قراءة نقدية في رواية زوايا النسيان” للأديبة ناهد فرّان. بقلم : د . حسين رحيم الحربي

اصدارات ونقد ….
د/حسين رحيّم الحربي
تعريف بالرواية:
“زوايا النسيان”؛ هي الرواية الأولى للشاعرة اللبنانية ناهد فرَّان. تدور أحداث الرواية في مدينتي صُوُر و بيروت اللبنانيتين، ففي صُور وُلدت بطلة الرواية عبير، والتي درست هندسة الديكور في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم تتزوج من رجل بيروتي ثري مغترب، من عائلة مرموقة، يكبرها بعشرين عاماً.. حاولت أن تقنع نفسها بنمط الحياة الجديد في بداية زواجها، لكن انشغاله الدائم واهماله لها، جعلها تقع في علاقة حب مع شخص آخر أصغر منها ببضع سنوات.
في الرواية نصَّان متوازيان؛ “حكايات عبير” التي ترويها بنفسها، وتتمحور حول علاقتها بعشيقها ما بين مدّ وجزر، ولقاء وهجر. والنص الآخر يصف علاقتها بعائلتها ومحيطها وعلاقة باقي الشخوص ببعضها، كأخيها الذي سافر للعمل في إفريقيا، ووالدها الشخص المثقف الذي تزوج من مسيحية تركت أهلها في سبيل الحفاظ على حبها.

تستهلُّ الروائية ناهد فرّان روايتها، “يلازمني الحزن كظلِّي، يسير معي على الطريق، يتولى قيادة سيارتي، يرتقي درجات السلّم أمامي، يشرب فنجان القهوة، يأكل ويتابع الأخبار معي…  رحيلك ألبسني الحزن ثوباً دائماً كثياب العزاء السود التي لا يتغير لونها…” ص.(7). كأن الروائية أرادت منذ اللحظة الأولى أن تعلم القارئ عن وضع البطلة ومزاجها وحالتها النفسية، ربما ليتعاطف معها أو على الأقل يتحمل انفعالاتها وتغير مزاجها.. يتهيأ القارئ ويدرك أنه أمام حالة حزن، فَعَليه ارتداء ملابس سوداء والسير خلف البطلة.
يدرك المتلقي هنا أن الحزن ليس حالة عارضة أو انفعال وقتي يزول، بل هو حالة لازمت بطلة الرواية وأصبحت جزءاً من شخصيتها.
هناك “ثنائية”  في الرواية يلاحظها القارئ، تتبدى بعدة صور، وسنتطرق في هذه الدراسة إلى ثنائية الصراع بين العاطفة والعقل.

1- ثنائية النزاع بين العاطفة والعقل:
شخصية البطلة (الراوية) ذاتها يتنازعها إحساسان؛ إحساس منطقي يصدر عن عقلها، ويقول لها يجب عليها التخلي عن تلك العلاقة ومفارقة الحبيب وإن كانت تحبه، ويظهر ذلك جليّاً منذ الصفحات الأولى في الرواية ” نعم أعلم وأفهم وأتفهم موقفك ولا يمكنني رفضه أو انتقاده… لا حق لي عليك وحياتك ملكك لتقرر من يدخل ومن يخرج منها… هواجسك محقة وأحلامك لا وجود لي فيها فلِمَ الاستمرار إذاً في علاقة لا مستقبل لها…” لا فائدة من الاستمرار في علاقة اختار فيها الحبيب أن يعيش حياته بعيداً عن الطرف الآخر.. كلام منطقي عقلاني، لكن لا منطق في العشق، ومن يتحكم به المنطق لا يقع في العشق. “أردد ذلك بيني وبين نفسي ويجيبني الحزن هذا كلام المنطق الذي تحتاجين إلى تصديقه وكأنك لا تعلمين باعتقاده أن للعلاقات مدة وتنتهي، للأحاسيس فترة تشدد تزول مع الوقت، لربما ملّ وتعب فأراد تبرير انسحابه… فمن يحب يا صديقتي لا يرحل ولا يفارق حبيبه ، فالحب لا عقل له ولا منطق يحكمه . وجنون المشاعر وحدها قانونه وعلينا أن نطيعها…” ص. (7- 8)

الإحساس الآخر هو العشق الذي يسيطر على قلبها، ويستحوذ على شخصيتها، ولا يخضع لأي منطق، جاعلاً إياها كرِيشة في مَهبّ الريح لا تمتلك من أمر نفسها شيئاً. “هذا هو حالي… حبك أحالني شبحاً، ريشةً في مهب العشق، أمشي حائرة، تائهة، وكأن قدميّ لا تطالان الأرض وأفكّر طوال الوقت: لماذا أعيش؟ لمَ أنا هنا على قيد العذاب؟ وما همني من هذه الحياة كلها إن كان لا شيء قادراً على محو ذكراك من القلب والجسد..”. ص.(8)

عبير؛ بطلة الرواية اتخذت عشرات القرارات خلال الرواية بالانفصال عن الحبيب، والإصغاء لصوت العقل، والتفرغ لعملها ولعائلتها الصغيرة، لكنها لم تستطع كبح جماح قلبها، وبالتالي تكسر معاهدات ابرمتها مع الحبيب للفراق.

عندما كانت عبير عند حبيبها في مكتبه، وانشغل هو بمكالمة على هاتفه الأرضي تخص عمله، وبينما هي تحاول أن تستدير حول طاولة المكتب لتصل إليه، رنّ صوت هاتفه النقّال معلنا وصول رسائل (واتس أب) “انتابها الفضول فألقت نظرة على الشاشة لتجد أن الرسائل من امرأة ممن يعرفهن وكان قد أخبرها مرة عنها وعن مدى سخافتها وسطحيتها وعدم قدرته على الانسجام فكرياً معها . بحركة لا إرادية التقطت الهاتف وفتحته لتجد بأن المحادثات مستمرة فيما بينه وبينها أخذت ترجع إلى الوراء لترى أنهما كانا على موعد ولأكثر من مرة…  جنت واشتعلت الغيرة في قلبها مانعة عقلها من تدبر الأمر…” ص.(189). هنا نرى التضارب بين احساسين واضحا، فكرامتها تملي عليها أن لا تسكت في مثل هذا الموقف، فهي ليست دمية يلهو بها، وليست رقماً يضاف إلى رصيده ممن يعرف ويغازل من النساء، هي إنسان من لحم ودم ومشاعر، وسيدة متعلمة تشعر بوجودها وبكرامتها.

وعندما رأى تغير وجهها وعصبيتها، سألها ما الأمر؟
“وبعصبية رمت بالهاتف بكل قوتها على المكتب وأمسكت بحقيبتها خارجة من دون أن تلتفت إليه…”ص.(189).
هنا انتفض المنطق في داخلها، والشعور بعزّة النفس، وأرادت أن تثأر لنفسها، أو على الأقل تعبر له عن احتجاجها، فنسيت في هذه اللحظات قلبها وحبها له، وكان تصرفها هو نتيجة منطقية لسلوكه هو. ثم مشت إلى سيارتها كي تغادر، وقد اتصل بها فأخبرته عن الذي رأته في هاتفه المحمول، لكنه أخذ الأمر ببساطة، ولم يكترث، فأغلقت الخط في وجهه أكثر من مرة. وهذا تضاد وثنائية بين سلوكها الجامح وعاطفتها المتدفقة، وغيرة امرأة أحبَّت بصدق، يقابلها هو ببروده وكأن الأمر لا يعنيهما. عبير هنا تتسلح بالمنطق “وأخبرته قبل أن تنتهي أن لايعاود الاتصال بها لأنها قد وصلت لعملها ولا يمكنها الرد عليه…”ص.(190).

من يعرف سلوك النساء يدرك بأن عبير تركت الباب موارباً؛ حينما قالت له بأنها قد وصلت لعملها ولا يمكنها الرد عليه، وكأنها تقول له إن بإمكانه الاتصال وسترد عليه بعد مغادرة مكان عملها، وهدوء سورة غضبها. ثوب المنطق لم يلبث عليها طويلاً؛ إذ سرعان ما تبدأ بالتفكير بقلبها وعاطفتها، ويصدر صوت المرأة العاشقة من داخلها ليجد للحبيب ألف عذر. “عند المساء جلست في سريرها الكبير وبدأت تفكر به وبحالها معه… بغيرتها المجنونة عليه وتسأل نفسها هل أخطأت بما قالته؟… هل ستتحمّل قطع العلاقة؟ هل بإمكان قلبها أن يستسلم أمام أوامر العقل عندما يصدر قراراته ويبرمها… ما الذي حدث؟ ليتها لم تنظر إلى هاتفه… ليتها تصرفت بعقلانية أكثر… ليتها صمتت ولم تعاتب إلى أن تعرف مدى العلاقة بينهما… ألم تكن تلك المرأة ترسل إليه وتدعوه بالهارب؟ ألا يدل ذلك على عدم اهتمامه بها؟… ليتها وليتها… ولكن ما نفع لومنا لأنفسنا إن كنا لا نستطيع العودة بالزمن إلى الوراء لتجنب ما يؤلمنا وما نقوله يؤلم غيرنا…”ص.(191). عندما غادرته غاضبة كان المنطق والإحساس بالجرح يسيطران عليها لكن عندما جلست عند المساء في (سريرها الكبير)؛ وهنا كبر السرير يعبر عن الفراغ العاطفي والخواء الروحي الذي تعيشه عبير، التي تزوجت من رجل يكبرها بعشرين عاماً، رجل أعمال مشغول دائم الأسفار لا يكترث بها أبداً، يغدق عليها المال، ظناً منه أنها سعيدة، وهذا كل ما تحتاجه امرأة مثلها. فالسرير الكبير هو بمثابة حقل واسع تشققت تربته من العطش، يغلفه ليلٌ بارد، فهي هنا بحاجة لحنان رجل ودفئه، ونَفَسه الذي يجعل عالم حواء مليئاً بالتفاح.

هنا لم تجد للحبيب عذراً فقط، بل بدأت تلوم نفسها، وتجلد ذاتها، بأنها هي من أخطأت بحقه، وبدأت بإيجاد مبررات لتصرفه، لأنها تعرف أن الجليد يحيط بحياتها، ويلبسها عباءة من ثلج إن ابتعدت عن الحبيب. فبدا المنطق حفرة تحاول تفاديها ، وتتجنب الوقوع بها.

تبقى عبير أسيرة احساسين متضاربين متضادين؛ صوت المنطق الذي يأمرها بالبعد عن الحبيب، الذي لم تذكر الروائية له اسماً، ربما كي يكون نموذجاً لكل شخص متردد في حبه وفي عشقه، ولا يستطيع اتخاذ قرار طيلة صفحات الرواية، فبعد أن يقضي منها وطراً يخبرها بأنه صديقته فقط، والعلاقة بينهما لا تتعدى ذلك الإطار، وعندما يشتاق لها يسمعها أرقّ عبارات الحب والغزل.. من أول الرواية إلى آخرها يحبس القارئ أنفاسه، ويتفكر هل ستتخذ عبير قرارها المنطقي وتهجر حبيبها!؟ وهي التي كلما حاولت الابتعاد تتحسس هاتفها المحمول لتكتب له رسالة تنكأ جراح الحب التي كادت تندمل. فها هي بعد الابتعاد عنه لحوالي شهر تكتب له رسالة رومنسية تتذكر أجمل أيامها معه، فكل شيء معه له طعم حلو، اشتاقت لكل تفاصيله الصغيرة، ومحتويات شقته. كل هذا بسبب حنين وعاطفة سيطرت عليها، لكنها فجأة تصغي لصوت العقل وتمسح الرسالة، وتتحدث إلى قلبها زاجرة إياه؛ “إن كنا سنبقى على حبه فليكن الأمر بصمت؛ للحفاظ على ما تبقى من كرامة لنا فلندارِ الوجع ونبتسم… فلنعلن الخاتمة ونتناسى كل ما بدر منه تجاهنا ويكفينا علماً أنه بخير… يجمعنا وطن واحد ونسير كل يوم تحت السماء ذاتها… رمت بالهاتف بجانب سريرها وعادت للنوم…”ص.(310).
هنا قاربت الرواية على الانتهاء، لكن ناهد فرّان لن تدع القارئ يخمِّن نهاية روايتها، وستجعله في حيرة من أمره، لأخر سطر كما حال بطلتها عبير. فبعد أن استفاقت من نومها وقف لها الحنين بالمرصاد يدعوها تجنب حفر المنطق وأرضه المفروشة بالعوسج، جاذباً إياها نحو بساط من الزهور الحمراء والوردية على امتداد بصرها. لكنها أبت أن تضعف، فأعدَّت لنفسها فنجاناً من القهوة في منزلها البيروتي الفخم الواسع، وكأنها تشرب نخب حب ستتخلى عنه للأبد وتكسر فنجانه، ثم ارتدت ملابسها، وأعلمت الجميع بأنها ذاهبة إلى منزل العائلة الصغير في صُوُر، كي ترتاح لبعض الوقت قبل البدء بمشروعها الجديد، ولم يكن ذلك المشروع من وجهة نظر نقدية وسيكولوجية سوى قطع علاقة لا ثمر ولا مستقبل لها.

أخذت تستجمع كل بؤر المنطق في شخصيتها كي تمنحها القوة، وتتخذ قراراً لا رجعة فيه بقطع تلك العلاقة.. فتذكرت وجوه أبنائها لتستمد بعض القوة، وتقنع نفسها بأن قرارها هو الصواب بعينه. “أعطني القوة أيها المنطق، لسجن المشاعر، دعها تلزم الأعماق . لقتلها إن لزم الأمر… ولقتل كل ما تبقى لي من إحساس بالعشق… اجلدني بسياط العقل والعزّة والتعقّل، فأنا تائهة كطفلة في بلاد غريبة وأحتاج لمن يرشدني إلى أهلي، لمن يسير بي إلى بر الأمان… لمن يقيني من جنون قلبي، لمن يعيد لي الاتزان…”ص.(310).
رجوعها إلى صور يحمل دلالة رمزية نفسية، فالإنسان كلما أحس بخطر يداهمه ينكص ويرجع إلى اسرته، أو كما يقول فرويد يود الرجوع لبطن الأم للاحتماء بشيء ليس له القدرة على مجابهته، في حياته العامة، فبيروت هي تلك الحياة الصاخبة، المزدحمة.. بيروت لا تعبأ بمن لا يمتلك ثمن رغيف خبز، أو من يسير على بلاط الأرصفة بقدمين حافيتين داميتين، يرتدي أسمالاً بالية لا تقي أضلاعه برد الشتاء، ينام على قطعة كرتون، يحلم بالصيف والدفء.. بالمقابل صُوُر تمثل حضن الأم وربما بطنها التي تحمي الابن من التعرض للنهش بأنياب حياة مادية قاسية. صُوُر مدينة الطفولة واليفاعة، هي الأم هي الحضن، هي الدفء الذي لا ينضب. ترجع إليها البطلة لتحضنها وتلقي عن كاهلها كل أعباء الحياة وأحزانها، تمسح دموعها وتنحني لتقبل شعرها وتشمه. هي الأم التي لا تخذل أبناءها مهما ابتعدوا أو طال سفرهم، وهي التي لا تعاتب ولا تمل انتظار عودتهم. صُوُر هنا ليست مدينة فقط، بل هي الجذور التي تجعل الإنسان كشجرة سنديان يقف صلباً متشبثاً بالأرض. “حين وصلت رمت بحقيبتها حال دخولها للبيت، خلعت حذاءها والشال عن كتفها وبحركة لا شعورية مدت يدها إلى العقد فشعرت به كطوق عذاب للمرة الأولى منذ وضعه حول عنقها في عيد العشاق فرمت به هو الآخر أرضاً وجلست على الشرفة المقابلة للبحر…”ص.(311). بمجرد وصولها للبيت الصغير في صُوُر أحست بالأمان، فرمي الحقيبة وخلع الحذاء والشال عن كتفيها له دلالة بأنها تحررت من أشياء كثيرة ترتبط بحب أسرها وطوقها بقوة حتى كاد يخنقها، فرمت بذلك العقد بعيداً، وهو هديته لها في “الفلنتاين”. وهذا المشهد يذكرنا بفيلم “تيتانك”؛ حيث ضاع العقد وأفلت من يد البطلة في عرض البحر، وهو آخر ما تبقى لها من حبيب أخلص لها حتى الموت.. على العكس من عبير التي رمت بعقد كاد يخنقها، وبعد التخلص منه شعرت بالحرية، وكأنها يمامة تفرد جناحيها على نور الشمس يممت وجهها شطر جبال الجنوب ناظرة إلى سهوب “الجليل الخضراء”.
أخيراً كان رمي العقد آخر مشهد من الرواية، وهو الزاوية الأخيرة من “زوايا النسيان” التي استطاعت البطلة الاحتماء بها والتخلص من حبّ شخص متردد لا يعرف ما يريد، يذكرنا بـ”هاملت” في مسرحية شكسبير الشهيرة.

Husseinharbi111@hotmail.com