الديمقراطية والتعددية

دراسات (:::)
فؤاد الحاج (:::)
تفكير المقهور، تفكير مقهور، والفكرة تتخذ شكل المجتمع الذي تصل إليه، أنها كالكأس، يعطي الماء شكله ولونه، ولأن ذلك كذلك، فلا غرابة أن تكون الديمقراطية في البلدان العربية شيئاً مختلفاً عن الديمقراطية المستوردة، والمرفوضة ليس كلياً. والتعددية في البلدان العربية كذلك غير تعددية الغرب الاستعماري، وغير التعددية الثقافية والحضارية في أستراليا التي فَرضت على سكانها كما فُرض عليها قانون الذم والقدح والكره.
فبعد انهيار الأنظمة الشمولية في ما كان يسمى بالبلدان الاشتراكية، فوجئنا بفقهاء أنظمة الحكام العرب يخرجون علينا بفتاوي جاهزة، تقول أن الديمقراطية موجودة عندنا في كل مكان، وأن شكوى الشعوب العربية لا تعني بالضرورة انعدام الديمقراطية أو فقدانها، بل من ميوعتها واستشرائها، وأن الأنظمة العربية تعمل من أجل تحقيق “النظام العالمي الجديد” حتى من قبل أن يفكر صهاينة الغرب بها! فلدينا والحمد لله انتخابات لمجالس الشعب والبرلمانات ومجالس الأمة، ولدينا مجالس للشورى ، ولدينا صحافة “حرة” تجوع فلا تأكل إلا من أثدائها.
وتأكيداً لذلك وبحسب إحصائياتنا المتواضعة نجد بأنه لدينا وزراء إعلام سبحان الخالق، يستحقون أن نفاخر بهم أمام شعوب الأرض قاطبة، يولون الإعلام حقّه كاملاً دون اعتبار لأي محسوبيات أو توصيات من هذا أو ذاك، ويعملون من أجل توصيل أصواتهم عبر إذاعاتهم المسموعة والمرئية إلى كل أرجاء الأرض وقطبيها الشمالي والجنوبي.
ويضيف التقرير الإحصائي لدينا: لقد اكتشفنا متأخرين ويا لغبائنا، أن التعددية في البلدان العربية أكثر من الهم على القلب، ففي كل بلد عربي عدد من الأحزاب التقدمية وعدد آخر من الأحزاب اليمينية والرجعية، وعدد أكبر من التنظيمات والأحزاب الطائفية، كما يوجد لدينا جمعيات واتحادات طلابية، ومنظمات للشبيبة وللنساء، ولحماية الأطفال، وكذلك للعمال، والفلاحين، وصغار الكسبة وللمهنيين والحرفيين، وأيضاً اتحادات للكتّاب والأدباء والشعراء والصحافيين ونقابات معلمين للخاصة والعامة، والأهم وجود عدد لا يحصى من أجهزة الأمن بمختلف أصنافها وألوانها ومسمياتها للحفاظ على أمن الوطن والمواطن، ومجالس قضاة ومحاكم لا تعرف طريقاً غير تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين لا كبير عندهم ولا صغير الكل سواسية كأسنان المشط.
ويقول التقرير أيضاً: لقد اكتشفنا أننا أحرار، وأن الحريات التي ننعم بها ولا نقدّرها حق قدرها تفيض عن حاجة البلدان النامية ولا يتمتع بها شعب من شعوب العالم، فلدى المواطن العربي الحق في دخول السجن مهما كانت الصحيفة التي كتب فيها للتعبير عن رأيه، والدولة “حفظها الله” تتكفل بطعامه وشرابه وإقامته مجاناً مدى الحياة، وإذا توفي فورثته في مأمن من المطالبة بنفقات استضافته لدى الدولة.
خلاصة القول أن المواطن العربي يعيش في نعم يحسد عليها، وهذه النعم تاج على الرؤوس لا يراه الآخرون الذين لم ينعم الله عليهم بمسؤولين وحاكمين كما في البلدان العربية من ملوك وأمراء وسلاطين ورؤساء منتخبين بنسبة 97 بالمئة يسعون للتسابق من أجل الاعتراف والتطبيع مع (اسرائيل) حفاظاً على كرامة الوطن والمواطن، وإغراقه في كل وسائل الراحة والتكنولوجيا المستوردة لا يهم من أين مصدرها، بناء لقاعدة “النظام العالمي الجديد” (لا تفكر نحن نفكر عنك) بل المهم بالنسبة لهم هو راحة المواطن وعدم إرهاقه في التفكير والاختراعات المتطورة، ومن ثم جلبها لهذا المواطن المقهور الذي يجب أن ينعم بخيرات النفط والثروات الطبيعية وتسخير كل شيء ممكن وغير ممكن كي يبقى هذا المواطن سعيداً وبعيداً عن الهموم السياسية والاقتصادية، نسأله تعالى الإبقاء على هكذا حكام. والشكوى لغير الله!.