مقاومة الاحتلال والتعاون معه خطان لا يلتقيان

دراسات (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
في مقدمة خيارات المقاومة التي فضلها زعيم الهند المعروف غاندي للتخلص من نير الاستعمار البريطاني مقاطعة البضائع والمنتوجات البريطانية من قبل أبناء الشعب الهندي ، كان يقول لو امتنع الهنود عن استهلاك المنتوجات الغذائية والمنسوجات بريطانية الصنع ، لأعلنت غالبية المصانع البريطانية افلاسها .
عندما اختار غاندي هذا السلاح من المقاومة كان يعرف بأنه لا يكلف المواطن الهندي سوى الاصرار والارادة والتنازل عن حياة الترف والبذخ ، لأن هذه المقاطعة قادرة على قطع شرايين اطماع الرجل البريطاني الابيض الذي امتص ونهب ثروات الشعب الهندي مدة تزيد عن قرنين من الزمن .
هناك صفحات اخرى في التاريخ الحديث تشير الى استخدام سلاح المقاطعة من قبل العديد من الشعوب من اجل نيل استقلالها ، نذكر منها قيام الشعب الصربي بمقاطعة المنتوجات النمساوية وحليفتها المانيا بعد استيلاء الاولى على مقاطعتي البوسنة والهرسك ، وحتى لا نذهب بعيداً فان الشعب الفلسطيني كان سباقاً بين الشعوب العربية في استخدام هذا السلاح كطريقة واسلوب في مقاومته للانتداب البريطاني ومنع المد الصهيوني داخل فلسطين .
عندما انطلقت شرارة الثورة الفلسطينية في العاشر من شهر نيسان عام 1936 ، بدأت بإعلان الاضراب الشامل ، وقد تخلل هذا الاضراب مقاطعة المنتوجات اليهودية والبريطانية ، اضافة الى شل عمل وحركة غالبية المرافق الحيوية في البلاد ، بما فيها شبكة القطارات وحركة الموانىء وغيرها ، وعلى الرغم من أن هذا الاضراب وتبعاته خاصة الاقتصادية منها لم تكن منظمة ، لكنه اوقف الهجرة اليهودية الى فلسطين ، كما اجبر بريطانيا على طرح حلول لعل المواطنين العرب يوافقون عليها ، بعد ان كانت ترفض التفاوض مع القيادة الفلسطينية ، من هذه الحلول صدور اول اقتراح بتقسيم فلسطين والذي عرف بتقسيم ” لجنة بيل ” وعندما رفضه العرب اضطرت بريطانيا على اصدار ما عرف بالكتاب الابيض الثالث الذي تجاهل وعد بلفور وحدد الهجرة اليهودية ب 75 الف مهاجر خلال خمس سنوات ، كما نوه لإقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين .
هذه الامثلة وغيرها يدفعنا لطرح سؤال جوهري وهام ، هل دخلت السلطة الفلسطينية الى حالة سن اليأس الذي افقدها ذاكرتها ولم تعد تتذكر وتعي اهمية دور مقاطعة الاحتلال اقتصادياً وسياسياً ، والله ان امر هذه السلطة غريب وعجيب ، لأنها تناقض نفسها ، فهي تدرك اكثر من غيرها بأن شعبنا في المناطق المحتلة قدم تضحيات ولا يزال يدفع كل يوم فاتورة مقاومته للاحتلال بدماء الشهداء والمعتقلين ، والمعاناة من الحصار وسرقة ثرواته ، كما ان هذه السلطة لا تتوقف عن فضح جرائم الاحتلال وتحاول مقاومته بطرقها الخاصة ، في نفس الوقت فهي مصرة على التعاون مع هذا الاحتلال دون ادراكها بأن أخطار هذا التعاون تحبط الكثير من محاولاتها لمقاومته ، كما أنه يطيل من عمر هذا الاحتلال ويثبت أقدامه أكثر ، كانت السلطة السباقة بالإعلان عن مقاطعة منتوجات المستوطنات الصناعية منها والزراعية ، وقد طلبت من المواطنين الالتزام بهذه المقاطعة ، وقد اقيمت اللجان الشعبية داخل المدن والقرى الفلسطينية للأشراف على هذه المقاطعة لكن كيف تتمشى هذه المقاطعة مع الاعتماد الشبه كلي على المنتوجات الاسرائيلية الرئيسية الهامة ، في مقدمتها المحروقات والمواد الغذائية الاساسية وقطع الغيار ومواد الخام الأخرى ، هل فكرت السلطة او حاولت ايجاد اسواقاً عربية او عالمية بديلة لهذه المواد كي تضرب الاقتصاد الاسرائيلي الذي يغذي الاحتلال والاستيطان .
بات القاصي والداني يعرف بأن الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية احتلالاً مجانياً ، لا يكلف الميزانية العامة شيئاً يذكر ، هذا بالنسبة للفلسطينيين اما بالنسبة لإسرائيل فهو احتلالاً مريحاً بسبب الصادرات الاسرائيلية لسكان المناطق المحتلة ، فهذه المناطق هي بمثابة عمقاً اقتصادياً لإسرائيل وأسواقاً واسعة لمنتوجاتها ، كما انها تستخدم هذه المناطق جسوراً لتهريب منتوجاتها الى العديد من الأسواق العربية .
لا أحد ينكر الانجازات السياسية التي حققتها القيادة الفلسطينية في رام الله في السنتين الاخيرتين ، خاصة في الامم المتحدة واعتراف العديد من برلمانات الدول الاوروبية بدولة فلسطين الى جانب اسرائيل ، هذه الانجازات تحولت في بعض الاحيان الى عرس سياسي فلسطيني متواضع ، لكن ممارسات السلطة شوهت هذا العرس بمواقفتها اخيراً على عقد صفقة تجارية هامة وكبيرة مع اسرائيل ، اثارت تساؤلات كثيرة وصلت الى درجة الرفض الشبه كامل لهذه الصفقة ، خاصة في هذه الظروف الحساسة جداً ، هذه الصفقة عبارة عن اتفاق مع الشركة الفلسطينية بي – بي – جي – سي وشركة تصدير الوقود الاسرائيلية نوبل انرجي ، من بنود هذا الاتفاق تتعهد اسرائيل بتزويد الشركة الفلسطينية بكميات من الغاز الطبيعي من حقل ثمار البحري بمبلغ يقدر 2،1 مليارد دولار لمدة عشرين عاماً ، وهناك اتفاق اكثر كلفة مع النظام الهاشمي في عمان .
لقد سبب هذا الاتفاق صدمة وجزعاً في نفوس كافة القوى الشعبية والأطر والتنظيمات والفصائل الوطنية ، وقد سارع الحزب الشيوعي الفلسطيني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رفضهما لهذا الاتفاق مطالبين السلطة بالتراجع عنه ، كما اتهمت هذه القوى السلطة في رام الله بعدم شرعية الاتفاق ، لأنه لم يعرض على المجلس التشريعي لمناقشته والموافقة عليه ، كما اتهمت السلطة بان هذا الاتفاق فيه  كثير من الغموض والسرية .
حقيقة ان هذا الاتفاق يطبق المثل الشعبي الذي يقول ” من دهنوا اقليه ” لأن الشعب الفلسطيني له حق تاريخي وشرعي في حقول الغاز الاسرائيلية هذا الحق لا يختلف عن حق هذا الشعب بالعودة الى مدنه وقراه التي اجبر على النزوح منها على ايدي العصابات الصهيونية .
ان موافقة الفلسطينيون على عقد هذه الصفقة لمدة عشرين عاماً يؤكد لدول العالم عامة والانظمة العربية خاصة بان القيادة الفلسطينية تعترف بالوجود الاسرائيلي كما هو عليه الآن ، وانه لا اهمية لرفض هذا الكيان للسلام ولا اهمية لاعتداءاته المتكررة وممارسته القمعية ، آخرها رفض هذا الكيان اعادة المستحقات المالية الفلسطينية التي يجمعها من الضرائب وغيرها ، كيف تتفق هذه الصفقة مع اعلان حكومة نتنياهو قبل اقل من اسبوع عن نيتها بناء آلاف الشقق الجديدة في المستوطنات داخل الضفة الغربية ؟ وكيف يتفق ايضا مع رفض السلطات الاسرائيلية على ربط مدينة الروابي الفلسطينية الجديدة في شبكة المياه ، مع ان هذه المياه ملك للشعب الفلسطيني ؟ أسئلة كثيرة من حق كل مواطن ان يسألها .
ان موافقة الفلسطينيين على هذه الصفقة الاستراتيجية يزيد من ارتباط الاقتصاد والفلسطيني باقتصاد دولة جشعة محتلة يساعدها على التحكم اكثر بعصب الاقتصاد الفلسطيني ، كما ان هذه الصفقة تشجع الشركات في الدول العربية التي تسعى لتوسيع علاقتها مع اسرائيل على فتح التعاون على مصراعيه مع شركات اسرائيلية ، في نفس الوقت فانها تسبب خيبة امل لدى كافة الاطر العالمية التي ترى بأن محاصرة اسرائيل اقتصادياً ربما يعيدها الى صوابها ويجبرها على انهاء احتلالها واستعبادها لشعب آخر ، أصبح آخر شعوب العالم الفاقدة لحريتها