ما بين فتح وحماس شيطان أخرس..

فلسطين (:::)
بقلم : بكر السباتين (:::)
ليرحل كل من يتجاوز الحق الفلسطيني!
الوطن لا يستبدل معنويا بتنظيمات متصارعة!
لعله من أشد الأخطار المحدقة بمسيرة النضال لأي شعب على هذه البسيطة، هو أن تتقمص الحركات الثورية أوطانها المسلوبة كبديل معنوي. فبدلا من السعي لتحريرها، تقوم بمقايضتها مقابل وجودها كحركات ثورية في الشكل، مع تحولها إلى مؤسسات تستثمر الأوطان من أجل بقائها، ولتعزيز مكانة ،قادتها الاقتصادية والسياسية في عالم همشت فيه المثل، وقلبت الموازين، وبات للشيطان فيها مسرح يعربد على خشبته وفق مفاهيم المصلحة العليا وأمن المواطن ورخائه، ولو جاء ذلك بالتوافق مع تقبل الاحتلال كحاضنة مناسبة لتجدد المفاهيم وفق غايات المنتفعين على حساب المبادئ التي تنسجم مع أخلاقيات الأمم.
من هنا يمكن فهم هذا التجني على العقل العربي حينما يتحول العدو الصهيوني الذي احتل فلسطين عام ثمانية وأربعين بعد أن طرد أصحاب الأرض ونكل بهم، إلى حليف استراتيجي ضد قوى الممانعة والمقاومة؛ بذريعة التصدي للإرهاب الذي يمثل هو الاخر أهم الأدوات الصهيونية الرامية إلى تجزئة الوطن العربي على أساس طائفي، ما يجعل يهودية الدولة في الكيان الإسرائيلي فكرة مقبولة على صعيد عربي، وذلك خلافا  للحق الفلسطيني المكفول أمميا على المستوى القانوني بينما هو منتهك على أرض الواقع.
لكن الأشد إيلاما في ذات السياق أن تمثل الساحة الفلسطينية هذا الواقع في أسوأ حالاته، من خلال الانقسام الفلسطيني الداخلي، ومناصبة كل طرف العداء للآخر على حساب العدو المشترك لهما والمتمثل بسالب الأرض ومنتهك الحقوق الفلسطينية وقاتل الشعب الفلسطيني في سلسلة مجازر يندى لها الجبين، وقد تناست الأطراف الفلسطينية المتصارعة ما جرى في كارثة “الجرف الصامد” التي حلت بالشعب الفلسطيني في غزة على يد آلة الحرب الصهيونية، تلك المجزرة الرهيبة التي لم يجف فيها الدم الفلسطيني بعد؛ ورغم ذلك يظل التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية في الكيان الإسرائيلي على أعلى مستوياته، حتى تجاوز الطرف الفلسطيني كل ثوابت المقاومة المشروعة في إطار حقوق الإنسان، والمكبلة على صعيد معاهدة السلام بين الضحية والجلاد التي ولدت في سياق مؤامرة صهيونية بتواطؤ أممي على القضية الفلسطينية،  ليتحول رجل الأمن الفلسطيني في الضفة الغربية إلى شرطي بالوكالة للطرف الإسرائيلي. ثم تأتي تصريحات رئيس حركة حماس خالد مشعل حول المفاوضات الحمساوية الإسرائيلية في إطار فك الحصار العربي الإسرائيلي المفروض على غزة، وهو أيضاً مرفوض ويخالف مبادئ المقاومة التي كما يبدو تحولت إلى تجارة تغتنم منها التنظيمات الفلسطينية  أسباب بقائها.
ومن هنا يمكن قراءة ما صرح به أحمد عساف المتحدث باسم حركة فتح حيث قال: “أنه في الوقت الذي تعلن فيه حركة حماس الحرب على السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال نيتها (استهداف الاجهزة الامنية في الضفة) كما جاء على لسان احد قياداتها في غزة، فانها تتوسل الهدوء مع الاحتلال وعبر الاعلام الاسرائيلي من خلال قيادي اخر من غزة الذي اعلن (بان حماس ليست معنية بخوض حرب جديدة مع إسرائيل في قطاع غزة، إذ إنها معنية بالحفاظ على الهدوء )”.
إنه تلويث للوعي العربي وصيد في المياه العكرة وتناقض مفضوح بين الأفعال والأقوال.. وهو إن حسب زلة في ملف حماس فهو كارثة في الملف الفتحاوي، على أن ندرك أيضاً  بأن بينهما شيطان أخرس.
هذا هو العبث الحقيقي بالعقل العربي.. حينما تقبل فتح على نفسها ما ترفضه على حماس. في الوقت نفسه تتجرع حماس السم بالتفاوض مع الكيان الإسرائيلي من أجل فك الحصار عن قطاع غزة، متذرعة بأن التفاهم مع العدو في هذا الشأن ربما يكون أيسر من استجداء النخوة العربية مقابل تقصير أصحابها.
ليعلم الجميع بأن فلسطين قضية حقوقية متكاملة، وكل من  يتجاوز ثوابتها، منظمات كانت أو أفراد؛ أو يسوق نفسه كوطن معنوي بديل على حساب الأرض الحقيقية المحتلة، غير أبه بالدم الفلسطيني، فليرحل قبل أن يقطع الشعب الفلسطيني (صاحب الحق والولاية) دائرته، كمرحلة تمهد للحق الفلسطيني واستعادته من أشداق الصهيونية وحلفائها.