ومالكها، لا يمتلك حرية الكلمة، والتعبير عن الرأي، ويستعرض شحادة معاناة الفلسطيني في السجون الإسرائيلية، والاعتقال العشوائي الذي لا يميز بين صغير وكبير، أو بين فلسطيني وأجنبي، وما يرافق التحقيق من ادعاءات كاذبة واتهامات تقلب الحقائق( ).

وقد صور جمال بنورة في مسرحية “السجين” صنوف العذاب والألم، التي يسومها المحقق اليهودي للمناضل الفلسطيني، والصمود الأسطوري الذي يواجههم به، مما يعكس الصورة، لتصبح المعاناة هي معاناة المحتل في مواجهة صلابة المعتقلين( )، بينما يرسم صقر السلايمة صورة مقابلة في مشهد “الأرض والكرامة”، حيث يتوج المحقق اليهودي تعذيبه للمناضل الفلسطيني “فداء” بوضعه على الكرسي الكهربائي، وقتله بصعقة كهرباء، على أن يزعموا أنه هرب من السجن، وقتلوه في أثناء المطاردة، مما يعكس ألما ومرارة في نفس أبيه المشلول، وإخوته الذين افتقدوا عطاءه وتفانيه( ).