فن وثقافة (:::)
عبد الرحيم الماسخ – مصر (:::)
13 : { إصابة }
الإنسان بطبعه صندوق مُقفل , لا يمنح سِرَّه إلا لمن يريد , وإن كان بعض الناس لا يُقاوم إغراء المُحاورات والمُداورات التي تسلمه أخيرا إلى الاعتراف الكامل على نفسه بما اقترف من إحسان أو إساءة في حق الآخرين , والحياة مليئة بنماذج لا تغفلها العين تُثبت لمن يسمع ويرى حالة هذا الوجود المتجدد بذاته والمتغير من داخله , المهم في كل ذلك المصلحة العامة , فلا خير يأتي من وراء شر وقد رأينا وسمعنا الكثير من التحايل في سبيل تحقيق غرض خفي من خلال ضده المُعْلن , فبلا الضمير الذي يحكم الإنسان من داخله فلا فائدة من كل البراهين والنصائح , ومن أعجب ما سمعنا في ذلك أن رجلا ذكروا عنده فهامة ونباهة رجل آخر فلم يعجبه ذلك وقال للقوم أنا أثبت لكم غباء ذلك الرجل من حيث لا تتوقعون , وقام من مجلسه على الفور قاصدا بيت ذلك الرجل المذكور عنده , وقد أحضر من بيته الإبرة الحديدية التي يستطيع الرجل بها نقب جدران المنزل والتي يستعملها اللصوص في صعيد مصر حتى الآن في السرقة , واستطاع ذلك الرجل أن يتسوَّر الحائط ويهبط داخل بيت الرجل أثناء نوم أهل هذا البيت , وظل يثقب الحائط من الداخل حتى تمكن من عمل فتحة تسع الرجل يدخلها حبوا , فصاح وهو ما يزال من الداخل مُتعمِّدا إيقاظ أهل المنزل , وإذ استيقظوا مندهشين وجدوا ذلك الرجل داخل منزلهم فأمسكوا به بسهولة وأحضروا له الشرطة , فلم يعترف بشيء على نفسه قائلا كلّما سألوه عن نقب الحائط ودخوله منزل الغير : سأعترف بكل شيء أمام النيابة , فأحالته الشرطة إلى النيابة , وأمام وكيل النيابة قال : يا سيادة القاضي أنا لم أنقب الجدار ولم أدخل ذلك البيت وإنما أهل تلك الدار هم الذين اصطادوني من الطريق رغما عن أنفي وأدخلوني المنزل عنوة ونقبوا جدار بيتهم أمامي ليتهموني بما ليس في من الخيانة , وعندما سأله وكيل النيابة : ما دليلك على ما تقول ؟ قال دليلي واضح لا لبس فيه ولا غموض فإن كان طوب وتراب النقب الكائن في بيت ذلك الرجل من الخارج يكون ذلك من فعلي أنا ويكون طمعا مني في سرقته أما إن كان تراب وطوب الجدار الناتج من النقب موجودا داخل البيت فيكون ذلك من فعل أهل تلك الدار , فقرر وكيل النيابة القيام بمعاينة البيت لتحديد نواتج النقب المذكور في محضر الشرطة ومعرفة إن كان ذلك النقب من فعل أهل الدار أم من المتهم ذاته !
14 : { تنافر وتجاذب }
إن كانت الدنيا بناء فلبنات ذلك البناء : التجاذب والتنافر , فالتلاحم الواضح بين المصالح المختلفة , المنفعة المتبادلة , والشقاء المفروض , كلها أدوار مفروضة لخدمة الكيان المتكامل , لكن الزيادة كالنقصان في الأطراف المتوازنة تفرض خللا في المنظومة , فيبدأ التصدع وقد ينهار ركن أو أكثر من التركيبة الشاملة للكون , الحياة من خلال الشخص الواحد متناقضة من الداخل أيضا , فالهم والفرح والأسى والرضا والحنين والكراهية والوفاء والخيانة ….. إلخ : كلها من أطراف النزاع الداخلي بين الخير والشر داخل الفرد الواحد , فما بالنا بالجماعة والجماعات الأخرى والشعب والشعوب الأخرى , من أعجب ما حضرت بصفتي مهندسا زراعيا أن لجنة من كبار المهندسين حضرت لزيارتي أثناء عملي بزراعات القطن بإحدى القرى , وكنت أعرف أن أحد المزارعين مهمل في حقله يترك البادرات للديدان القارضة ويؤخر مواعيد الري … إلخ , حتى تهالكت الزروع وكادت تهلك , فاصطحبت تلك اللجنة إليه لعلّهم يقدرون على إقناعه بما فشلت فيه أنا من أجل مصلحته أولا والمصلحة العامة ثانيا , فقابلنا ذلك الرجل عند حقله المجاور لبيته بجهامة وتردُّد وقال : أنا أفهم في زراعتي خيرا منكم فاتركوني لحالي وإياكم أن تنزلوا حقلي فتدوسوا الزروع بأقدامكم المفرطحة , فلم نيأس منه وسألناه كوبا من الماء لعلّه يلين لنا ونأخذ ونعطي معه فيفهم , فقال : تفضلوا وأدخلنا منزله الفسيح , ففرحنا بذلك واستبشرنا خيرا , واستملناه بطيب الحديث , حتى حضر ابنٌ له في ريعان الصبا وجلس أمامنا , فسألناه عن صحته وسنته الدراسية وتخصُّصه في الدراسة , لكن أباه لم يُمهلنا فقال لنا وكله ثقة في صحة ما يقول : ابني هذا أجبرته أنا بنفسي على ترك المدرسة لأنها كلام فارغ ونصحته فلبَّى نصيحتي فهو الآن ينام طيلة النهار لكي يسهر أمام التليفزيون طيلة الليل حتى أصبح يعرف كل شيء عن كل شيء , سمع رئيس اللجنة هذا الكلام فترك حبال الصبر وهبَّ واقفا وهو يقول : لله العوض ومنه العوض ويُقلِّب كفّيه على ما بذل من مجهود لتوعية هذا الرجل .
ابن هذا الرجل رأيته مرًّة أخرى إذ كنتُ متواجداً في صيدلية القرية أشتري بعض الأدوية , فإذا به يدخل علينا غاضبا يضرب الملاط بعصا غليظة ويقول : أين نبوتي يا دكتور , لن أتركك تذهب إلى بيتك قبل أن تُحضر إليَّ نبوتي الغالي , فقلت له : تمهل ولا تضرب الأرض بنبوتك أمامنا وقل ما تريد بأدب , فقال : أنا أخاطب الطبيب ولا أقصدك أنت , لقد وضعتُ نبوتي المصنوع من الشوم والمجلد من الطرفين بذيل العجل في ركن داخل صيدليته هذه إذ كنتُ ذاهبا إلى البندر , وعيب يا أستاذ أن أحمل معي النبوت إلى البندر , لذلك اكتفيت بحمل هذه العصا , وعند عودتي لم أجد النبُّوت في مكانه , فقال له الطبيب وأقسم أنه لم ير نبُّوته ولا عرَف عنه أي شيء , وألقى إليه مالاً كثيرا ليأخذ ثمن نبُّوته إن أراد , لكنه وبكل إصرار أمهل الطبيب أربعة أيام ـ من أجل خاطري أنا ـ للبحث عن ذلك النبوت وإحضاره إليه وإلا ّ فلا يلومن إلا نفسه .
15 { تخويف }
لا يقتصر التخويف على آلة الحرب ولا فنون القتال من كر وفر وابتكارات قد تقلب موازين القوى المتحاربة, لكن التخويف كحالة نفسية يعتمد أساسا على الاستعداد النفسي للقبول بأداة التخويف نفسها , فالخائف لا يكون بالضرورة في حالته الطبيعية مستقبلا الأحداث بفهم ومفسرا إياها بموضوعية , فقد يلعب الوهم والخداع وسوء الفهم أدوارا مغايرة للواقع مفسِّرة إيّاه على طريقتها الخاصة , وفي صعيد مصر يسمّون سريع الخوف {خفيف النجم } وقد رأينا قريبا لنا وكان يكبرنا سنا لكنه خوّاف بطبعه , فإذا نمنا في الحقل لحراسة الجرن كان ينام بيننا ويقضي ليله ساهرا يصيح بنا : انظروا العفريت ركب النخلة ووو , ننظر فلا نجد شيئا , إنه الوهم , وقد حدث لقريب لنا كان يعمل في حفر الآبار وكان خوّافا إلى حد بعيد , وكان هو وزملاؤه يبيتون في مسجد به نقّالة لحمل الموتى إلى مثواهم الأخير, فكان صاحبنا يخاف تلك النقالة بشدة , فيوقظ من حوله كلما صحا , وقد يتكرر صحوه ونومه في الليلة الواحدة عشرات المرات رغم أنه لا ينام أساسا إلا وسط النائمين , فاغتاظ منه أصحابه من كثرة ما سبب لهم من قلق وهم في العادة يعودون من عملهم المضني مكدودين , وقرروا الانتقام منه , ورقدوا على اتفاقهم , حتى إذا سمعوا غطيطه وعرفوا أنه دخل في نوم عميق قاموا فأحضروا النقّالة ذاتها فوضعوها بجانبه وربطوها في قدمه , واختفوا في زوايا المسجد , وإذ صحا صاحبنا وصاح بهم من شدة خوفه , وبحث عنهم فلم يجدهم ولمست يده النقّالة النائمة بجانبه هب َّ فزِعا وجرى , فجرتِ النقّالة خلفه , فسقط وقام فسقط مرة أخرى , فأسرعوا إليه لكن بعد فوات الأوان .
16 : { صلة ُالرَّحِم }
لصلة الأرحام معنى عظيم في النفوس الصافية , فالعلاقة الإنسانية المعتدلة تبنِي أواصرها على هذه الركيزة , فهي أساس الوجود الإنساني السوي , فالأرحام هي أداة التنسيق الحقيقية للوجود , بدونها تختلط الصلات ببعضها , فيطغى حب النفس على المصلحة العامة , وتتكسَّر العلاقات الإنسانية, فلا تنتهي إلى الهدف السامي الذي نحيا من أجله ألا وهو التعارف للتفاهم والتفاهم للتكامل, لكن مع اختلاف الظروف وطغيان المادة على المعنى تقلَّص دور التراحُم والتواد , وتبوّأ الكذبُ والرياء والسمعة مكانًة عليا حطَّمتْ كثيرا من القيم الراسخة , فأصبح الإنسان لا يكاد يفهم من معاني وجوده إلا القليل , فالمادة ثم المادة ثم المادة , ولا شيء بعد هي الغاية من حياته رغم فنائها درجة درجة أمام عينيه, فلقد كان لنا جد طيب يقضي معظم وقته في العبادات ولا يعرف عن أحوالنا المُتبدِّلة الشيءَ الكثير , فكان لا يهتم بملبسه ولا مأكله كثيرا, وذات يوم حضر صلاة الجمعة في أحد المساجد, وكان موضوع الخطبة في ذلك اليوم عن صلة الرحم , كيفية أدائها وشرعِيّة وجودها والنتيجة النهائية المباشرة لإهمالها وتضييعها, وإذ قال خطيب المسجد الرحم اشتق لها الرحمن اسمًا من اسمه وقال لها وعزَّتي وجلالي من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته , انتفض جدُّنا الطيب من الخوف وهو يُحصي عمّاته وأخواته وأخر مرّة وصل كل واحدة منهن , ففزع من طول القطيعة , ونوى أن يصل رحمه فورَ خروجه من المسجد , فأسرع بالذهاب إلى أخته المتزوجة من رجل ميسور الحال في شمال القرية , طرقَ بابها فخرجتْ إليه , رأته فلم تعطه فرصة للكلام إذ صرخت في وجهه : يا تعاستي , أنت هنا ؟ لقد دمّرتَ كل شيء بهلاهيلك القذرة ورائحتك النتنة وشكلك القبيح , يا فضيحتي , يا كسري , أين أنت من إخوتك الذين يأتون على خيلهم وفي أيديهم الهدايا النفيسة ؟, هيّا أسِرع بالرحيل قبل أن يراك أحد فتصيبني المَعرَّة ُ إلى الأبد , أسرع أسرع أسرع , فلم يملك إلا الهروب تنفيذا لأمرها وقد تملَّكه الذهول, فذهب إلى إحدى عماته وهي متزوجة من رجل أعمال غني في جهة اليمين من القرية , طرق بابها فخرجت إليه رأته فصرختْ في وجهه : أنت هنا ؟ يالك من غبي, ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ هيا ارحل عني لا يُوجد معي ما أعطيك , أسرع قبل أن يراك أحد فتصيبني فضيحة العمر أسرع أسرع أس…. , فأسرع هاربا , واتجه إلى عمَّته الثانية , طرق بابها , فخرجتْ إليه , أبصرته فصاحت به : أنت يالك من حقير ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ لقد ضيَّعتَ كل شيء , هيا ارحل عني قبل أن يراك أحد , هيا هيا هيا , فنظر إلى السماء وصاح : يا رب ما تكون نار الآخرة حتى أذوق كل هذه النار في الدنيا ؟
17 : { نقل ملكية }
من أخطر ما واجه الأمّة من مكامِن جهلها , وفد تسبَّب دون أن ندري في الخسران المبين لمعظمنا , فانتُزِعَتْ البركة وظهر الجشع والطمع , واستشرى حُبُّ الدنيا , حتى أننا رأينا ـ وليتنا لم نر ـ الوالدين مقطوعي الرحم , والأبناء المتقاتلين حتى الفناء على عرض زائل معروف لديهم مسبقا حقه من باطله ,والأقرباء المُضيَّعين على أتفه الأسباب , الدنيا تغيرت فلم يعد الحب والوقار والاحترام من قيم المجتمع الضرورية لبقائه , وأصبحت المصلحة الشخصية هي المنفذ الآمن لدواعي الود ومواطن السرور, فالغِنَى وحده الهدف الأكيد لمعظم الناس , لا مكان للقناعة والرضا بيننا , فمن أين لنا الاستقرار والسكينة ؟, لقد انقلب الحال فأصبحنا أشتاتا بأفعالنا وأهدافنا وهزائمنا أيضا , لقد كان لنا أحد الجيران وكان معروفا بإسرافه على نفسه فكان لصًّا ضليعا ومُتسلِّطا بطبعه على ضعاف الناس واستمر على تلك الحال إلى أن وافاه الكبر فخاف على نفسه وبحث لنفسه عن طريقة للخروج من ذنوبه , فلم يجد سوى الحج , فنوى أداءه ولشدّة حرصه على حسن خاتمته راح يسأل بعض من يُقال لهم :علماء فأوصوه أولا أن تكون حجّته من مال حلال بعدما يكون قد رد المظالم إلى أهلها , فأخذته الحيرة إلى التفكير في حل قاطع لكل ما يشغل باله , وأخيرا اهتدى مع نفسه للحل الأكيد فدعا ابنه الأصغر الذي لم يحضر أو يعاين بنفسه كثيرا من أفعاله المشينة في الماضي, وقال له يا بُنَي لقد تنازلتُ لك عن كل أملاكي التي اشتريتها من حرام عن طيب خاطر , فأنا منذ الآن بريء منها وهي ملك لك وحدك , وذهب إلى الحج ظنا منه أنه بذلك تخلص من حمله الثقيل , كذلك حكوا قالوا أن رجلا واتاه عيد الأضحى وقد سرق أبناؤه خروفا وذبحوه كأضحية , فقال لهم أنا رجل مُسِنٌّ فلا أريد أن آكل الحرام ولابد لي أن أضحِّي مثلكم , فقالوا له : ماذا نفعل وليس معنا نقود لنشتري لك لحما حلالا ؟ فقال لهم : اذهبوا بجلد الخروف الذي ذبحتموه الآن إلى السوق فاشتروا لي به لحما حلالا !
18 : { لهجات }
من أعظم عجائب الدنيا لمن يسمع ويرى اختلاف اللغات شكلا ونُطقا , لكن اختلاف اللهجات داخل اللغة الواحدة أقل عجبا وإن كان في مُجمله من غرائب الأمور لكل ذي فكر يُعمله فيما حوله من آيات وجوده , الأصوات كذلك متضاربة و متباينة فمنها الصاخب والخفيض والغليظ والرفيع …. إلخ , وإن كانت كل آيات الخلق وما تلاها في سبيل إعمار هذا الكوكب تدعونا لمزيد من الإيمان والتسليم , فإنها تدعونا أحيانا للسخرية والضحك , ومن أعجب ما نسمع من النكات ما يقال في مصر سخريًة واستهزاءً بأبناء الصعيد , رغم كل ما نعلم من شهامتهم ونجدتهم , وقد كنا أثناء الخدمة العسكرية في جمع عظيم من أبناء بحري قلة من أبناء الصعيد فشبعنا استهزاء وكأننا من كوكب آخر , ولكن أن يلقي الصعايدة النكات على بعضهم مُستهدفين لهجتهم الجامعة فهذا من أعجب ما سمعت إذ أن بعض أقاربنا كانوا من العاملين المغتربين كالعادة في نواحي القاهرة , وأرادوا شراء دجاجة للعشاء , فاختاروا أحدهم وكان طالبا أزهريا طيِّب الخلقة , قليل الخبرة بالآخرين , فلم يُغيِّر لهجته كباقي الصعايدة المغتربين الذين يحاولون تصنُّع المدنية بالتقاط كلمات قليلة القيمة تقربهم قليلا من أهل تلك المدنية السطحية , وهو يصر على لهجته ولا يجد فيها عيبا يسبب الحرَج للمتحدث بها في أي مكان , اختاروه من أجل ذلك ليوقعوه تحت طائلة السخرية , وعندما ذهب صاحبنا إلى بائع الدجاج الصعيدي الأصل : ألقى عليه السلام فعرف الرجل فيه طيبة خالصة فأراد أن يسْخر منه , ثم قال له صاحبنا : أريد شراء {فرُّوجة } وهي الدجاجة بلهجة أهل الصعيد , لكن البائع صاح به : أنا لا أعرف شيئا اسمه فرُّوجة ,اذهبْ عني فليس عندي ما تريد , تعجّب الصعيدي لأنه يرى الدجاج أمام عينيه ثم يسمع إنكار ما يرى بأذنيه, وقال للرجل ظانا أنه لم يفهم مقصده بعد : أريد شراء دجاجة !
19 : { مظهرية }
من الناس من يهتم بهيئته تحت كل الظروف , فيختار لمظهره لياقة شاملة تميزه بين الناس في كل المواقف , وقد يفتتن البعض بمظهره حتى ينسى جوهره , وأحيانا يكون المظهر دالا على الجوهر وأحيانا لا يكون كذلك إذ أن عملية توازن الباطن والظاهر عملية معقدة تحتاج جهدا جهيدا وعقلا صافيا يفكر بحكمة في كل الأمور , ويختار الوسطية من كل شيء , فكما أن الأناقة المفتعلة تتسبب في مقت صاحبها بين الناس كذلك الإهمال الجسيم في الملبس مدعاة للسخرية , ومن النوادر التي حضرنا حدوثها وتندَّرنا بها كثيرا أن رجلا من آبائنا كان يتصنَّع الأناقة ويضع نفسه في مواضع الكبرياء المذموم , وقد استمر على حاله تلك, إذا تكلم أضحك عليه وقليلا ما يصمت , فأصبح هدفا للاستهزاء , وذات يوم بينما كان يسقي حقله بالإيجار من ماكينة مياه مجاورة تتبَّعه بعض اللئام , فوجدوه يذهب إلى الماكينة مرتديا أفخر الثياب ليجالس أصحابها مُدَّعِيا أن لديه عاملا يسقي له بالأجرة , ثم يتركهم ويدخل الحقول , فتتبعوه إلى أن بلغ حافة حقله , وعرفوا أنه يسقي بنفسه , وأنه إذا أراد أن يدخل الزرع المرتفع خلع ثيابه الفاخرة فكوَّرها ووضعها جانبا , فإذا هو أحد العمال يرتدي الهلاهيل , ويظل يدير القناة في الأحواض , فحمل اللئام ثيابه فمرغوها في الوحل ثم وضعوها مكانها , وكمنوا في حقل الذرة المجاور في انتظار قدوم صاحبنا ليروا بأنفسهم رد فعله





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

