بصمات نتنياهو فوق جلد العنصرية

دراسات (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
الناخبون في اسرائيل بايعوا نتنياهو وزمرته من جديد ووفروا له كل الادوات والآليات التي تؤهله للاستمرار بحفر بصماته المشوهة فوق كل مؤسسة من مؤسسات الدولة وداخل نفسية كل مواطن من مواطنيها ، لقد تحولت هذه البصمات خلال فترة حكمه الى حفر زادت من وعورة التعامل معها ، ومن ثم أصبحت ملحقات شبه ثابتة كالأورام في الجسد من الصعب فصلها عن هوية الدولة الحقيقية .
هذا التراكم بالأورام زاد من خصوصية اسرائيل وميزتها نسبة الى الكثير من دول العالم ، فهي الدولة الوحيدة الباقية في العالم التي تحشر نفسها داخل غيتوات من الشك والرعب وعدم الثقة في الآخرين ، فلم تكتف بإحاطة نفسها بحقول من الالغام ، بل اقامت مئات الكيلومترات من الاسوار الالكترونية حول غالبية حدودها ، هي الدولة الوحيدة التي لا تثق بقطاع كبير من مواطنيها ، حتى أولئك الذين تجبرهم على الخدمة في قواها الأمنية ، تعاملهم ضمن خارطة لا حدود لحالات التمييز فيها ، انها تشكك وتخشى ايضاً من القوى الديمقراطية حتى اليهودية منها ، وتعتبر مواقفهم عدائية بدلاً من اعتبارها حقاً شرعياً وجزءاً لا يتجزأ من التعددية السياسية والفكرية .
لقد أكد الكثير من المراقبين والمحللين للحالات النفسية التي تعاني منها القيادات السياسية في اسرائيل وقطاعات شعبية واسعة ، ان حالات الشك والخوف وفقدان الثقة يعود الى عدم ايمانهم جميعاً بان قيام اسرائيل كدولة لم يكن حقا شرعيا لأنها قامت على اشلاء وركام شعب آخر ، بقوة القتل والارهاب وبمساعدة قوى دولية ترأستها بريطانيا التي سلمت فلسطين هدية وغنيمة للحركة الصهيونية لإقامة كيان سياسي يهودي ليس محبة بالشعب اليهودي ، بل لخدمة وحماية مصالحها في الشرق الاوسط .
من بين الملحقات التي الصقها نتنياهو في جسد الدولة خلال فترة تربعه على عرش السلطة فزاد من تشويه صورتها ، تعميق الانقسامات داخل المجتمع الاسرائيلي ، فقد استخدم اسلوب الاستقواء بميليشيات عناصر من اليمين الفاشي لضرب القوى والعناصر المعارضة لسياسته ، وقد اختيار تسمية هؤلاء باليسار كنوع من التهمة حتى لو كانوا من اليمين الوسط امثال هرتسوغ ولبيد وليفني وغيرهم ، لقد نجح في فترة حكمه من محاصرة اليسار خاصة اليسار الصهيوني منه وغير الصهيوني مستغلاً حالة التردد والفتور التي تمر بها هذه القوى ، لأنها عجزت على وضع برنامج سياسي وصريح لحالات الصراع مع الفلسطينيين .
اما الملحق الثاني الذي حوله نتنياهو الى عضو ثابت في نهج اسرائيل السياسي وهو تغذية وتنمية جذور العنصرية وتوسيع منابعها واعشاشها خاصة في المؤسسات الدينية وداخل مؤسسات الاحزاب اليمينية وداخل مستنقعات المستوطنات ، لقد سمح نتنياهو لوزرائه امثال ليبرمان وبينيت ومن لف لفهم  بنفث سمومهم العنصرية ضد المواطنين العرب وضد كافة العناصر والقوى الديمقراطية غير الصهيونية ، هذه المواقف اللا انسانية واللا اخلاقية لمثل هؤلاء الوزراء وغيرهم خلقت اجيالا جديدة يهودية ترى بالمستوطنات حقاً شرعياً لها ، ولا ترى بالقدس الا موحدة ، وترفض السلام العادل بكل صوره واشكاله .
استغل نتنياهو ربابنة العنصرية التي انشأها داخل حزبه الليكود  وداخل بؤر المستوطنات واستخدمهم في معركة الانتخابات الأخيرة ، لأنه يعرف غذاءهم الروحي وهوسهم الديني ، فاقدم يوم الانتخابات على التلويح بهذا القذارة ،  من خلال جولاته في طول البلاد وعرضها ، كان الغذاء الذي لوح به اعلانه على الملأ وبخطوط عريضة بأن الدولة الفلسطينية لم ولن ترى النور خلال فترة حكمه ، لقد وجد هذا التصريح كلاباً مسعورة انتظرته واعتبرته حافزاً شيطانياً قادها الى صناديق الاقتراع كي تقلب المعادلة .
هذه السياسة الجنونية هي شحن جديد لسلاح اليمين التحريضي ، هذا من شأنه كاف لقتل كل محاولة لبلورة أي مشروع للسلام وهو لا زال في المهد . عندما فجر نتنياهو هذه القنبلة كان يعني ما يقول وكان صادقاً وصريحاً وقحاً و جرئياً ، لأنه يعرف ان احداً لم يقف امامه ولم يجبره على التراجع او تغيير مواقفه ، خاصة وان غالبية الانظمة العربية لم يعد يهمها مصير الشعب الفلسطيني ، وقد تحولت هذه الدول من عدائها لإسرائيل الى خشيتها وعدائها لإيران ولمحور المقاومة ، اذا نتنياهو لم يخش من أي ردة فعل عربية او عالمية ضد تنكره المطلق لقيام دولة فلسطينية .
كذلك الأمر فان هذا العنصري لم يخش من ردة فعل عالمية خاصة من الولايات المتحدة ، لأن الصفعة التي لطم بها وجه اوباما بعد اصراره على القاء خطابه في الكونغرس لا تزال اثارها مطبوعة على وجه الرئيس الامريكي الذي شفط اللطمة ، لقد عقب اوباما على اعلان نتنياهو من باب رفع العتب من خلال حديثه مع موقع افينتغتون فوسط وقال : ان نتنياهو جاد في اعلانه واضاف بان اعتماد الأخير على احزاب اليمين فقط في تشكيل حكومته الجديدة سوف يزيد من متاعبه في تعامله مع دول العالم ، لقد قدم اوباما في حديثه ضرائب كلامية اعتاد نتنياهو على سماعها لكنها دون جدوى ، السلاح العنصري الحاد الذي استخدمه نتنياهو في معركته الانتخابية لهزيمته خصومه من الاحزاب الصهيونية التي هددت عرشه تفجير قنابل من دخان الشك واثارة الرعب من مواطني الدولة العرب ، لم يكن تحريضه ضدهم عفويا ، كان مدروسا ومتعمداً نبع من فكره الصهيوني العنصري وعبر عن حقيقته ورؤيته للعرب ، وهذا يؤكد بأنه كان يقف وراء كافة التصريحات المعادية للعرب التي كان يطلقها توأمه ليبرمان ، هذا التصريح يشير الى ان الحكومة الجديدة سوف تستمر في نهجها لإصدار المزيد من القوانين العنصرية ضد المواطنين العرب لسلبهم كافة حقوقهم ومصادرة ما تبقى من اراضيهم.
المؤسف والمحزن بان تصريحات نتنياهو العنصرية بخصوص الدولة الفلسطينية وبإشهار العداء الفاضح للمواطنين العرب لم يوقظ أي نظام عربي من سباته ولم يوقظ حتى الحركات القومية والوطنية داخل الاقطار العربية ، فهم غارقون في بؤسهم وجهلهم وحروبهم الطائفية ودمار بلادهم ، مخدرون بفقرهم لاهون ببرامج كافة الفضائيات العبثية ، لم تعد شوارع العواصم العربية نعرف الاحتجاجات والمظاهرات لنصرة فلسطين وشعبها ، عواصم الدول الاجنبية احق بهذه الاحتجاجات مثل جنوب افريقيا ، وحتى لندن وباريس وغيرها .
لقد عودتنا الشعوب العربية وحكامها على الخذلان ، لكن السؤال نحن المليون وربع ماذا يجب ان نفعل ؟ كيف يكون ردنا على تصريحات نتنياهو ؟ هل نكتفي بمقال هنا وتصريح هناك ؟في رأيي ان الأمر يوجب تنظيم حملة استذكار ضد نتنياهو وحكومته الجديدة ، على ان تكون هذه الحملة مدروسة ومنظمة بعيدة عن العنف وعلى مراحل متلاحقة تشارك القوى الديمقراطية اليهودية فيها، وقوى ديمقراطية من الخارج اذا امكن ، تبدأها الجماهير بمظاهرة مليونية تشارك بها كافة القطاعات الشعبية من النقب والمثلث والجليل والمدن المختلطة ،يجب ان تكون هذه المظاهرة صرخة مدوية ولعنة تقذفها في وجه نتنياهو ، يجب العمل على تنظيم حملة اعلانية محلية وعالمية لتعرية وكشف معدن هذا الانتهازي الذي فرط بكل القيم الانسانية من اجل الوصول الى غايته في السلطة .
ان موقفه هذا والى جانبه القوى المتطرفة الأخرى ما هي الا الضوء الاحمر والخطر الذي يهدد وجودنا في وطننا ، يجب ان لا نعتمد على الاحزاب الصهيونية  التي تقف في المعارضة ، لأنها تعتبر امتداداً ورديفاً لأية حكومة جديدة يقيمها حزب الليكود، خيارنا الوحيد هو التماسك ورص الصفوف داخل القائمة المشتركة بكل احزابها واطيافها ، آن الأوان كي تقوم القائمة المشتركة بإصدار صحيفة باللغة العبرية تمثل اصوات المواطنين العرب ، لأن المواطنين اليهود لا يقرأون الصحافة العربية ، ولا يعرفون عن مواطني الدولة العرب سوى الجانب الأسود  وصحن الحمص ، وما تنقله صحفهم وقنواته .