رواد السينما العربية.. مسيرة كفاح ما بين الأخوين لاما ومصطفى ابو علي

فن وثقافة (:::)
بقلم : بكر السباتين * – الاردن (:::)
إنتاج أول فلم فلسطيني صامت (قبلة في الصحراء) عام 1927
تشكل السينما أهم الجوانب التوثيقية لحياة الشعوب وحقوقهم السياسية.. اعتماداً على الصورة البصرية المباشرة روائية كانت أو تسجيلية  من خلال مواقع التصوير المغلقة أو الساخنة. حيث شكلت عدسة الكاميرا نافذة على الصراعات في العالم ما أودى بحياة الكثيرين من المبدعين الأحرار.. وكان من نصيب القضية الفلسطينية أنها حظيت بموقع الريادة في السينما الروائية والتسجيلية منذ تجربة الأخوين لاما في عشرينيات القرن المنصرم وصولاً إلى السينما التسجيلية والملتزمة التي صنعها رجال حقيقيون ومثقفون سقطوا شهداء لأجل قضيتهم الفلسطينية العادلة، مستذكرين المخرج الفلسطيني هاني جوهرية الذي قضى شهيداً في معركة مباشرة ضد الاحتلال الصهيوني في الحادي عشر من نيسان 1976 في تلال عينطورة في جنوب لبنان. أثناء قيامه بتصوير فيلم عن نضال القوى الوطنية والتقدمية اللبنانية والثورة الفلسطينية ضد القوى الانعزالية..
سنتحدث بداية عن ريادية  التجربة السينمائية الفلسطينية منذ إنتاج أول فلم سينمائي عربي صامت من خلال سيرة حياة الأخوين لاما، ثم نعرج بعدها على التجربة الفلسطينية التسجيلية الملتزمة من خلال سيرة المناضل أبوعلي مصطفى الذي يعتبر المؤسس الفعلي لها.
أولاً: رائدا السينما العربية الفلسطينيان، الأخوان بدر وإبراهيم لاما:
كانت فلسطين ما قبل عام 1948 مهيأة من الناحية الثقافية والاقتصادية والتقنية لأن تشكل البيئة الريادية العربية للثقافة؛ ومنها السينما سواء على صعيد توفر دور العرض ذات المواصفات العالمية والمنتشرة في المدن الفلسطينية التي كانت مزدهرة أو إنتاج الأفلام الروائية.. وذلك منذ مطلع القرن المنصرم  حتى عام 1948م لولا تداعيات نكبة فلسطين التي بدأت ملامحها تتجلى منذ الانتداب البريطاني على فلسطين.. يقول الفنان الفلسطيني المخضرم غسان مطر في شهادته الموثقة بأحد الأفلام الوثائقية للمخرج (رائد دوزدار)الذي تناول فيه السيرة الذاتية للأخوين لاما رائدا السينما العربية:
” لو لم تحدث النكبة لكان لفلسطين دور كبير في صناعة السينما العربية “.
ويشهد التاريخ الموثق على أن أول من أسس شركة للإنتاج السينمائي في الشرق الأوسط هما الأخوان لاما (إبراهيم وبدر عبد الله إبراهيم الأعمى لاما) وهما من أصل فلسطيني، من عائلة الأعمى المسيحية التي تقيم في بيت لحم وهاجر بعض افرداها الى تشيلي بأمريكا الجنوبية في العام 1890 بحثاً عن العمل أو هرباً من سطوة الحكم العثماني. لكن الظروف المادية الجيدة ساعدتهما على العودة إلى الديار الفلسطينية عام 1916.. فأقاما ردحاً من الزمان في بلدهما الأصلي بيت لحم ( ما زال فيها كثير من دار الأعمي)، ثم تحولا إلى مدينة حيفا التي كانت تتمتع ببنية ثقافية ملائمة آنذاك فكانا أول من يحضر أجهزة ومعدات سينمائية إلى العالم العربي؛ سوى أن ظروف فلسطين برمتها وهي تحت الانتداب البريطاني؛ كانت تتأزم فيها الظروف الطاردة لمثل هذا النوع الجديد من الإبداع البصري، ما دعا (الأخوان لاما) للتوجه إلى الإسكندرية؛ حيث كونا فيها ثنائياً ناجحاً، وعملا معاً في الكتابة والتمثيل والإخراج، والعمل على إنتاج أفلام سينمائية مصرية، فأسسا لهذا الغرض شركة “كوندور فيلم” التي كان نشاطها في الإسكندرية، وكان ذلك في نفس الوقت الذي تمكن فيه المخرج التركي (وداد عرفي) من إقناع الفنانة عزيزة أمير في القاهرة بإنتاج فيلم سينمائي مصري، يتولى هو كتابة قصته وإخراجه إضافة إلى قيامه بالبطولة أمامها، ألا وهو فيلم (نداء اللّه)، والذي عرض بعد إجراء بعض التعديلات عليه ومنها تغيير اسمه إلى (ليلى)، في السادس عشر من نوفمبر عام 1927.
لقد تولى إبراهيم تأليف قصة فلم ( قبلة في الصحراء) وتصويرها إلى جانب إخراجها سينمائياً، واكتفى شقيقه بدر ببطولة الفيلم.. صور الفيلم في أستوديو صغير أقيم في فيلا خاصة بمنطقة فيكتوريا بالإسكندرية.
وقد أدى بدر لاما دور شاب بدوي يعشق فتاة أمريكية، لكنه يهرب إلى الصحراء خشية اتهامه بقتل عمه، وهناك في الصحراء يكوِّن عصابة لمهاجمة القوافل، إلى أن تثبت براءته ويعود إلى صديقته في النهاية.
وقد تأثر بدر لاما، في أدائه، بشخصية النجم الأمريكي (رودلف فلنتينو) في فيلمه (ابن الشيخ)، واستمر تأثير هذه الشخصية على أدائه في أعمال الأخوين لاما التالية.
وفي عام 1930 انتقل الأخوان لاما إلى القاهرة، بعد أن اتسعت مشاريعهما السينمائية، وبعد أن قدما فيلمهما الثاني (فاجعة فوق الهرم) عام 1928، بطولة بدر لاما وفاطمة رشدي، وفي القاهرة أسسا أستوديو لاما.
وللعلم، فإن معظم الأفلام التي أخرجها إبراهيم تولى بطولتها شقيقه بدر، حتى بعد زواج بدر من بدرية رأفت التي قاسمته بطولة هذه الأفلام. أما الأفلام التي أخرجها إبراهيم ولم يشارك فيها بدر فهي (وخز الضمير ـ 1931) بطولة آسيا وعبد السلام النابلسي، وفيلم (الضحايا ـ 1931) بطولة بهيجة حافظ،، وتصويرهما فيلم (الهارب) في مدينة بيت لحم عام 1936 الذي يتحدث عن فترة التجنيد الإجباري في الجيش العثماني بمشاركة العديد من شباب المدينة و (ليالي القاهرة ـ 1939) بطولة حسين صدقي ونعمت المليجي. كما قام بدر لاما ببطولة فيلم (رابحة ـ 1947) مع الممثلة كوكا من إخراج نيازي مصطفى.
وقد تنوعت أفلام المخرج إبراهيم لاما، فقدم الأفلام التاريخية مثل (صلاح الدين الأيوبي ـ 1941) و(كيليوبترا ـ 1943)، ولكن لضعف الإمكانيات الإنتاجية لم ترتق هذه الأفلام إلى مستوى الشخصيات التي قدمتها، كما إنه قدم أول فيلم عن حكاية “قيس وليلى” عام 1939، هذا إضافة إلى الأفلام الاجتماعية والكوميدية.
ويعتبر الفنان إبراهيم لاما هو أول من صَور في غابات السودان وكينيا وأحراشها من المصريين، فقد انطلق بكاميراته إلى هناك ليصور فيلميه (الحلقة المفقودة ـ 1948، القافلة تسير ـ 1951)،وقد كتب مقالاً عن مغامراته في الأدغال وبين الوحوش، نشرته مجلة “الكواكب”.
قدم المخرج إبراهيم لاما للسينما المصرية ثلاثين فيلماً خلال أربعة وعشرين عاماً، وعمل مع كبار النجوم آنذاك، مثل فاطمة رشدي، آسيا، ماري كويني، بهيجة حافظ، زكي رستم، أمينة رزق، بديعة مصابني، رجاء عبده، مديحة يسري، ليلى فـوزي، فـــاتـن حــمــامـة، شادية، بالإضافة إلى شقيقه بدر وابنه سمير عبد الله. وقد انتهت حياة إبراهيم لاما نهاية مفجعة، كما يحدث في الأفلام الميلودرامية المصرية، حيث
تعرضت استوديوهات لاما لحريق أتى على كل محتوياتها.. فطالت المخرج إبراهيم لاما الديون وتأزمت حياته؛ ما أدى إلى قتل مطلقته بالرصاص، نتيجة للغيرة والضغوطات النفسية الناجمة عن ظروفه المادية الكارثية ناهيك عن عجزه من ردها إليه، ومن ثم انتحر بنفس المسدس. وهكذا انتهت حياة صاحب أول فيلم روائي مصري.
ثانياً: مؤسس السينما الفلسطينية التسجيلية، مصطفى أبو علي1940 – 2009 ، مخرج سينمائي فلسطيني يعتبره العديدون مؤسس سينما الثورة الفلسطينية إذ شارك بتأسيس وحدة السينما التابعة لقسم التصوير الفوتوغرافي في فتح عام 1968 وكان فيلم لا للحل السلمي الذي شارك بصنعه أول فيلم سينمائي فلسطيني ما بعد النكبة. كان من مؤسسي جماعة السينما الفلسطينية عام 1973 في بيروت كما شغل منصب رئيس مؤسسة السينما الفلسطينية في بيروت ما بين 1971 – 1980. عام 1984 أسس ورئس مؤسسة بيسان للسينما في عمان كما أعاد تأسيس جماعة السينما الفلسطينية في رام الله عام 2004.
عام 1948، إثر مجزرة دير ياسين، لجأ وعائلته إلى بيت جالا حيث أقاموا أسبوعين انتقلوا بعدها إلى بيت لحم وعاشوا فيها حتى عام 1952 حين وجد والده عملا في عمّان، فانتقلوا إليها.
بعد إنهائه دراسته الثانوية توجه عام 1958 إلى بيروت حيث درس موضوع الصحة العامة في الجامعة الأميركية لمدة عام واحد انتقل بعدها إلى السعودية ليعمل في شركة أرامكو، عام 1961 ثم رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد حصوله على منحة لدراسة الهندسة في جامعة (بيركلي) فدرس الموضوع لمدة ثلاث سنوات ونصف؛ لكنه ترك دراسة الهندسة ليلتحق بالمعهد الموسيقي للمحترفين في (سان فرانسيسكو) الذي درس فيه لمدة عام قبل أن يتركه لعدم إمكانيته سداد تكاليف التعليم. عام 1966 حصل على منحة من وزارة الإعلام الأردنية لدراسة السينما في مدرسة لندن لتقنيّات الفيلم في بريطانيا وتخرج منها عام 1967. فعاد إلى الأردن ليعمل في دائرة السينما في وزارة الإعلام الأردنية. وخلال عمله هناك أخرج فيلما بعنوان الحق الفلسطيني إلا أن موضوع الفيلم الحساس منع توزيع الفيلم إذ أن الأردن اعتبر الضفة الغربية جزءا من أراضيه. عام 1967بادرت رائدة السينما الفلسطينية سلاف جاد الله، خريجة المعهد العالي للسينما في القاهرة الى التقاط صور للثورة الفلسطينية خاصة لشهداء الثورة وتحميضها وحفظها في بيتها. عام 1968 وبفضل علاقاتها مع قيادات فتح نجحت بمشاركة مصطفى أبو علي وهاني جوهرية بتأسيس قسم التصوير الفوتوغرافي التابع لحركة فتح وكان مقره في عمان.
كان هدف قسم التصوير الرسمي، كما صاغه أحد قياديي فتح، توثيق الأحداث المتعلقة بالثورة الفلسطينية وتقديم الخدمات للصحافة، وقد اعتبر أنه من المبكر لأوانه البدء بالتصوير السينمائي. رغم ذلك فقد كان مصطفى أبو علي يستعير من مكان عمله كاميرا 16 ملم وأفلام تصوير ليقوم هو وهاني جوهرية بتوثيق الأحداث من اجتماعات ومظاهرات ونشاطات اجتماعية وسياسية، وبذلك بدأت وحدة السينما داخل قسم التصوير وقد أعيد تسمية هذه الوحدة لاحقا بوحدة أفلام فلسطين.
عام 1969 قام مصطفى أبو علي وهاني جوهرية بتصوير مظاهرات الفلسطينيين في الأردن المعارضة لمبادرة (روجرز) وقاما بتسجيل مقابلات مع بعض المتظاهرين ومعارضي المبادرة. بعد تجميع المواد ووضع الإطار العام للفكرة تمت الاستعانة بصلاح أبو هنود في الإخراج. وكانت النتيجة فيلم “لا للحل السلمي” وهو فيلم تسجيلي مدته 20 دقيقة يعتبر أول أفلام الثورة الفلسطينية السينمائية. ينسب هذا الفيلم عادة إلى مصطفى أبو علي إلا أنه في الحقيقة عمل مشترك مع هاني جوهرية وصلاح أبو هنود وآخرون.

عام 1970 جاء إلى الأردن المخرج الفرنسي البارز (جان-لوك غودار) تحت رعاية منظمة فتح لتصوير فيلم بعنوان “حتى النصر” فزار مخيمات اللاجئين وصور فيها، كما التقى بعدد من السينمائيين الفلسطينيين ومن ضمنهم مصطفى أبو علي الذي رافقه وساعده في التصوير. بعد مغادرة (غودار) بعدة أشهر اندلعت أحداث أيلول الأسود ولم يكمل (غودار) فيلمه لكنه استخدم (غودار) هذه المواد لاحقا في فيلمه من هنا وهناك الذي أنتج عام 1976.

خلال أحداث أيلول المؤسفة عام 1970 في الأردن قام الثنائي مصطفى أبو علي وهاني جوهرية بتصوير الأحداث وقد اضطر إثرها العديد ممن كانت لهم علاقة بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى مغادرة الأردن إلى لبنان وكان مصطفى أبو علي من بينهم. بسبب منع السلطات الأردنية الفلسطينيين نقل المواد المصورة من حدودها، قام ياسر عرفات بنفسه بنقل المواد إلى القاهرة حيث عرضت مقاطع منها في قمة جامعة الدول العربية الاستثنائية حول أحداث أيلول سيئة الذكر. وفي عام 1971 قام مصطفى أبو علي باستخدام هذه المواد لإخراج فيلمه “بالروح بالدم”.
في بيروت ساهم بتأسيس جماعة السينما الفلسطينية التي انضمت لمؤسسة الأبحاث الفلسطينية وقد أنتجت هذه المجموعة فيلما واحدا هو مشاهد من الاحتلال في غزة عام 1973 من إخراج مصطفى أبو قبل أن تتفكك الجماعة في ذلك العام. لكن مصطفى أبو علي استمر بالعمل في إطار مؤسسة السينما الفلسطينية التابعة للإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد شغل منصب رئيس هذه المؤسسة حتى عام 1980.
رغم إخراجه الأفلام الوثائقية إلا أنه قرر محاولة إخراج فيلم روائي طويل، وكتب سيناريو لفيلم مستوحى من حياة الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور، واتفق على تمويله مع حكومة الجزائر؛ إلا أن التجربة لم تتم بسبب اعتراض قيادة م.ت.ف. وبعدها أراد تحويل رواية إميل حبيبي “المتشائل” إلى فيلم وكتب له سيناريو والتقى مع إميل حبيبي في تشيكوسلوفاكيا، فعرض عليه السيناريو؛ لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 أوقفت المشروع.
بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982 انتقل إلى سوريا حيث قضى ستة أشهر حتى منحته السلطات الأردنية تأشيرة دخول إلى أراضيها.
في الأردن أسس عام 1984 مؤسسة بيسان للسينما التي شغل رئاسته. وبعد اتفاقيات أوسلو عاد إلى الأراضي الفلسطينية وقام عام 2004 بإعادة تأسيس جماعة السينما الفلسطينية.
توفي يوم الجمعة 30 يوليو 2009 بعد أقل من يوم من خروجه من مستشفى المطلع في القدس، حيث عولج بسبب إصابته بسرطان المريء. وكان المفروض أن يغادر إلى عمّان لإكمال علاجه. تم تشييع جثمانه من مقر وزارة الثقافة برام الله، وتمت الصلاة عليه في مسجد جمال عبد الناصر في البيرة.
1- المراجع: كتاب الفلسطينيون عصاميون في تجربة النماء عبر العالم تأليف بكر السباتين
الرابط: http://www.bakeralsabatean.com/cms/content/view/39/1/
2-جريدة الدستور الأردنية.. الرابط:
http://www.addustour.com/17074/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE
3- الموسوعة الحرة.. الرابط:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%AF%D8%B1_%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7
4-الرابط: http://arz.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85_%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7
5- http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89_%D8%A3%D8%A8%D9%88_%D8%B9%D9%84%D9%8A
6- دنيا الوطن الرابط:
http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2012/04/12/269553.html
7- جريدة الرأي الأردنية الرابط:
http://www.alrai.com/article/688180.html
8- فلم”رواد السينما العرب الأخوان لاما” للمخرج رائد دوزدار.
9- مبدعون فلسطينيون.. الرابط:
https://www.facebook.com/note.php?note_id=20352055633552
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/