من كتاب المضحكات (6) بقلم : عبد الرحيم الماسخ

فن وثقافة …..
بقلم : عبدالرحيم الماسخ ـ مصر ….
13 : { إصابة }
الإنسان بطبعه صندوق مُقفل , لا يمنح سِرَّه إلا لمن يريد , وإن كان بعض الناس لا يُقاوم إغراء المُحاورات والمُداورات التي تسلمه أخيرا إلى الاعتراف الكامل على نفسه بما اقترف من إحسان أو إساءة في حق الآخرين , والحياة مليئة بنماذج لا تغفلها العين تُثبت لمن يسمع ويرى حالة هذا الوجود المتجدد بذاته والمتغير من داخله , المهم في كل ذلك المصلحة العامة , فلا خير يأتي من وراء شر وقد رأينا وسمعنا الكثير من التحايل في سبيل تحقيق غرض خفي من خلال ضده المُعْلن , فبلا الضمير الذي يحكم الإنسان من داخله فلا فائدة من كل البراهين والنصائح , ومن أعجب ما سمعنا في ذلك أن رجلا ذكروا عنده فهامة ونباهة رجل آخر فلم يعجبه ذلك وقال للقوم أنا أثبت لكم غباء ذلك الرجل من حيث لا تتوقعون , وقام من مجلسه على الفور قاصدا بيت ذلك الرجل المذكور عنده , وقد أحضر من بيته  الإبرة الحديدية التي يستطيع الرجل بها نقب جدران المنزل والتي يستعملها اللصوص في صعيد مصر حتى الآن في السرقة , واستطاع ذلك الرجل أن يتسوَّر الحائط ويهبط داخل بيت الرجل أثناء نوم أهل هذا البيت , وظل يثقب الحائط من الداخل حتى تمكن من عمل فتحة تسع الرجل يدخلها حبوا , فصاح وهو ما يزال من الداخل مُتعمِّدا إيقاظ أهل المنزل , وإذ استيقظوا مندهشين وجدوا ذلك الرجل داخل منزلهم فأمسكوا به بسهولة وأحضروا له الشرطة , فلم يعترف بشيء على نفسه قائلا كلّما سألوه عن نقب الحائط ودخوله منزل الغير : سأعترف بكل شيء أمام النيابة , فأحالته الشرطة إلى النيابة , وأمام وكيل النيابة قال : يا سيادة القاضي أنا لم أنقب الجدار ولم أدخل ذلك البيت وإنما أهل تلك الدار هم الذين اصطادوني من الطريق رغما عن أنفي وأدخلوني المنزل عنوة ونقبوا جدار بيتهم أمامي ليتهموني بما ليس في من الخيانة , وعندما سأله وكيل النيابة : ما دليلك على ما تقول ؟ قال دليلي واضح لا لبس فيه ولا غموض فإن كان طوب وتراب النقب الكائن في بيت ذلك الرجل من الخارج يكون ذلك من فعلي أنا ويكون طمعا مني في سرقته أما إن كان تراب وطوب الجدار الناتج من  النقب موجودا  داخل البيت فيكون ذلك من فعل أهل تلك الدار , فقرر وكيل النيابة القيام بمعاينة البيت لتحديد نواتج النقب المذكور في محضر الشرطة ومعرفة إن كان ذلك النقب من فعل أهل الدار أم من المتهم ذاته  !
14 : { تنافر وتجاذب }
إن كانت الدنيا بناء فلبنات ذلك البناء : التجاذب والتنافر , فالتلاحم الواضح بين المصالح المختلفة , المنفعة المتبادلة , والشقاء المفروض , كلها أدوار مفروضة لخدمة الكيان المتكامل , لكن الزيادة كالنقصان في الأطراف المتوازنة تفرض خللا في المنظومة , فيبدأ التصدع وقد ينهار ركن أو أكثر من التركيبة الشاملة للكون , الحياة من خلال الشخص الواحد متناقضة من الداخل أيضا , فالهم والفرح والأسى والرضا والحنين والكراهية والوفاء والخيانة ….. إلخ : كلها من أطراف النزاع الداخلي بين الخير والشر داخل الفرد الواحد , فما بالنا بالجماعة والجماعات الأخرى والشعب والشعوب الأخرى , من أعجب ما حضرت بصفتي مهندسا زراعيا أن لجنة من كبار المهندسين حضرت لزيارتي أثناء عملي بزراعات القطن بإحدى القرى , وكنت أعرف أن أحد المزارعين مهمل في حقله يترك البادرات للديدان القارضة ويؤخر مواعيد الري … إلخ , حتى تهالكت الزروع وكادت تهلك , فاصطحبت تلك اللجنة إليه لعلّهم يقدرون على إقناعه بما فشلت فيه أنا من أجل مصلحته أولا والمصلحة العامة ثانيا , فقابلنا ذلك الرجل عند حقله المجاور لبيته بجهامة وتردُّد وقال : أنا أفهم في زراعتي خيرا منكم فاتركوني لحالي وإياكم أن تنزلوا حقلي فتدوسوا الزروع بأقدامكم المفرطحة , فلم نيأس منه وسألناه كوبا من الماء لعلّه يلين لنا ونأخذ ونعطي معه فيفهم , فقال : تفضلوا وأدخلنا منزله الفسيح , ففرحنا بذلك واستبشرنا خيرا , واستملناه بطيب الحديث , حتى حضر ابنٌ له في ريعان الصبا وجلس أمامنا , فسألناه عن صحته وسنته الدراسية وتخصُّصه في الدراسة , لكن أباه لم يُمهلنا فقال لنا وكله ثقة في صحة ما يقول : ابني هذا أجبرته أنا بنفسي على ترك المدرسة لأنها كلام فارغ ونصحته فلبَّى نصيحتي فهو الآن ينام طيلة النهار لكي يسهر أمام التليفزيون طيلة الليل حتى أصبح يعرف كل شيء عن كل شيء , سمع رئيس اللجنة هذا الكلام فترك حبال الصبر وهبَّ واقفا وهو يقول : لله العوض ومنه العوض ويُقلِّب كفّيه على ما بذل من مجهود لتوعية هذا الرجل .
ابن هذا الرجل رأيته مرًّة أخرى إذ كنتُ متواجداً في صيدلية القرية أشتري بعض الأدوية , فإذا به يدخل علينا غاضبا يضرب الملاط بعصا غليظة ويقول : أين نبوتي يا دكتور , لن أتركك تذهب إلى بيتك قبل أن تُحضر إليَّ نبوتي الغالي , فقلت له : تمهل ولا تضرب الأرض بنبوتك أمامنا وقل ما تريد بأدب , فقال : أنا أخاطب الطبيب ولا أقصدك أنت , لقد وضعتُ نبوتي المصنوع من الشوم والمجلد من الطرفين بذيل العجل في ركن داخل صيدليته هذه إذ كنتُ ذاهبا إلى البندر , وعيب يا أستاذ أن أحمل معي النبوت إلى البندر , لذلك اكتفيت بحمل هذه العصا , وعند عودتي لم أجد النبُّوت في مكانه , فقال له الطبيب وأقسم أنه لم ير نبُّوته ولا عرَف عنه أي شيء , وألقى إليه مالاً كثيرا ليأخذ ثمن نبُّوته إن أراد , لكنه وبكل إصرار أمهل الطبيب أربعة أيام ـ من أجل خاطري أنا ـ للبحث عن ذلك النبوت وإحضاره إليه وإلا ّ فلا يلومن إلا نفسه .