الأفكار لا تموت !!!

التصنيف : آراء حرة (:::)
بقلم : د موفق مصطفى السباعي (:::)
حينما كرم الله تعالى الإنسان على سائر المخلوقات المتواجدة على ظهر الأرض .. لم يكرمه لأنه خُلقَ في أحسن تقويم فحسب .. أو لأنه يملك أجهزة عصبية ، وعضلية ، وعظمية فريدة من نوعها .. ولا لأنه المخلوق الناطق الوحيد بين المخلوقات – وليس كما يردد الجاهلون ، والحمقى ، والمغفلون ، أنه الحيوان الناطق ، متغافلين أنه إنسان مكرم ، وإطلاق إسم حيوان عليه ، هو تحقير له ، ومعارضة لكلام الله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ   الإسراء آية 70
وليس أيضاً لأنه يمتلك عقلاً مفكراً ، وذكاءاً خارقاً ، استطاع بواسطتهما ، أن يبتكر ، ويخترع ، أشياء مذهلة على ممر العصور !!!
كل التي ذُكرت آنفاً هي مظاهر ، وعناصر مهمة ، وأساسية ، في تفضيل هذا الكائن البشري عن بقية الكائنات ، ولكن ثمة عنصراً جوهرياً ، وأساسيا ، ومهماً جداً في تفضيل الإنسان ، وتكريمه  ، يغفل عنه أكثر الناس ، ألا وهو :
خاصية الإيمان بفكرة ما ، أو عقيدة ما ، أو دين ما ، أيا كان المصدر الذي أوحى بهذه الفكرة ، أو العقيدة ، أو الدين ، وتعلقه بها ، وتفاعله مع تعليماتها ، وإرشاداتها ، ومبادئها ، ونصائحها ، والسعي الحثيث لتطبيقها في حياته العملية الخاصة ، أو العامة ، ، والدفاع عنها بماله ، وروحه ، وجسده ، والتضحية بكل ما يملك للذود عنها !!!
إن الإيمان بعقيدة ، هو المعيار الحقيقي ، الذي يميز الإنسان عن بقية المخلوقات ، وتزداد قيمة الإنسان سمواً ، وعلواً ، كلما ارتقى في عقيدته نحو السماء ، واستمدها من رب السماء والأرض ، عن طريق الأنبياء ، والرسل الهادين المهديين .. بينما تهبط قيمته ، كلما كانت عقيدته مستمدة من العبيد ، أو من الأساطير ، والخرافات !!!
وتصبح قيمته في الحضيض ، حينما لا يؤمن بأي عقيدة ، وجل اهتماماته ، مركزة على اللهو ، واللعب ، والمتاع الزائل ، واللهاث وراء الملذات الحسية ، والشهوات الجسدية !!!
إن الشخص الذي لا يؤمن بعقيدة ، ولا يسير في حياته ، حسب منهجها ، ولا يكرس حياته ، لخدمتها ، والكفاح ، والنضال ، والجهاد ، لتحقيقها في عالم الواقع ، يخسر شرف لقب الإنسان المكرم ، وتصبح حياته أقرب إلى حياة الأنعام ، الذين ليس لهم هم ، إلا الأكل ، والشراب ، والجري  وراء المتع الحسية ، الغليظة!!!
إن الذي يعتنق عقيدة ، ويؤمن بها ، ويقتنع  بأفكارها ، وتسري بكل قلبه ، وجوارحه ، ويهيم بها حباً ، وعشقاً ، وشغفاً ، ويكرس حياته كلها لخدمتها ، والتضحية في سبيلها ، لا يمكن أن يتخلى عنها ، مهما لاقى في سبيلها ، من عنت ، وعذاب ، وسجن ، واضطهاد ، ونفي ، وتهجير ، وتشريد !!!
والتاريخ حافل بقصص كثيرة ، ومثيرة لمجموعات بشرية كثيرة ، آمنت بعقيدة ، وماتت في سبيلها ، ولم تساوم عليها ، ولم تتنازل عنها ، ولو قيد أنملة !!!
إن الإنسان بفطرته ، وبتكوينه الروحي ، الفكري ، العقلي الفريد من نوعه بين المخلوقات ، مستعد أن يموت في سبيل العقيدة ، التي يؤمن بها ، حتى ولو كانت عقيدة بشرية ، أو أسطورية ، أو خرافية !!!
فأعداد بشرية غير قليلة ، على مدار التاريخ الإنساني ، آمنت بعقائد فاسدة ، باطلة ، ومع ذلك تمسكوا بها ، وثبتوا على دربها ، وقاوموا من أراد إخراجهم منها ، سواء بالتعذيب أو القتل ، وأشهر الأمثلة :
الشيوعيون الذين تعرضوا إلى السجن ، والإعتقال ، والتعذيب في البلاد العربية وفي سواها ، على أيدي الطواغيت والحكام المستبدين !!!
فإنهم بقوا صامدين ، ثابتين على مبادئهم ، غير هيابين ، ولا عابئين بكل صنوف العذاب ، الذي تعرضوا له على مدار الأيام !!!
وبالرغم من سقوط الإتحاد السوفياتي الذي  كان السند الأساسي للفكرة الشيوعية ، وتفككه ، وتمزقه مزقاً ، وزوال الحكم الشيوعي من جميع بلدانه تقريباً ، إلا أن الفكرة الشيوعية لا تزال حية ، وموجودة في أصقاع الدنيا المختلفة ، ولايزال يوجد أناس يؤمنون بها ، ويدافعون عنها ، ويتحملون في سبيلها ، السجن والتعذيب ، والقتل !!!
وحينما يؤمن الإنسان بعقيدة ربانية ، سيكون حينئذ تمسكه بها ، وارتباطه بها ، والموت في سبيلها ، أعظم وأشد ، لأنه يرجو من وراء ذلك ، نعيماً خالداً ، في جنة عرضها السموات والأرض !!!
وما قصة أصحاب الأخدود ببعيدة عنا ، حيث تم قذف جميع المؤمنين بالله الواحد الأحد ، بالأخدود المتأجج بالنار الموقدة ، ولم يتراجع مؤمن واحد ، عن التضحية بنفسه ، والموت في سبيل عقيدته ، رجالاً ونساءً وأطفالاً !!!
وكذلك ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لصهيب ، حينما كان متوسداً بردة في ظل الكعبة ، وجاءه يشكو له ، ما يلاقيه من عذاب :
وَاللَّهِ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَتُحْفَرُ لَهُ الْحُفْرَةُ ، فَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، أَوْ يُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا بَيْنَ عَصَبِهِ وَلَحْمِهِ ، مَا يَصْرِفُهُ عَنْ دِينِهِ   ….
فإذا كانت الفكرة اليهودية ، التي تعرض أتباعها على مدار التاريخ ، من عهد بختنصر ، الذي أباد أعداداً كبيرة منهم ، ومروراً بالقرون الوسطى في أوربا الكنسية ، التي عملت على التخلص من اليهود ، بشتى الطرق ، ووصفتهم بأنهم أنجاس ، أشرار ، وانتهاء بهتلر ، الذي سعى بكل قوته ، إلى إبادتهم بالحرق، والقتل ، ومع هذا لاتزال العقيدة اليهودية موجودة ، وأتباعها هم الآن سادة الدنيا !!!
فكيف بالعقيدة الإسلامية الربانية ،
فأنى للعم سام وأخواته ، وأحزابه ، وشياطينه ، أن يقضوا عليها ، وعلى أتباعها ، أيا كان الإسم الذي يحمله أتباعها ؟؟؟!!!
د. موفق مصطفى السباعي