مفارقة الكولونياليه”نتنياهو” ومسيرة باريس

آراء حرة (:::)
بقلم : بكر السباتين *) (::)
أتيح لي مشاهدة فلم يتحدث عن جرائم الكيان الإسرائيلي في غزة.. وكان يركز على مشاهد الأطفال الذين تساقطوا مجاناً دون رحمة أو شفقة!! ربما كان المشهد سيمر مرور الكرام لولا الفزعة التضامنية العالمية مع فرنسا في سياق الرد على الهجوم الذي نفذه متشددون إسلاميون ضد صحيفة (شارلي إيبدو ) بسبب نشرها صور مسيئة للرسول.
وكون التركيبة الفسيفسائية في فرنسا لا تحتمل حالة من تبادل ردود الأفعال بين فئات المجتمع وطوائفه ناهيك عن سمعة فرنسا القائمة على الأمن كمدخل رئيس في التنمية الفرنسية المستدامة سياسياً واقتصادياً؛ لجأت القيادة الفرنسية إلى التصدي لتداعيات هذه الحادثة وانعكاساتها على وحدة المجتمع والظهور بمظهر العاقل الذي يتحكم بالنتائج في إطار النموذج المتحضر الذي لا بد لأوروبا من احتذائه؛ بالذهاب إلى الضمير العالمي من خلال هذه المسيرة التي بدورها لم تمنع دول الاتحاد الأوروبي من رفع مستوى التنسيق الأمني بين أعضائه لمحاصرة ظاهرة (الإسلامفوبيا)، وأخذ الأمور بالشبهات دون حساب لشيء سوى مصلحة أوروبا العليا واجتثاث الإرهاب وهدم بنيته، وربما دراسة أسباب تفشيه في عموم القارة العجوز! مع (تجاهل الدور الغربي في صنع هذه الظاهرة عالمياً).
ولعل من أندر المفارقات التي حدثت في سياق هذه المسيرة والتي حاولت فرنسا منعها كي تحقق المسيرة أهدافها المنظورة؛ هو أن المسيرة الضخمة التي تصدرها أهم زعماء العالم تسلل إليها منبوذاً، الأرعن، رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي المجرم ” نتنياهو” الذي ضم نفسه إليها من غير دعوة رسمية؛ ما عرضه لنقد شديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي على صعيد العالم وداخل الكيان الإسرائيلي.
ويبدو أن ما لم يدركه بعد، إرهابي كبير ك(نتنياهو) هو أن العالم قد خرج من سطوة الماكينات الإعلامية الصهيونية العملاقة،  ما جعل الرأي الحر ملكاً لأصحابه، في زمن لم تعد فيه اللغة عائقاً، وباتت الصورة من أهم الوثائق التي يدان المجرم على أساسها.
لذلك لم يأبه نتنياهو بموقف فرنسا ولا بانتقادات دول العالم له حينما تسلل كاللصوص مشاركا في مسيرة خرجت ( لو ترجمت أهدافها على أرض الواقع) لمحاسبة أمثاله من الإرهابيين!! والدم الفلسطيني النازف في غزة ما لبث نازفاً ويلوث أنيابه المكشرة!
ولعل هذا السلوك المتغطرس (من جانب آخر) جاء لكي يثبت فيه المتغطرس (نتنياهو)، للعالم “المتحضر”؛ بأن كيانه هو الوحيد في العالم “الحر”!!!! المشفوع له عنده “قانونيا وسياسياً وأخلاقياً!!” حتى لو أدى به الأمر إلى إبادة الشعب الفلسطيني برمته!! فهو ( كما يبدو) يتحصن بذريعتين تاريخيتيين، أولهما “الهلكوست!!” الذي ما يزال يستغل من قبل الكيان الصهيوني: ثقافياً ومادياً وإعلامياً وسياسياً، على حساب أوروبا وكرامتها؛ ما جعله يسهم أيضاً بفاعلية نافذة في تشكيل الوعي الأوروبي وفق الرؤية الصهيونية إزاء الكيان الإسرائيلي.
وثاني الأمرين هو أكذوبة “العداء للسامية” التي تعتبر السبب الرئيس لاضطهاد اليهود في عموم أوروبا.. وعلى اعتباره أيضاً السبب من وراء حدوث جريمة الإبادة (التي بولغ بحقيقتها) بحق اليهود ( وبعض الشعوب الأوربية) بما يسمى (الهلكوست)!! متناسين أن هذه الجريمة النازية تعرضت لها معظم الشعوب الأوربية بكل فئاتها!!
فالعقل الصهيوني يتعامل مع الوعي الآخر بكل تلقائية خطاب ما بعد الاستعماري(الكوليانية)، الذي وضع مرتكزاته، المفكر الأمريكي من أصل فلسطيني ،إدوارد سعيد والقاضية إلى أن تشكيل المنظومة المعرفية الغربية حول المستَعمَر أساسه علاقات القوة داخل مجتمع الدول الاستعمارية. ومن هذا المنطلق يقوم هذا الخطاب على فكرة أن القوى الاستعمارية قامت بتعريف وتحديد ماهية الدول المستعمرة أي “الآخر” وفقا ً لمنظومتها المعرفية وخدمة لأهدافها الاستعمارية. وبهذا فإن المستعمر عرّف “الآخر” على أنه غير حداثي، غير ديمقراطي، بربري، وإلى ما هنالك من صفات مناقضة لقيمه المجتمعية بغية تبرير الاستعمار.. أي اعتباره عملاً تنويريا ً تجاه السكان الأصليين؛ تبريراً للاستعمار.
من هنا كان سلوك تنياهو يعبر عن هذا المفهوم المتغطرس الذي يخالف حقيقة أنهم (الصهيونية)احتلوا درة المشرق في التحضر والنماء.. ولعل يافا كانت تشكل الرد التاريخي على الأضاليل الصهيونية.. وهي ذات المدينة التي شهدت وقائع الفلم الذي أشرت إليه في مقدمة هذا المقال.. حيث لم تشهد عواصم الدول ” المتحضرة” مسيرات يشارك فيها رؤسائها كالتي شهدتها فرنسا اليوم؛ رداً على جرائم الصهيونية بحق الفلسطينيين!!
__________________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/