شعر “الهوكو” الياباني والصور التذكارية

دراسات (:::)
دراسة : بكر السباتين * الاردن (:::)
في إحدى الندوات التي جمعتنا مع نخبة من الكتاب الأردنيين من أعضاء صالون الشاعرة مريم الصيفي، تطرق البعض في إشارة سريعة إلى شعر الهايكو الياباني. ولم أكن حينها قد اطلعت كثيراً على هذا النوع من الشعر الذي يشبه في الشكل ما يعرف بالومضات الشعرية التي تتألف من سطر واحد منثور. وهذه محاولة لاستعراض خصائص هذا النوع من الشعر الجميل وتحليل بعض النماذج المبسطة لولوج هذا العالم المليء بالأحاسيس المفعمة بجمال الطبيعة كأنه تمازج بين الإنسان وروحه التي تسكن الطبيعة، وفق المعتقدات اليابانية القديمة، والذي يحرض على الخيال من خلال الصور المفخخة التي تثير الدهشة.. كأن في طيات هذا السكون شيء تذوب ملامحه في المعتقدات اليابانية.
فما هو شعر الهايكو؟
تعرفه الموسوعة الحرة على أنه “نوع من الشعر الياباني، يحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ بسيطة التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة. تتألف أشعار (الهايكو) من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة)”.
وتعرفه الباحثة السورية سارا سليمان على أن “فـ(هوكو) حرفياً تعني مستهل القصيدة وبدايتها,أما إذا كان المستهل أطول يسمى حينها بال (هايكا)و يتكون من خمسة وسبعة مقاطع في ثلاثة أسطر تشكل قصيدة قصيرة تمثل لحظة التنوير التي تسمى «ساتوري»لدى اليابانيين”.
ومن الملاحظ أن التعريف ذكر أرقاماً تتعلق بعدد الأسطر والمقاطع وتوزيع الكلمات على أساس الرقم الفردي. وهي أيضاً ترتبط بالأعمار والمواسم حيث أن الأرقام الفردية عند اليابانيين تثير التفاؤل.
ويرجع تاريخ الهايكو الحديث الى عام 1892م بظهور قصائد الشاعر الياباني( سيكو شايكي ). وتعتبر الشاعرة اليابانية ” هيساجو سوجيتا” من أشهر شعراء الهوكو والتي اعتمدت القصيدة عندها في بناء الهايكو على أساس المشهد الأمامي و المشهد الخلفي.
إذ تَتَملك الشاعر براءة الطفولة وهو يصف المشهد حسياً مستخدماً مفردات بسيطة وفطرية الدلالات وآنية من خلال عناصر مترابطة. كأن الشاعر في غيبوبة البوح لا يريد أن يغوص في أعماق البحيرة مكتفياً بمشهدها الخارجي البسيط.. فهو يصور المشهد حسياً ويبتعد بالمتلقي عن مطاردة الغاية في النص. إنها اختزال لمشاعر وأحاسيس الشاعر الانطباعية في سبعة عشر مقطعاً وفق التراكيب في اللغة اليابانية. وكما قال الدكتور باسم القاسم في دراسة له عن شعر الهوكو:
“ما تفعله تقنية سوجيتا هو التخلص من هذه الممارسة واستبدالها بالـ هارموني بين مشهدين في لوحة واحدة أحداثهما متواكبة ومتوافقة زمانيا ومكانيا بالنسبة للهايكست إنها تجعل الهايكست يدخل في حالة من ( المحو) لذاته ولغته لا تريده أن يفتعل شيء من أحداث النص أو في أحداث النص كذلك ..ولكنها تقنية تحتاج إلى مهارة ودرجة تنقية للذهن عالية ..هي تماماً مثل أن تنسج وشائج تدمج الكائنات في حكمة وجود واحدة” .
ولمزيد من الفهم لهذا النوع من الشعر، لاحظ هذه اللقطة اللحظية المفخخة في النص التالي للشاعر الياباني باشو:
“صفصاف أخضر (مشهد أمامي)
تتقاطر أغصانه على الطمي
أثناء الجزر”( مشهد خلفي)
هنا يتأمل الشاعر الطبيعة فتدهشة اللحظة ويصورها الطفل القابع في اعماقه على نحو مشهد أمامي لشجرة الصفصاف التي حركت دلالاتها مشاعره وهي تتحرك في المشهد الخلفي الذي يتمثل بالمد وهو يعكس صورتها بلونها الأخضر ليختطفها الجزر.
وفي سياق التعريف بهذا النوع من الشعر الذي يشبه اللقطة أو الومضة السريعة التي تشغل العقل في لحظات ثم تكيفه مع الفكرة المختزلة حتى يستحلب طعمها.. ولولا بعض الخصائص التي تميز شعر الهايكو وفق شروطه في الأدب الياباني لقلنا بأن الومضات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إذا ما كتبت في سطر واحد منثور فإنها تصنف من شعر الهايكو شكلا وليس مضموناً. فما هي خصائص هذا الشعر إذاً؟
وللتعرف على هذه الخصائص، سنأخذ “الومضة اللحظية” التالية كمثال للشاعرة اليابانية (كوباياشي إسّا):
“سُئل عمره
فرفع يده
ملابس الصيف”
ومن الملاحظ في هذا النص بأن شعر الهايكو يربط المشهد الحسي بدلالة موسمية (الصيف) إشارة إلى معالم الطقس الموجودة في بيئة اليابان الغنية؛ دلالة على المواسم الأربع.
فتجدون أيضاً الإشارة للحيوانات ( مثل السلحفاة التي ترمز إلى طول العمر)أو النباتات تعبيراً عن المشاركة مع البيئة التي ألهمت الشاعر، بناءاً على الحالة النفسية التي يكون فيها الشاعر وهو يطبق عينه على خاتمة مشهد لحظي، ليتأملها، ومن ثم يكتبها قبل أن تنمو في عقلة فتخرج عن شروط الهوكو. واليابانيون يحررون أنفسهم من الأزمات باللجوء إلى الطبيعة من خلال التأمل وفق العقيدة البوذية( اليوغو). علماً بأن هناك عيد في اليابان يسمى (يوم الاحتفال بالربيع) في الحادي والعشرين من مارس، يقدم فيه الناس الشكر للطبيعة ويعربون عن حبهم للكائنات الحية. وفي منتصف سبتمبر (الخريف) يحتفل اليابانيون بتأمل القمر وهو في حالة البدر ويفتحون النوافذ أو يلجأون إلى الجبال لمشاهدته. وهذا يدل على العلاقة الروحية بين الشاعر الياباني بالمواسم والطبيعة.. ويمكن من هذا المدخل فهم علاقة الهوكو بالحالات النفسية و السياقات الاجتماعية و الثقافية التابعة لتلك المواقف من منظور ياباني على اعتبار أن عمق دلالة المفردة عند الياباني تختلف عنها لدى الشعوب الأخرى. كل هذا يُلخّص في صورة ذهنية مُركّزة و مبسّطة في إطار تجربة فردية لتلك اللحظة كما هو الحال في النص أعلاه.
وفي النص أعلاه حينما سئل الطفل عن عمره يخرج يده مشيراً إلى عمر الخمس سنوات وبالتالي قد يكون وقت الاحتفال به حسب مراسيم “شيتشي(سبع سنوات) – جو (خمس سنوات)- سان ( ثلاث سنوات)”و هي الأعمار التي يُحتفل فيها بصحة و سلامة الأطفال في اليابان. حيث يصطحب الآباء أبناءهم إلى المعبد القريب منهم للدعاء. ويستند اختيار سني العمر الفردية إلى الاعتقاد بأنها أرقام تدعو إلى التفاؤل، ويرسم الأطفال على أكياس الحلوى صورتين لطائرى الكركى والسلحفاة واللذان يرمزان إلى طول العمر في اليابان.
أما “ملابس الصيف” فتدل على عادة إخراج ملابس الصيف و تخزين ملابس الشتاء، أي في الشهر الرابع من السنة. وكأن المؤشرات إلى المواسم والأشهر لا بد أن تتوفر في نصوص الهوكو.
ولقطة الهوكو تشبه الصور التذكارية في موسم ما. ومن هنا يأتي الربط بين الهوكو ومواسم الأعياد. ويمكن التوصل إلى النتيجة التالية في أن أصالة شعر الهوكو تنبع من تقاليد الشعب الياباني وخصوصيته. لذلك فإن تقليد هذا النوع من الشعر من قبل شعراء لا ينتمون إلى شعوب شرق آسيا (كونهم يتمتعون بسمات متقاربة وتجمعهم تقاليد ذات أصول فكرية ودينية واحدة)؛ فإن ابداعاتهم ستكون تقليداً باهتا للشكل على حساب المضمون.. لأن المفردة والدلالة اليابانية لا تنسجم مضموناً مع شبيهاتها لدى الشعوب الأخرى ولو توافقتا بالشكل.
نماذج مختارة من شعر الهايكو مصنفة حسب المواسم ومفردات الطبيعة الحياتية:
1- شعر ذكرت فيه المواسم والفصول:
حرّ الصيف
آهٍ، كم صغيرة، يا غرامي
مظلتكِ الملونة
في هذا الحر المجهد
(سيهو)
***
ريح الخريف
عند هبة ريح الخريف
ليس سوى الهايكو هناك
في كل ما أجد
(كيوشي)
***
صباح الربيع
من أروقة طوال
أصوات الناس تنهض
في غمام الربيع
(ريوتا)
***
2- الطيور والحيوانات:
غراب على غصن أجرد
على غصن ذاوٍ
يجثم غراب وحيدا؛
مساء الخريف الآن
(باشو)
***
زهرة كاميليا
زهرة كاميليا،
بينما تقع، ينسكب الماءُ
من زخة الأمس
(بوسون)
***
فراشة
إلى إكليل من الزهور يرقدُ
في رقة على طرف تابوت،
تجئ الفراشة
(ميستسو)
______
المراجع
1- الموسوعة الحرة:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D8%A7%D9%8A%D9%83%D9%88
2- موقع السفارة اليابانية في مصر/ الملحفية الثقافية:
http://www.eg.emb-japan.go.jp/a/japan/year.htm
3- دراسة نقدية للدكتور الشاعر و الناقد باسم القاسم:
https://www.facebook.com/versehaiku?fref=ts
4- دراسة للباحثة سارا سليمان” ما هي قصائد الهايكو)
https://www.facebook.com/versehaiku?fref=ts
5- أعياد اليابان:
http://www.toookyo.com/vb/archive/index.php/t-2532.html
6-عبد اللطيف الهدر” مختارات):
http://www.matarmatar.net/threads/222/
7- مختارات من شعر الهايكو الياباني
ترجمة: محمد عيد إبراهيم
مجلة ” كتابات معاصرة ”، المجلد الخامس \ العدد العشرون. ص 132
_______
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/