المضحكات (9)

فن وثقافة (:::)
بقلم : عبد الرحيم الماسخ – مصر (:::)
36} رسوب }
لم يفرض الله حقوق الوالدين على الأبناء اعتباطا , كذلك القوانين العرفية لم تهمل هذا الجانب الخطير من جوانب الإنسانية السويّة ففرضت العقوبات الرادعة على الابن العاق لأن هذا الأمر ذو حساسية خاصة لكل من الوالدين والأبناء في كل مكان وزمان , فأقل الهفوات محسوبة وأقل الأخطاء مكتوبة بمداد من الدموع , لأن الذين وَلَدوا وأرضعوا وربُّوا وضحُّوا لا يسلمون دائما من هفوات الضنى العائم على ماء الحياة بلا تريُّث فلا يكاد يعطي نفسه فرصة المراجعة لتقويم ما فيه من اعوجاج لأنه حسب هواه شريعة مُثلى, وإن كان بعض الأبناء لا يتوانون عن مَرضاة الوالدين , لكنها تبقى محاولات منقوصة لأن التراضي عن حب ليس كالتراضي صبرا , حكوا أن رجلا كان يطيع والده الشيخ ويخطب وُدَّه وذات يوم قال له : يا والدي أريد أن أقدِّم لك بعض ما قدمتَ أنت لي وأنا طفل , فقال له والده : لن تستطيع فلكل حال ظرف يلائمه وأنا لا أحتاج أكثر مما أنا فيه من الرعاية والتقدير, لكن الابن ألح على والده كثيرا حتى قال له أبوه أخيرا : إذن هيا بنا إلى السوق , وكان الأب يعرف أن بجانب السوق كومة هائلة من التراب , فعندما ذهبا إلى السوق قال الأب لابنه : أشتهي البرتقال فاشترى له ابنه البرتقال فوضعه الشيخ في حجره وقال لابنه اصعد بي هذه الكومة , فصعد الابن به حتى أجلسه على هامتها , ثم قال لابنه اذهب أنت فاقض حوائجك من السوق ودعني هنا فأنا أحب الخلوة , فنزل الابن وفور نزوله إلى أرض السوق ,أطلق الشيخ حجره ففرمنه البرتقال متجها إلى السوق والشيخ يصيح بابنه , نظر الابن فرأى البرتقال يهبط مسرعا من زوايا الكومة , فأسرع يجمعه ثم حمله في حجره وصعد به فوضعه في حجر أبيه ونزل فتكررت نفس الفعلة من أبيه إذ أطلق البرتقال من حجره من جديد , وعاد الابن بالبرتقال إلى أبيه من جديد , فكرر أبوه معه نفس الفعلة مرة ثالثة , فصعد الابن بالبرتقال غاضبا هذه المرة وقال لأبيه : يبدو أنك جُننتَ أو أنك تقصد تعذيبي بإطلاق ما بحجرك من البرتقال , فقال له الأب ضاحكا : ما جُننت ولا قصدت تعذيبك بما فعلت معك ولكني رأيتك تلح على أن تفعل معي ما فعلتُ معك وأنت صغير , فأردت أن أضع أمامك النتيجة المحتومة لضعف نفسك وقلة صبرك فلقد جئت بك إلى هنا وأنت صغير فاشتريت لك البرتقال ووضعته في حجرك وصعدت بك هذه الكومة وكلما نزلتُ لأتسوق أطلقتَ أنت البرتقال من حجرك وناديتني فكنتُ كل مرة أسرع إليك فِرحا وأضع البرتقال في حجرك من جديد , لم أغضب منك ولم أزجرك رغم أن ذلك الفعل تكرر منك يومها خمس مرات !
****
37} مداهمة }
من عادة الوالدين الدعاء للأبناء أو لغيرهم في كل الأوقات , ومن عادة الأبناء الفرح بدعاء الآباء لهم ومحاولة مكافأتهم ولو بالشيء اليسير من ملذات الدنيا التي يعرفون حب آبائهم لها أو قضاء بعض حوائجهم الضرورية التي أصبحوا عاجزين عن أدائها , لكن يحدث في بعض الأحيان العكس فقد يغضب الآباء على الأبناء ويدعون عليهم بالويل والثبور وإن كانت دعواتهم لا تخرج عن ألسنتهم ولو شققت عن قلوبهم لوجدت لواعج الهوى وخالص الأمنيات تسيل بقوة لتطفئ نار ألسنتهم , ولكن النادر في هذا الأمر أن امرأة كانت دائمة الدعاء لولدها الفتى اليافع وهو كان دائم التودد لها في محاولة مستميتة لاسترضائها , مما جعل الاثنين في دائرة مقفلة مليئة بالحب والوفاء , الأم تلهج بالدعاء عقب كل صلاة والولد يسعى لتحقيق كل ما تطلب منه قبل طلبها , وذات يوم أباح الفتى لصديق له عما يحدث بين والدته وبينه فسأله صديقه على الفور : ألا يوجد أحد أقاربك له نفس الاسم ؟ أنت تقول أن والدتك تدعو لك باسمك { عاذر } فأجابه لا يوجد بنفس الاسم إلا زوج أختي , فضحك صديقه وقال له : إذن يجب أن تتحرى هذا الأمر لتعرف السر في كثرة دعوات أمك لك أو لصهرك, الفتى تفكّر ملِيّا ثم خلص إلى الحل , بعد صلاة العشاء قفز إلى صومعة فارغة كانت والدته تتعبد بجوارها على حين غفلة منها , وإذ صلّت والدته العشاء ورفعت يديها وأسهبت في الدعاء لعاذر , صاح هو من داخل الصومعة الفارغة : نكتب الدعاء لمن من العاذِرَين ؟ لقد حيَّرَنا دعاؤك المُبهم يا أمتَ الله , فقالت على الفور اكتبه لعاذر زوج البنية يا قديس الله .
*****
38} طبقات الصوت }
كان رجل مسافر على حمار له , في الزمان الغابر وحان وقت الصلاة قبالة أحد المساجد , فخرج عليه صوت صوت المؤذن جميلا صافيا نقيا , فسأله رجل عابر يمشي على قدميه قبالته عن هذا الصوت الجميل الذي يسمعانه خارجا عليهما من المسجد , فقال له الرجل الراكب بفخر واعتزاز : إنه أذان المسلمين , وعندما سأله الرجل عن معنى أذان , قال : هو نداء للمسلمين أن يذهبوا إلى المسجد للصلاة خمس مرات في اليوم والليلة وظل الرجل يمجِّد في صلاة المسلمين وييسر ذلك على الرجل الآخر خاصة بعدما عرف منه أنه بلا دين وأنه يبحث عن دين يكون فيه النجاة , حتى أن الرجل قال له : يبدو أن دينكم جميل وأنه صحيح فأنا أريد الدخول فيه بشرط أن تعلمني كل ما تعرف أنت عنه , ففرح به الرجل الراكب حتى أنه تنازل له عن حماره وأقسم عليه أن يركبه هو بعدما نزل هو عنه , وسار مشيا على قدميه يشرح لصاحبه منحه حماره أركان الإسلام وشروطه وقيمته إلى أن مرّا على مسجد آخر كان يخرج منه صوت الأذان جارحا قبيحا , فضرب الرجل المرتجل الحمارة بالعصا قائلا لها : أسرعي حتى لا يعود صاحبنا إلى كفره !
***
39} ميراث بالفائدة }
من أشد المصائب التي بوقوعها تنهار حياة الإنسان في شيخوخته بالذات عقوق الأبناء للآباء , فالآباء بعد كل ما قدَّموا من تضحيات وما بذلوا من غالٍ ونفيس في سبيل توفير حياة كريمة خالية من المنغصات لأبنائهم لا ينتظرون المقابل المادي المعروف لدى كافة الناس وهو المعاملة بالمثل , وإنما يأملون من أبنائهم الذين شبُّوا عن الطوق إسعادهم بالتوفيق في اتجاهاتهم العملية والنظر ولو من علوٍّ إليهم بعين الرحمة والاحترام , وعدم استعجال فنائهم وأخذهم على عِلاّتِهم إذا مرضوا أو احتاجوا , وعدم إظهار الكراهية لهم في وجوههم بطردهم من أملاكهم مما حسب الأبناء أنه ميراث لهم , فلا ميراث للأبناء في الوالدين إلا بعد وفاتهما , فإذا خرج الأبناء على هذا العُرف ونبذوا وراء ظهورهم القيم السامية التي غرسها فيهم آباؤهم أصلا فحصَّلوا بأنانيتهم غضبَ الآباء , بإجبارهم إياهم على كراهيتهم بعدم عطفهم عليهم ونسيانهم وصايا الله والناس بإكرامهم والعمل من أجل راحتهم ليل نهار , فقد بلغ الأبناء بذلك الظلم الأكبر وهو عقوق الوالدين , حدث أن رجلا بعدما أصابه الكِبر ألقت به الحاجة تحت قدمي ابن له , وكان ذلك الرجل من قبل عزيزا في بيته مهابا من أبنائه , له صنعة تُغنيه , وهو لذلك يحس بالعزة والكرامة , فلما كبرت سِنُّه وكسدت صنعته , وفي نفس الوقت اغتنى ابنه وظهرت عليه آثار النِعم ولم ينظر إليه بعين الشفقة والرحمة ,وبعد طول صبر من الأب وتجاهل من الابن اضطر الأب أخيرا أن يزور ولده شاكيا له حاله بينه وبينه لعل وعسى, لكن الابن قال لأبيه بكل وقاحة : اخرجْ من هنا قبل مجيء زوجتي فإني أستحي أن تراك هنا بهذا اللباس القميء وتسمع منك هذه الشكوى المُرّة, فعاتبه والده على كلامه الوقح , فإذا بالابن يدفع أباه دفعة قوية فيطرحه أرضا ثم يركله برجله , فاستقبل الوالد كل ما فعل ابنه به ضاحكا ثم قال له : اعلم أن لك حقا في كل ما فعلتَ معي إلا الركلة فلا حق لك فيها , فأنا عندما جاءني والدي ذات يوم محتاجا لمساعدتي وقد كبرت سنه وكسدت صنعته , طرحته أرضا ولكني لم أركله !