ما زالت مجزرة دير ياسين في الذاكرة

الجريمه (:::)
بقلم : تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
على الرغم من قيام العصابات الصهيونية بارتكاب أكثر من مجزرة واحدة خلال أحداث النكبة عام 1948 ، لكن بقيت مذبحة دير ياسين من أكثر المذابح شهرة وبشاعة ، لأنها تحمل كل ما تعنيه مقاييس أية مذبحة جماعية عرفها التاريخ ، دماء ضحاياها لم تسفك بشكل عشوائي نتيجة قصف جوي خاطىء او مدفعي ، أو نتيجة انفجار قنابل تائهة غير موجهة .
ما يميزها أن جميع ضحاياها لم يكونوا من العسكرين أو المسلحين الذين حاولوا الدفاع عن قرية دير ياسين ، جميع ضحايا هذه المجزرة من المدنيين ومن بينهم عدد من الأطفال ، كما أن قادة العصابات التي ارتكبت هذه المجزرة أباحت القرية للجنود الذين كانوا متعطشين لإرواء حقدهم ونزعة سفك الدماء في عروقهم .
لقد تجرد المعتدون من انسانيتهم ، تصرفوا كالوحوش فلم يترددوا من استخدام كل أنواع القتل والسحل والحرق وبقر بطون الحوامل ، هكذا فعل النازيون وهذا ما تفعله اليوم عصابات التكفيريين في سوريا والعراق واليمن ونيجيريا وغيرها ، ان اباحة القرية وسكانها للقوة المعتدية ضاعفت من غرائز الانتقام في نفوسهم .
ما يميز هذه المجزرة أيضاً عدد ضحاياها الذين تجاوزا 250 ضحية من قرية بلغ عدد سكانها 700 مواطن ، الميزة الخاصة بها كان الاعداد المسبق والتخطيط الدقيق لهذه المجزرة من قبل قيادة العصابات الارهابية الرئيسية الثلاثة ، وهي الأتسل وتعني المنظمة العسكرية القومية التي كان يقودها الارهابي مناحم بيغن ، ومنظمة ليحي وتعني المحاربون من أجل الحرية ، أما المنظمة الثالثة التي أصبحت فيما بعد نواة لجيش الاحتلال فهي منظمة الهاجاناة ، لقد أعدوا خطة كاملة مع سبق الاصرار لارتكاب هذه المجزرة ، كما حاولوا اخفاء جريمتهم عن عيون الصليب الأحمر ، ومنعوا الصحافة من الوصول الى أرض المعركة ، وهذا يذكرنا بالأسلوب ذاته في مجزرة كفر قاسم سنة 1956 .
اعترف العديد من المؤرخين الصهاينة أن الهدف من وراء ارتكاب مجزرة دير ياسين هو ترويع سكان جميع المدن والقرى الفلسطينية ، كي يهجرها أهلها خوفاً من أن يكون مصيرهم مشابهاً لمصير قرية دير ياسين ، وبكل أسف فأن الصحافة العربية الفلسطينية وباقي وسائل الأعلام الأخرى قد ابتلعت هذا الطعم المضرج بدماء ضحايا مذبحة دير ياسين ، واقدمت على نشر تفاصيل ما حدث مما أدى الى نشر الرعب والخوف في نفوس وقلوب عشرات الألوف من سكان القرى الفلسطينية المختلفة ، فبدأت تسقط الواحدة تلو الأخرى بأيدي الصهاينة بمجرد وصول الانذارات من قبل العصابات الارهابية ، وكانت هذه الانذارات تصل اما عن طريق المتعاونين مع هذه العصابات أو بواسطة منشورات كانت تلقيها الطائرات .
من مميزات هذه المجزرة ان الاقلام التي تناولت احداثها وقسماً من المؤرخين الذين سلطوا الأضواء عليها من اليهود والاجانب تعاملوا معها بنوع من الموضوعية والحياد ، باستثناء المتعصبون منهم ، نذكر من هؤلاء المحايدين الدكتور”  شموئيل دوتان ” حيث أعترف في كتابه ( صراع شعبين فوق تراب وطن واحد ) اعترف في هذا الكتاب بأن مذبحة دير ياسين كانت وستبقى وصمة عار وكابوساً سيلاحق الاسرائيليين ، وأضاف أنني أشعر بالخجل عندما أتذكر أحداث هذه المجزرة ومجزرة كفر قاسم ، أما المؤرح ” دان ياهف ” فقد أثنى في كتابه الذي يحمل عنوان ( طهارة السلاح بين الأسطورة والواقع ) على ما ذكره المؤرخ العسكري الاسرائيلي المعروف ” مائير بعيل ” حول ارتكاب المجزرة ، يؤكد بعيل أنه قد اعد مخططاً مسبق قبل ارتكاب المجزرة بغية إخافة الفلسطينيين والعمل على طردهم من قراهم ، ويربط هذا المؤرخ بين طهارة السلاح التي يدعيها القتلة وبين الجريمة ذاتها التي تنفي وتناقض هذا الادعاء الكاذب .
من ضمن المعلومات التي يرويها ” ياهف ” ما تناقلته المخابرات التابعة لتنظيم الهاجاناة وكان يعرف هذا الجهاز باسم ” شاي ”  اعترفت هذه المخابرات بأن قائد منطقة القدس ويدعى ” شالتيئل ” أبلغ المسؤولين بأنه تم تحويل جزء من أسرى دير ياسين وجلهم من النساء والأطفال الى معسكر خاص ، وهناك قام عدد من الحراس بإطلاق النار باتجاه عدد من النساء مع اطفالهن ، وفي شهادة اضافية قال ” ياهف ” ان جنوداً من عصابتي الاتسل والليحي قتلوا عدداً من الأسرى بعد أن تم نقلهم الى مستعمرة ” جفعات شاؤول ” المجاورة لقرية دير ياسين ، أما ” جدعون شريج ” عضو المنظمة فقد اعترف أن بعض المواطنين اليهود قاموا بالقاء عدداً من الجثث في النار لحرقها أمام مجموعة من الصحفيين المحليين ، لكنهم فوجئوا بوجود صحفيين أجانب منهم الصحفيان الفرنسيان ” كولنس ودومانيك ” وقد أشار هذان الصحفيان الى ذلك في كتابهما بعنوان القدس ، وذكرا بأن هذه الجرائم وقعت أمام جنود الهاجاناة وهذا يفند ادعاء هذه المنظمة بأنها لم تكن طرفاً في هذه الجريمة ، الا أن المؤرخ يائير بعيل دحض ادعائها كما دحضه النائب السابق عن حزب مبام ” يايئر صبان ” .
يضيف ياهف على لسان ” جيحون ” وهو الموفد الذي أرسله القائد ” شلتيئيل ” لمعرفة حقيقة ما حدث في القرية ، قال في البداية حاولوا منعي من الدخول لكنني تخطيت الاسلاك الشائكة فشاهدت عشرات الجثث ملقاة في عدة أماكن ، وقد شعر بالأشمئزاز بعد أن شاهد القتلة يأكلون ويشربون بشهية مفتوحة وهم يجلسون بمحاذة الجثث الملقاة أرضاً ، وأكد ” جيحون في كتابه الذي أصدره فيما بعد ، حيث قارن بين الجرائم التي ارتكبها النازيون وبين الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية خاصة وانه كان يقاتل داخل صفوف الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية .
وحول ما جرى عقب انتهاء المجزرة ذكر ياهف : غادر معظم أفراد منظمتي الاتسل والليحي دير ياسين قُبيل غروب شمس اليوم التاسع من شهر نيسان وهو الذي ارتكبت في المجزرة ، وقد اعتبره الفلسطينيون يوم الشهيد الفلسطيني ، أما ما تبقى من القتلة فقد كلفوا بنهب ما طالته ايديهم من أموال القرية ، بما فيها المواشي والدجاج والحبوب والأموال والذهب ، هناك شهادة أخرى قدمها الطبيب ” الفرد أنجل ” الذي عمل ضمن فريق نجمة داوود الحمراء ، قال : عندما دخلت القرية شاهدت نحو مائة جثة في مكان واحد وكان المشهد مرعباً ، ويدوا أن السفاحين انتقلوا من منزل لآخر وقتلوا ضحاياهم عن قرب ، فقد اثنى على هذا المشهد أيضاً الطبيبان ” افيجدور ودريان ” حيث اعترفا للمؤرخ ياهف انهما دخلا القرية وشاهدا أكواماً من الجثث من بينها جثثاً للأطفال، وبغية التستر على هذه الجريمة يذكر ياهف أن عصابة الهجاناة قامت بتنظيف القرية من الجثث بعد يومين من المذبحة لأنها كانت تعلم بنية الصليب الأحمر القيام بزيارة القرية ، وأكد ياهف أن رجلاً يدعى يهوشع أريئلي أبلغه أن عصابات الهاجاناة قامت بدفن جثث الضحايا في قبر جماعي .