الأسس الحتمية لنهضة مصر الإقتصادية – بقلم : ماجد ضيف

دراسات …
بقلم / ماجد ضيف – مصر …
لم يعد من قبيل الجدال أن جميع المؤشرات تؤكد تراجع الإقتصاد المصرى على منحنى دائم الهبوط منذ قيام ثورة 25 يناير حتى الآن ، وليس هذا بكل تأكيد مدحا فى حقبة مبارك أو ندما على رحيله ، كما أنه بكل تأكيد ليس ذما فى ثورة يناير التى أسقطناها بأنفسنا ، كما أنه بكل تأكيد ليس قدحا فى عام الدكتور مرسى ، إذ من الثابت لكل ذى عقل وضمير أن الرئيس مرسى لم يكن حاكما لمصر رغم أنه كان رئيسا لها !!

إذن والحال كما صار عليه ، لا بد أن نتساءل عن أسباب هذا التراجع المخيف الذى لم يجد معه نفعا هذا الكم الهائل من المقويات والمنشطات التى حقن بها الخليج شرايين الإقتصاد المصرى ، ثم علينا أن نحدد الأسس التى ينبغى أن نحولها إلى سياسات وبرامج للنهوض من هذه الكبوة .

بداية أود التأكيد على أن أسس النهضة التالى بيانها تتسم بالتداخل الحتمى ولا أرى إمكانية لفصل بعضا عن بعض كما لا أرى جدوى من إهمال بعضها والتركيز على بعضها الآخر ، كما إننى أتمنى ألا يتم التعامل معها من منظور سياسى ظالم يفقدها صبغتها الوطنية :

(1)  تأجيل ما يعرف بالمشاريع القومية :
تتجه الحكومة فى مصر خلال السنوات القليلة الماضية إلى الدخول فى مشروعات قومية تتكلف تمويلا هائلا دون أن يقابلها جدوى مماثلة ، وأضخم هذه المشروعات هى حفر تفريعة قناة السويس وإنشاء محطة نووية بالضبعة وإنشاء عاصمة إدارية جديدة ثم الحديث مؤخرا عن إنشاء وكالة فضاء !!
إن مصيبتنا فى هذه المشروعات الضخمة تنبع من عدة أمور أولها أنها تحتاج تمويلا ضخما لانملكه وبالتالى نمولها بالمزيد والمزيد من القروض التى سنعجز دون شك عن سدادها وسداد أعبائها فى ظل ضعف مواردنا ، وثانيها أن مردودها بعيد زمنيا ما يمثل تضحية غير عادلة تتحملها عدة أجيال ، وثالثها أنها ليست البديل الأفضل حتى على المدى البعيد ، ومثالنا على ذلك تفريعة القناة التى أثقلت كاهل الإقتصاد بحوالى 68 مليار جنيه تم جمعها من بعض المصريين مقابل منحهم شهادات استثمارية بعائد 12 % رغم أن إيرادات القناة ككل قد انخفضت ما ترتب عليه أن يتحمل من لم يشتر هذه الشهادات عبء دفع فوائدها لمن اشتراها .

(2)  تحديد أولوبات الإستثمار :
إلحاقا للبند السابق فإن على الدولة أن تحدد أولويات الإستثمار وفق ما يلى :
ــ فيما يخص الإستثمار الأجنبى ينبغى تحديد المشروعات التى تضيف إلى الإقتصاد وبخاصة فى مجالات الصناعات الثقبلة ومجالات الصناعات المتوسطة وذلك بعد مراجعة وإعادة النظر فيما يلزم هذه المشروعات من بنية تشريعية وبنية تحتية ( المرافق ) .
ــ فيما يخص الإستثمار الوطنى الداخلى والخارجى يتطلب الأمر ايضا إعادة النظر فى البنية التشريعية والمناخ الأمنى والإجتماعى الجاذب لهذه الإستثمارات داخليا ، كما أن علينا أن نستفيد من المزايا النسبية لدى الدول الشقيقة والصديقة لتوجيه استثماراتنا إليها وبخاصة فى المجالات التى نعانى نقصا فى مقوماتها وأخص منها المجال الزراعى ومجال الثروة الحيوانية اللتان تتوافر مقوماتهما فى العديد من الدول الإفريقية .

(3)  تعظيم الإستفادة من مواردنا الطبيعية :
أنعم الله على مصر بالكثير من الموارد الطبيعية التى لو أحسن التعامل معها والإستثمار فيها منذ سنوات لكانت مصر الآن من الدول المتقدمة إقتصاديا ، وأهم هذه الموارد ما يلى :
ــ المساحة الجغرافية : وكما هو معلوم أن مساحة مصر تبلغ مليون كيلو متر مربع تتباين فى طبيعتها الجيولوجية والمناخية بما يتيح استفادة هائلة زراعيا وصناعيا وتجاريا .
ــ الموارد المائية : وتمتلك مصر ما يزيد عن 5000 كيلو متر من الحدود المائية تتمثل فى حدودها على البحرين الأبيض والأحمر ومجرى قناة السويس ونهر النيل وتفرعاته المختلفة ، كما تمتلك مصر 11 بحيرة طبيعية وأكبر بحيرة صناعية ( بحيرة السد) بمساحة تقريبية 500 ألف فدان .
ولنا أن نتخيل لو أننا استخدمنا فقط جزء من التمويل الهائل الموجه للمشروعات القومية المشار إليها سلفا فى إنشاء أسطول صيد حديث وضخم لتغطية هذه المساحات ألم يكن هذا جديرا بتحقيق الأمن الغذائى الداخلى وتحقيق وفورات هائلة للتصدير بما يعود على الإقتصاد الوطنى بالعديد من المنافع المؤكدة والسريعة , وبالإضافة إلى ذلك لنا أن نتخيل حجم العائد على الإقتصاد الوطنى باستغلال هذه الثروة الشاطئية فى الإستثمار السياحى والإستثمار التجارى الضخم .
ــ الموارد المعدنية : وتمتلك مصر العديد من المعادن بقدر لا بأس به كالحديد والمنجنيز والذهب والتيتانيوم والقصدير .. إلخ
وهذه الثروة المعدنية تتسم بالعائد المنظور ، أى أن عائداتها ليست بعيدة الأجل ، ويتطلب تعظيم الإستفادة منها أمران، أولهما زيادة الإستثمارات الموجهة إليها ، وثانيهما وقف تصدير هذه الثروات فى صورة خامات وإدخالها فى مراحل تصنيع ومن ثم تصديرها كمنتجات بما يعود على الإقتصاد الوطنى بالكثير من المنافع .
ــ الثروة السياحية : وتمتلك منها مصر نصيب الأسد على مستوى العالم ، آثار فرعونية منتشرة فى كافة ربوع مصر شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ويكفينا أن الأقصر وحدها تحتضن ثلث آثار العالم ، كما تتميز مصر بآثارها القبطية وآثارها الإسلامية ، وما ينقص مصر فى هذا الشأن من وجهة نظرى هو العمل الجاد على توفير مناخ آمن وجاذب والإهتمام ببعض أهم آثارنا المهملة وأخص منها فى سيناء ممر خروج اليهود من مصر وممر دخول العائلة المقدسة إلى مصر .
ــ الثروة البشرية : ويبلغ تعداد مصر الآن ما يزيد عن 90 مليون بالداخل وما يقرب من 10 مليون بالخارج ، وهذه الثروة إذا أحسنت إدارتها وتنميتها وإعادة تأهيلها لكانت أهم ثروات مصر على الإطلاق ولنا فى دولة اليابان المثل والقدوة فى هذا الأمر .

(4)  الدور الإقتصادى للجيش المصرى :
من المعلوم للكافة أن الجيش المصرى بدأ يلعب دورا إفتصاديا ملموسا فى أعقاب نصر اكتوبر ، وأن هذا الدور نمى بصورة كبيرة بعد اتفاقية السلام فى أواخر سبعينات القرن الماضى ، إلا أن هذا الدور بات يمثل فى السنوات الأخيرة رقما لا يمكن تجاوزه فى الإقتصاد المصرى .
وفى تقديرى المتواضع أن هذا الدور لكى يكون فى حجمه الأمثل ينبغى ألا يتعدى حدود الأمان العسكرى ، أى إنتاج اجتياجات الجيش المصرى دون الدخول إلى حيز البزنس والربحية ، لماذا ؟
من المعلوم أيضا أن الجيش المصرى له معاملة قانونية وعرفية خاصة من الناحية الإقتصادية ، فواردات الجيش معفاة من الجمارك ، والأنشطة الإقتصادية للجيش معفاة من الضرائب ، إضافة للمزايا النسبية الأخرى التى يتمتع بها الجيش فى سائر بنود التكلفة .
ماذا ينتج عن هذا ؟ ينتج عن هذا أن منتجات الجيش تكون دائما خارج المنافسة لرخص سعرها الناتج عن قلة تكلفتها ، وقد يظن البعض أن فى ذلك إفادة للإفتصاد الوطنى وللمواطن وهو عكس الحقيقة تماما ، فالحقيقة أن هذا المناخ الغير تنافسى يؤدى إلى انكماش الإستثمار الوطنى والأجنبى ، كما يؤدى إلى تقليل موارد الدولة من الجمارك والضرائب ، كما أنه يؤدى إلى زيادة البطالة ، وهى جميعها أمور تمثل فى حصيلتا عبء على المواطن وعلى الدولة .

(5)  الدولار والقروض الخارجية :
وضع سياسات لتنمية موارد مصر من النقد الأجنبى ، وتقليل الإقتراض الخارجى قدر المستطاع ، وتجنب القروض المشروطة وبخاصة التى تتجاهل البعد الإجتماعى .

(6)  محاربة الفساد :
يمكن تعريف الفساد بأنه التكلفة الغير رسمية والغير مشروعة التى يتحملها طرفان بصورة مؤقتة لحين استعادتها مضاعفة من المستهلك فى صورة رسمية مشروعة ، لذا فهى معول هدم للدولة وللأمن القومى فى تعريفه النهائى .

(7)  المصالحة الوطنية :
وهى إحدى أهم الأسس التى تحتاج مقالا مستقلا لفرط أهميتها ، إذ لا يمكن تجاهلها فى سبيلنا للنهضة ، فأى نهضة  ننتظر من شعب يكره فيه الأخ أخاه والزوج زوجـته والإبن أباه ، أى نهضة ننتظر من شعب يتغنى مطربوه بأنه    شعبين وأن لكل منهما رب ، أى نهضة ننتظر من شعب صارت دماء بعضه أرخص على بعضه الآخر من كوب     الماء .
أللهم إنى قد بلغت حبا فى مصر .. أللهم فاشهد
maged.daif@hotmail,com