تونس وتحديات المستقبل

فضاءات عربية (:::)
بقلم : محمد علي القايدي – تونس (:::)
لا نهضة ولا سؤدد ولا تقدّم لتونس ولا استقلال غذائي وسياسي إلا  بالنهوض الجدّي بالقطاع الفلاحي نهضة شاملة وبطريقة علميّة مدروسة  تنطلق من اقصى الشمال إلى أقصى الجنوب لنحقّق الاكتفاء الذاتي الزراعي الذي ضلّ حلما يراود الكثيرين ، بشرط  حسن استغلال مواردنا المائيّة والتقليل من المياه الضائعة التي تصب في البحر والعمل على تجميعها واستعمالها في الريّ علما وأن سهول القيروان عطشى وتتطلب استصلاحا زراعيّا جادا أي يحبذا لو يقع التفكير بجدّ في وضع خطّة علميّة والشروع في توسيع المناطق السقويّة ومضاعفتها أي من 405 آلاف هكتارإلى 800 ألف هكتارأو مليون إذا لزم.  واعتماد الريّ التكميلي وخاصة في الزراعات الكبرى عند شحّ مياه الأمطار حتى نؤمن الاكتفاء الذاتي في الحبوب والبقول مع التفكير الجدّي في تغيير مصادرالطاقة بوضع خطة مستقبليّة تتمثّل في التركيز أساسا على استغلال الطاقات البديلة ، المتوفرة بكثرة في بلادنا  وأعني  الطاقة الشمسيّة الواعدة والرياح … والتقليل من اعتمادنا على الغاز وتحويلها إلى كهرباء  للإنارة ولتشغيل المضخّات لإيصال مياه الريّ إلى الأراضي الزراعيّة واعتمادها  كذلك في تحلية مياه البحر بغية توسيع المساحات السقويّة . فالحكومات المتعاقبة بعد تأميم الأراضي الفلاحيّة و استرجاعها من المعمرين سنة 64  وفي نطاق الاصلاح الزراعي الشامل  تقرر بعث ما يسمى بالتعاضد وذلك بإنشاء تعاضديات فلاحيّه وما صاحب ذلك  من تجاوزات وأخطاء فقد وقع تجميع صغار وضعاف الفلاحين وذلك  بضم أراضيهم  وثرواتهم الحيوانيّة في شكل تعاضديات  وإحالة الكثيرين منهم على عدم المباشرة واضطرار معظمهم تهرّبا إلى بيع مواشيهم بأسعار زهيدة والنزوح نحو المدن الكبرى وتمّ تعيين أناس عديمي الخبرة على رأس هذه التعاضديات لا علاقة لهم بالتسيير والعمل الفلاحي وما صحب ذلك من استياء وغضب وقلق مسّ الجميع وبدأ يهدد الاقطاعيين الكبار بالخصوص من فلاحة وتجّار الذين عارضوا الفكرة أي فكرة التعاضد جملة وتفصيلا رغم كونها  لاقت نجاحا في موطن نشأتها فتغيرت  بذلك أساليب وطرق استغلال الاراضي الفلاحيّة فتحسّن وتنوّع الانتاج والإنتاجية وحققت التعاضديات أرباحا خياليّة بفضل حسن التصرّف والحوكمة الرشيدة أمّا عندنا فكانت علامات الفشل هي الطاغية ،  التعطيل الغشّ السرقة التخريب عدم القيام بالواجب انعدام  الضمير… وبدأ التململ يبلغ أوجهه في سنة 69  بعد ان ازداد فقر ضعاف الفلاحين وسخطهم أي أنّ  البلاد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من حافة الافلاس والمجاعة . يعني  أن عوامل فشل هذه التجربة التي فرضت بالقوة على صغار الفلاّحين ولم تهيئ لها آنذاك الأرضيّة و الظروف النفسيّة واللوجستيّة لانطلاقها انطلاقة جيّدة وثابة والبدء فلو طبق التعاضد  على مراحل ببعث تعاضديات نموذجية  تجريبيّة تشرف على تسييرها الدولة في الأراضي التي تملكها حتّى يطمئن بال الفلاح الصغير ويقتنع بجدوى هذا المشروع  ويصبح من المطالبين بتحقيقه وتعميمه تدريجيّا أي أن الفلاح البسيط يتحول إلى عنصر ايجابي وفاعل في انجاح التجربة أو رفضها و إليه يعود القرارالنهائي  . نعم طريقة تطبيق هذه التجربة كانت صادمة ومنفرّة جعلت صغار الفلاحين وأبنائهم  يكرهون العمل الفلاحي  ويريدون التخلّص من أراضيهم بعد عودتها إليهم , مما اثر سلبا على قدرات البلاد الانتاجية في كل المجالات وخاصة الزراعيّة منها. فتجربة التعاضد كانت تجربة مرّة ومؤلمة عانى منها الشمال الغربي وخاصة باجة  المتضرر رقم 1 الكثير. وقد أقرّ بعد حل التعاضد  مبدأ تعايش القطاعات الثلاثة : التعاضدي والخاص والعام والمؤسف أن زمن حكم المخلوع كثير من التعاضديات الفلاحيّة كانت ناجحة  رغم السرقات وكانت تحقق أرباحا طائلة وتعمّد النظام البائد  افلاسها لحلّها للتفويت فيها للمقرّبين وكانت تشغّل عددا لا بأس به من اليد العاملة .  فالحكومة الحاليّة والتي ستعقبها أمامها تحدّيات كبرى تتمثّل في وضع استراتيجيا مستقبليّة لتحقيق الاكتفاء الذاتي  الزراعي  وتحسين الإنتاج والإنتاجية بعد مضاعفة المساحات السقوية واستعمال الطرق العلميّة الحديثة في السّقي وتتمثل أساسا  في :  ــ تخزين المياه داخل التربة وحمايتها من التبخّر وتسمى هذه التقنية بتقنيّة “الموزع العائم ” و”جيب الحجارة ”  ،  ــ والريّ بالرشّ وذلك باستعمال  مرشّات تعرف لدى الفلاح بـ ” العصافير ” وهي  ناثرات للمياه على شكل مطر اصطناعي تستعمل  في المناطق الباردة  والحارة على حدّ سواء ، ، ــ والريّ  بالتنقيط  ” أو الريّ قطرة قطرة  وكذلك ــ الريّ المحوري لري المحاصيل الحقليّة  ، أملينا أن  تتحوّل تونس إلى بلد مصدّر للحبوب والبقول والغلال والزيوت … وكذلك تشجيع كبار الفلاّحين  ورجال الأعمال على بعث مصانع لتحويل المنتجات الزراعيّة للاستهلاك الداخلي والتصدير لخلق مواطن شغل جديدة . فالسلاح الأخضر تستعمله أمريكا لقهر وتجويع الشعوب المتخلفة زراعيا واقتصاديا وسياسيّا وتعليميّا ومن العيب والعار ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرون  أن لا نفكر في الظفر بهذا السلاح كي نؤمن استقلالنا الغذائي والسياسي . فتونس في حاجة لمواقف وقرارات جريئة من هذا القبيل  وكذلك لرجالات قويّة  مخلصة وصادقة تؤمن لنا السير في طريق خلاصنا من الهيمنة الخارجيّة . لك الله يا تونس .
الاستاذ : محمد علي القايدي
باجة في 23 جوان 2015
تونس