دراسات ….
بقلم: أ. د. حلمي الزواتي** ترجمة: ابتسام محمود*** ….
يبدو لي من المناسب تماما أن أبيّن منذ البداية أن هذا المقال ليس تحليلاً للفيلم الوثائقي F for Fake (1)، )كما ظهر في العنوان الأصلي للمقال بالإنكليزية(، والذي أنتجه أورسون ويلز عام 1975 عن مهنة المير دي هوري، الفنان الهنغاري البارع، الذي احترف تزوير اللوحات الفنية المشهورة، حيث أنتج وباع منها ما يربو على ألف لوحة. كما تحدث الفيلم أيضا عن طبيعة العلاقة الموروثة بين الأصالة والتأليف أو المصداقية والإبداع. عذراً لمحبي السينما الذين ربما توقعوا مني غير ذلك!
يتعلق مقالي هذا بحادث سطو تعرض له مقال آخر لي بعنوان (2):
Geneva III: The Stillborn Conference and the Endemic Failure of the International Community
والمنشور في جريدة هافنجتون بوست الأمريكية يوم 6 شباط /فبراير 2016 من قبل وكالة أنباء فارس الإيرانية شبه الرسمية، والمرتبطة بدوائرالحرس الثوري الإيراني.
في الحقيقة، لم يدر في خلدي وأنا أكتب المقال أعلاه عشية انعقاد مؤتمر جنيف 3 برعاية الأمم المتحدة، للبحث عن حل سياسي للحرب الطائفية الضروس التي تدور رحاها في سوريا منذ خمس سنوات، أن يقوم “صحفي” إيراني بقرصنة مقالي المذكور وترجمته إلى الفارسية وتغيير محتواه وتجييره لصالح النظام السوري وحلفائه الإقليمييين والدوليين، ومن ثم نشره على الصفحة الرسمية لوكالة أنباء فارس الإيرانية دون إذن مسبق تحت عنوان “آمریکا در تلاش برای تکرار نسل کشی روندا و بوسنی در سوریه” (3) . “الصحفي” هو حسین مولایی، الذي حذف من المقالة الأصلية الإشارة إلى إدانة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية التي اتُّهِمَ بها النظام السوري وحُلفاؤه، خاصة حزب الله اللبناني، وقوات الحرس الثوري الإيراني، وروسيا. إن إضافته لرابط مقالي الأصلي في هامش مقاله المنتحل لا يبرر مطلقا سرقة المقال أو أي جزء منه. إن عمله هذا زاد الأمور تعقيدا حيث اتخذ من مقالي المذكور حاملا اتكأ عليه لترويج إدعاءاته الباطلة. ومما أود إضافته والتأكيد عليه أنه خلال عملي الأكاديمي لأكثر من خمسة وثلاثين عاما كنت دائما أوجه طلابي إلى عدم تلخيص أو إعادة صياغة أفكار الآخرين أو تدوير هوامش أبحاثهم أو مراجعهم. وهنا تبدو الأصالة أو الانتحال في أوضح معانيهما، ويعتمد هذا على الزاوية التي يُنظَرُ منها إلى النص المكتوب وكيفية بنائه!
عنوان مقالي المُنْتَحل يتحدث عن نفسه بنفسه. وهو يركز أساسا على الجرائم البشعة التي اتُهِمَ النظامُ السوري وحُلفاؤُه بارتكابها ضد المدنيين السوريين، فضلا عن تخاذل المجتمع الدولي لوضع حَدٍ لسفك الدماء المستمر في سوريا منذ خمس سنوات ونيف. وكما ذكرتُ حديثا في شهادتي أمام لجنة حقوق الإنسان الدولية في مجلس العموم الكندي (البرلمان) عن جرائم العنف الجنسي غير المسبوقة في الحرب الدائرة في سورية أن من المُشين أن ينجح المجتمع الدولي بعقد اتفاق مع النظام السوري خلال فترة قياسية وجيزة لتجريده من أسلحته الكيماوية بينما عجز كليا عن إنقاذ أرواح الملايين من الأبرياء من الأطفال والنساء والمسنين منذ 15 آذار/مارس 2011. إن فشل مجلس الأمن الدولي المخجل بإصدار قرار أممي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يُوقفُ الحرب، ويقضي بإحالة ملف سوريا إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يعود لفشل الإرادة السياسية الدولية ولعدم وجود مصالح تخص اللاعبين الكبار على المسرح الدولي. وهذا يذكرني بالدور الهامشي والسلبي الذي لعبه المجتمع الدولي لمنع ووقف عمليات الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة والهرسك في بداية ومنتصف تسعينيات القرن الماضي. وأخيراً، دعا المقال اللاعبين الرئيسين في مجلس الأمن الدولي لكبح جماح الإفلات من العقاب، وتقديم الجناة إلى العدالة.
على النقيض من ذلك، قام “صحفي” من وكالة أنباء فارس الإيرانية بخطف المقال المذكور أعلاه وقلب نصه الأصلي رأسا على عقب. لقد عمل على انتقاء فقرات كبيرة منه، وخاصة تلك التي انتقدتُ فيها القوى العظمى ممثلة بالولايات المتحدة، لفشلها الذريع في منع الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 وعمليات القتل الجماعي لمسلمي البوسنة والهرسك خلال حرب استقلال الأخيرة عن يوغسلافيا السابقة في مطلع تسعينيات القرن الماضي. لقد ادعى “الصحفي” أن أمريكا تحاول نقل فصول مسلسل الإبادة الجماعية السابق في رواندا والبوسنة إلى سوريا حاليا. وعلاوة على ذلك، فقد نفى عن النظام السوري فظائع الحرب واسعة النطاق، ونسبها إلى المعارضين السوريين الذين وصفهم بالجماعات الإرهابية المسلحة.
لم يُمَثِّل هذا مفاجأة لي، وهو ما يُبرِّرُ عدم الاستغراب مما فعلته وكالة فارس للأنباء الوارد في عنوان هذا المقال. وإنني أتساءل: ما الذي يمكن توقعه من حكومة وصفتها منظمة العفو الدولية (4) ومرصد حقوق الإنسان (5) بأنها تقمع حرية التعبير والتجمع السلمي، وتمارس أجهزتها الأمنية بصورة منتظمة أبشع أصناف التمييز والاضطهاد ضد أفراد من مختلف الأقليات العرقية والدينية في إيران؟ ما الذي يمكن توقعه من حكومة تُجري محاكماتٍ سريةً جائرةً تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية للعدالة؟ من حكومة تحرم المتهمين من حق الحصول على محاكمات عادلة، وتفضي في النهاية، على الأغلب الأعم، إلى أحكام إعدام جماعية!
ومما يجدر ذكره أن انتحال مقالي أعلاه من قبل حسین مولایی لم يكن حادثا معزولاً، ولكنه حدث في سياق اعتداء أوسع. مثال صارخ على ذلك هو الترجمة الانتقائية المشوهة لبحثي (6) Impunity or Immunity: Wartime Male Rape and Sexual Torture as a Crime against Humanity
إلى اللغة الفارسية من قبل مترجم إيراني آخر دون إذن مني. عنوان المقال المشوَّه: ” تجاوز به مردان در جنگ : تجاوز به عنوان جنایت علیه بشریت” (7). ما الذي يمكن توقعه من حكومة بثت لقطات حية (8) من خطاب الرئيس المصري محمد مرسى في حفل افتتاح مؤتمر عدم الانحياز المنعقد في طهران في الفترة 26-31 آب/أغسطس 2012، حيث عبث المترجم الفوري الإيراني عمدا بكلمة مرسي عندما بدأ في انتقاد النظام السوري فاستبدل سوريا بالبحرين (9)؟ لقد نجم عن هذا التصرف الفج أزمة ديبلوماسية بين إيران والبحرين امتدت إلى حكومات مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ختاما، من المعلوم أنني لا أترأسُ حكومةً، وليس لدي سفراء أوجههم أو أستدعيهم من طهران للتشاور، وإنما كل ما أملكه قلمي الذي امتشقته لشجب العمل غير النزيه الذي أقدمت عليه وكالة أنباء فارس. ولعل مسؤولا في هذه الوكالة يقرأ ما أكتب الآن، فتأخذه الشجاعة الأدبية بالقوة ويقرر سحب المادة المزورة، ومن ثم يبادر للاعتذار الرّسمي عما اقترفته وكالته بحقي، وهذا أقل ما يمكن قبوله.
على أية حال، يبدو أنني توقعت الكثير!
_____________________________
* ظهر هذا المقال في جريدة هافنجتون بوست الأمريكية تحت عنوان:
‘F for Fake’: The Not-So-Curious Case of the Fars News Agency
متوفر على هذا الرابط:
http://www.huffingtonpost.com/hilmi-m-zawati/f-for-fake-the-notsocurio_b_9716954.html
** أديب وفقيه دولي من فلسطين، وأستاذٌ في القانونِ الدّولي المـُقارن، وَمُحامٍ دولي لحقوقِ الإنسان، ورئيس المركز الدولي للمساءلة القانونية والعدالة. يقيم في مدينة مونتريال، كندا.
*** أمینة مكتبة، مركز جامعة مكجیل الصحي، مونتريال، كندا. عملت سابقا أمینة مكتبة في المركز الدولي لحقوق الإنسان والتطور الدیمقراطي التابع للبرلمان الكندي. باحثة، ومترجمة، وناشطة حقوقیة معنیة بشؤون المرأة خلال النزاعات المسلحة. حصلت عام 2004 على جائزة Adèle Mellen الأمریكیة للبحث العلمي المتمیز عن كتابھا:
A Selected Socio-Legal Bibliography on Ethnic Cleansing, Wartime Rape
and Genocide in the Former Yugoslavia and Rwanda (Lewiston, N. Y.: The
(Edwin Mellen Press, 2004).
1. يتوفر الفيلم كاملا على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=gIVgUjj6RxU
2. يمكن الحصول على المقال من موقع الجريدة على هذا الرابط:
http://www.huffingtonpost.com/hilmi-m-zawati/geneva-iii-the-stillborn-conference-and-the-endemic-failure-of-the-international-community_b_9176804.html
3. موقع وكالة أنباء فارس الإيرانية على هذا الرابط:
http://www.farsnews.com/newstext.php?nn=13941121000527
4. من موقع منظمة العفو الدولية على هذا الرابط:
https://www.amnesty.org/en/countries/middle-east-and-north-africa/iran/report-iran/
5. من موقع منظمة هيومان رايتس ووتش على هذا الرابط:
https://www.hrw.org/news/2007/02/14/iran-end-executions-after-unfair-trials
6. يمكن تحميل البحث مجانا من موقع المجلة على هذا الرابط:
http://www.irct.org/Files/Filer/TortureJournal/17_1_2007/impunity_or_immunity.pdf
7. المقال المُشَوَّه منشور بالفارسية على هذا الرابط: http://zannegaar.net/content/328
8. حفل افتتاح المؤتمر متوفر على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=0gl5yY54N54
9. من مقال لجريدة الغارديان البريطانية على هذا الرابط:
http://www.theguardian.com/world/iran-blog/2012/sep/03/bahrain-iran-mistranslating-morsi-syria-speech





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

