الاصلاح الثقافي ركيزة التغيير والتنمية .

دراسات (:::)
بقلم : د . نزهة المأموني – المغرب (:::)
انطلاقا من الخصوصيات المحلية وتطويرها ، مرورا بالنظريات العصرية ،وصولا إلى تخليق الحياة العامة ؛ يبدأ التغيير وتنطلق التنمية الحقيقية التي تنهض بقطاعات الدولة ، مواكبة تقدم العالم ومحافظة على مكتسباتها وثوابتها ومقدساتها التي بدونها لا تستطيع أن تحقق تقدما ملموسا .
أن نتغير لا يعني بالضرورة أن ” نسلخ جلدنا ” بل الحفاظ عليه وتلميعه مع الانفتاح على التطورات التي من شأنها أن تفيدنا .
أن نتغير لا يعني بالضرورة أن نحتج ونعارض على ” الخاوي” و”العامر” بل أن نناقش ونتأمل نتيجة حوارنا ونتخذ من وقفاتنا الاحتجاجية أساسا للبناء وليس الهدم .
أن نتغير لا يعني بالضرورة أن نتحول إلى عجينة رخوة يطوعها “العدو” كما يشاء ، ويحولها وفق أيدولوجياته الخاصة التي لن تصل بنا إلا إلى الأسوأ .
أن نتغير يعني ان نبني لبنة لبنة ، بهدوء وتؤدة ، ببصيرة واتزان  مع الاحتفاظ بهاجس ” الخوف على الوطن” ، سواء منه الوطن الصغير أم الكبير .
إنها الخطوة المهمة التي يجب أن تنهجها الأمة وهي في طريقها إلى التنمية .إذ لا خير في أمة فرطت في ثوابتها ، وأهملت تاريخها ، ورمت وراء ظهرها موروثها بخيره وشره … من لا ماضي له لا حاضر له وبالتالي لا مستقبل له .
فما هو ماضي الأمة الاسلامية ؟؟؟
بما انه طويل وعريض ولن تكفيه سطور مقالة واحدة ،سنكتفي بإطلالة على “أسباب ارتقاء المسلمين الماضي ” (عن كتاب “الأمير شكيب أرسلان “لماذا تأخر المسلمون ؟ولماذا تقدم غيرهم ؟ ” كتيب تم نشره من طرف وزارة الثقافة والفنون والتراث لدولة قطر مرفقا مع مجلة الدوحة الثقافية \2014)
الديانة الاسلامية ظهرت بالجزيرة العربية ، وكانت القبائل متفرقة ومتطاحنة فوحدت بينها ،وحسنت أخلاق القوم من القسوة إلى الرحمة ،ومن الجاهلية إلى المدنية … الشيء الذي أهلهم إلى فتح نصف كرة الأرض في نصف قرن .
لهذا يتساءل شكيب أرسلان :” فالسبب الذي به نهضوا وفتحوا وسادوا وشادوا ،وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد والرقي يجب علينا أن نبحث عنه وننشده ،ونحفي المسألة ،ونمعن في النشدان :هل هو باق في العرب وهم قد تأخروا برغم وجوده ،وتأخر معهم تلاميذهم الذين هم سائر المسلمين ؟أم قد ارتفع هذا السبب من بينهم ، ولم يبق من الايمان إلا اسمه ،ومن الاسلام إلا رسمه ، ومن القرآن إلا الترنم به من دون العمل بأوامره ونواهيه ،إلى غير ذلك مما كان في صدر الملة ،وعنجهية الشريعة؟” (ص 15وص16)
الحقيقة ان هذه النعمة التي يتحدث عنها شكيب أرسلان فعلا ارتفعت عن العرب والمسلمين عامة لأن أسبابها قلت إلى انعدامها . وفي المقابل انتقلت هذه النعمة إلى غيرهم : من الأوروبيين مثلا الذين بهرتهم الحضارة الاسلامية في اوجها وانطلقوا يبحثون في اسرارها ،بدراسة اللغة العربية والاطلاع وترجمة العلوم وبالتالي فهموا أسرار الرقي الاسلامي والتي ــ للأسف ــ نعلم نحن المسلمون أنها في شريعتنا التي فرطنا فيها واكتفينا بالتباهي بأننا مسلمون فقط بالعبادات ونسينا العمل والمعاملات بيننا .
وكأننا تبادلنا المواقف مع أوربا ، حيث كانت أوربا تغطس في عصور الظلام و” الأمم البروتستانتية منهم تجعل مصدر هذا التأخر الكنيسة البابوية لا النصرانية من حيث هي ، وتزعم أن نهضة أوربا لم تبدأ إلا بخروج (لوثير ،وكلفين) على الكنيسة الرومانية .وأما فولتير ومن في حزبه من أقطاب الملاحدة فلا يفرقون كثيرا بين الكاثوليك والبروتستانت وعندهم أن جميع هذه العقائد واحدة ،وأنها عائقة عن العمل والرقي ،ولهذا قال فولتير تلك الكلمة عندما ذكر لديه لوثير ،وكلفين ،قال “كلاهما لا يصلح أن يكون حذاء لمحمد ” يرى أن محمدا صلى الله عليه وسلم بلغ من الاصلاح ما لم يبلغا أدناه، مع اعتقادهم الكثير أن مذهبهما كان فجر أنوار أوربا ” (ص 105 من نفس الكتاب)
حاليا تفوقت أوربا على المسلمين ،وبدأت تتعدد بينهم التسميات ــ طبعا بفعل فاعل ــ والتي تتمسح كلها كألقاب بالإسلام ،والاسلام بريء منها وممن يحملونها براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام. كل هذا في محاولة من طرف أعداء الاسلام والخوف من عودة المسلمين إلى سابق عهدهم من القوة والازدهار والتقدم بفضل تشبثهم بتعاليم الدين الاسلامي الصحيحة .
وقد كان لهم ما أرادوا ،وها هو حال الأمة الاسلامية والأمة العربية من التشرذم ما يدللون به على أن الاسلام هو السبب، كما كان أمر أوربا عندما اتهمت النصرانية بدل الباباوات الذين مارسوها خطئا وتسببوا في التأخر الذي وقعت فيه أوربا .
وبدأنا لا نرى من المسلمين إلا المظاهر، ولا نسمع منهم إلا المواعظ ،ولا نجني من ورائها سوى كلاما وراء طاولات مستديرة لا تسمن ولا تغني من جوع ،ما يذكرنا بقول المتنبي :
أغايـــــــــــــة الدين أن تحفوا شواربكم §§ يا أمــــــــــــــــــــــــة ضحكت من جهلها الأمم.
وهكذا تشتت ذهن العرب والمسلمين متسائلين عن كيفية إصلاح حالهم ،وبدؤوا يتشدقون بالتعابير والمصطلحات المستوردة من الغرب ،ناسين أنهم من صدرها في الكتب والتراجم التي سافرت من عندهم واستفاد منها الغرب أيما استفادة كتراث عربي إسلامي. وكانت انطلاقة الأوربيين الجديدة، بينما اهمل العرب والمسلمون تراثهم الديني والثقافي بما يحمله من كنوز قادرة على بناء المستقبل .
ومما يدور حوله الحديث حاليا ،تخليق الحياة العامة  كمدخل للتنمية ، والقليلون هم من يدققون في معناها …
وحسب الكاتب اللبناني مسعود ضاهر “فنجاح تجارب التحديث الآسيوية تقدم الدليل النظري والتطبيقي على استجابة الشعوب الآسيوية للتحدي الحضاري الذي فرضته المركزية الأوربية والأمريكية على العالم طوال القرنين التاسع عشر والعشرين ، وتبني الاصلاح الثقافي كمدخل للحداثة السليمة”
إذن  لا يمكن أن نتحدث عن التغيير دون أن نؤسس له ثقافيا . وهنا لابد من تحديد بعض العناصر المندرجة في إطار الثقافة المطلوبة والمعتمدة لنهضة الأمم :
•ثقافة احترام الآخر وقبوله بكل اختلافاته بالرغم من اختلافنا معه في الرأي .
•ثقافة “الحرية” لنفهم أين تقف حريتنا حيث تبدأ حرية الآخر ، ولنعلم أيضا ما لنا وما علينا .
•ثقافة ” حماية الممتلكات العامة” بالمحافظة عليها كمكسب للجميع وكملك مشترك يستفيد منه عامة الناس ،وليس الاندفاع وراء مطالب فردية أنانية توصل إلى خراب الأوطان ،وبالتالي تؤخر عجلة التنمية بدل أن تسرعها .
•ثقافة ” النظافة ” كي نعتاد على تنظيف أنفسنا من الداخل من كل غل وحقد وضغينة ، وبعدها ننظف ما حولنا ” زنقة .. زنقة …” من النفايات بدل أن نبعثرها بحركات لا مسؤولة ،وأيضا من الأشخاص العابثين بأمننا وأمن أسرنا وأهل بلدنا ، لا أن ننساق وراءهم كالمجانين بدون تفكير …
•ثقافة ” التواصل” يجب أن نتعلم الاصغاء لبعضنا وطرح القضايا رغم بساطتها للنقاش والجدال ، لأن الاختلاف في الرأي رحمة للناس ، ومسألة صحية يترتب عليها الحلول الناجعة .
•ثقافة ” اعرف واجباتك” قبل أن تطالب بحقوقك ، وهذا شيء جميل يحول الانسان من مستهلك للطلبات إلى مصدر للواجبات وتفعيلها .
حتى نتمكن من الاجابة على سؤال عمره ما يقرب المائة سنة  :
” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ ” لعل شكيب أرسلان الذي طرح السؤال يستطيع أن يرتاح في مرقده الأخير …
د.  نزهة الماموني .