ليت فرنسا تدعو للتدخل في الجزائر

التصنيف : آراء حرة (:::)
د.سفيان بومدين – الجزائر (:::)
إذا رأينا خريطة انتشار داعش عبر العالم نجد أرض العراق و الشام أولا ثم شمال الجزائر ثانيا, فاليوم صار لداعش على الأقل ذراع ضاربة في هذا البلد حتى لا نقول تنظيم كامل التعريف, و إذا عدنا إلى كرونولوجيا الأحداث في الأشهر الأخيرة نجد أن السبب الرئيسي وراء نشوء التحالف الدولي لمحاربة داعش هو ذبح الرهينتين الأمريكيتين و بث الفيديو على الانترنت.
فماذا لو تطورت الأحداث بعد ذبح الرعية الفرنسي لتجد الجزائر نفسها في مواجهة هذا التحالف؟
لقد استغلت الجزائر في السنوات الخمس الأخيرة مجموعة من الأحداث التي قد أساءت (في ظاهرها) للجزائر و لكن في حقيقة الأمر لم تزد هذا البلد إلا قوة و صلابة, و يمكن تلخيص هذه الأحداث فيما يلي:
1) 2009: النزاع الكروي مع مصر و الذي كاد يتطور إلى ما يشبه القطيعة إن لم نقل الحرب, فقد خرجت الجزائر منتصرة في الأخير من هذا الصراع و ترسخ لدى الرأي العام العربي أولا و الدولي ثانيا أن الجزائر لا تلتفت إلى تفاهات الأمور بل تقوم بما يجب القيام به بعيدا عن ضجة القيل و القال.
2) 2010-2011: انطلاق الربيع العربي الذي كانت تعتبر الجزائر من أولى حلقاته إلا أن المؤامرة لم تكتمل (و لم تنتهي أيضا: أحداث غرداية) و الكل يتذكر انتفاضة الزيت و السكر في مطلع 2011, ثم مظاهرات العاصمة في كل يوم سبت و تهديد الوزير القطري لنضيره الجزائري بأن الدور قادم على الجزائر. لم يتقبل العالم العربي بعد نظرة الجزائر للربيع المزعوم إلا أن لا أحد ينكر أن بلدان هذا الربيع تسعى اليوم لخطب ود الجزائر سياسيا, اقتصاديا و أمنيا.
3) 2011: انهيار النظام الليبي الذي لم يجد دعما آنذاك إلا لدى الجارة الجزائر و التي استمرت في الدفاع عنه حتى النهاية في الوقت الذي كان العالم كله يعد العدة للتدخل في ليبيا فظهرت الجزائر حينها تغرد خارج السرب بدعوتها إلى ضرورة ترك الليبيين ليحلوا مشاكلهم دون تدخل خارجي و التحذير من انفلات الأمور و انتشار السلاح و هاهي اليوم (أي الجزائر) تقود الليبيين المتناحرين إلى طاولة الحوار (الليبي الليبي) رغم الضغوطات الفرنسية المصرية للتدخل في هذا البلد.
4) 2012: التدخل الفرنسي في مالي و الذي لم يكن ليتم لولا الموافقة الضمنية للجزائر التي أعلنت في العلن رفضها للعملية خارج الأطر القانونية (مجلس الأمن) و ها نحن نرى اليوم الماليين يحجون إلى الجزائر لإيجاد حل للأزمة في الشمال المالي لتصبح الجازر اللاعب الرئيسي في مالي.
5) 2013: حادثة تيقنتورين و التي كان المراد منها إدخال الجزائر في حرب مفتوحة مع الجماعات الإرهابية و من ثم إمكانية إخضاعها لمطالب القوى الدولية (أمريكا و فرنسا تحديدا): خرجت الجزائر منتصرة من هذه الحادثة بل و أقوى بكثير مما كانت عليه. لقد كان واضحا لدى جهاز المخابرات الجزائري أن العملية لم تكن إرهابية بل عملية مخابرات نوعية و ناجحة إلى حد بعيد (في بداياتها) و بالتالي كان اختبار حياة أو موت بالنسبة إليها, فكان الرد من الجيش على العملية ليس بالتدخل فقط (دون العودة للقوى الدولية التي كان لها رهائن بتقنتورين) و إنما بتوجيه رسالة مضادة مفادها أن الجزائر لن تكون من اليوم فصاعدا محل مساومة فيما يخص أمنها الداخلي (و أؤكد على الداخلي).
6) 2013-2014: نشوء ظاهرة الإرهاب في تونس, بالتحديد عند الحدود الجزائرية كان الهدف منه ضرب الاستقرار في تونس و من ثم الجزائر, إلا أن التعاون الجزائري التونسي – و الذي لم يتم تحت رعاية أي من القوى الدولية و هذا سبب نجاحه – أفضى في الأخير إلى عزل هذه الجماعات في حدودها الدنيا و يجب التنويه في المقام إلى رجلين اثنين كانا وراء هذا التعاون الغير مسبوق: بوتفليقة و الغنوشي.
تراكم هذه الأحداث خلال السنوات الماضية و حسن التعامل معها, جعل من الجزائر لاعبا إقليميا لا يمكن تجاوزه بل و في كثير من الأحيان يفرض رؤيته على دول كانت إلى وقت قريب تتدخل في الشأن الداخلي الجزائري قبل الشأن الإقليمي فلا تجد من يجادلها, أما اليوم فقد أصبحت كل من تونس و مالي و ليبيا تعتبر حديقة خلفية لا يمكن لأي الاقتراب منها دون العودة إلى الجزائر.
و لا تعدو حادثة اختطاف فذبح الرعية الفرنسي هيرفي غوردال إلا حلقة في مسلسل حلقات الضغط الفرنسي الأمريكي على الجزائر, فالهدف الحقيقي لهذه العملية هو إعطاء الانطباع بأن في هذا البلد أيضا هناك داعش و من ثم تهيئة الأجواء الداخلية و الخارجية لقبول فكرة التدخل الخارجي على غرار سوريا و العراق فلا يعقل أن تحارب فرنسا داعش في العراق و سوريا في حين تفقد رعاياها في الجزائر!!
مثل هذا التطور (أي الدعوة لتدخل خارجي) سيضع الجزائر في اختبار أكبر بكثير مما سبق, و لن يكون الاختبار في هذه المرة خاصا بجهاز المخابرات و الجيش من جهة أو بالدبلوماسية من جهة أخرى, و إنما سيضع الجزائريين عن بكرة أبيهم محل اختبار, دولة و شعبا, سلطة و معارضة, حكام و محكومين, عسكر و مدنيين, نخبة و عامة.
إنني اليوم و إن كنت أخشى على الجزائر مواجهة (دبلوماسية) من هذا النوع إلا أنني أتمنى حدوثها لسببين اثنين:
–          أولا ستكون بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على التصدي و الصمود.
–          ثانيا في حال الخروج منتصرة في هكذا صراع, ستضحي الجزائر صاحبة القول الفصل على أقل تقدير فيما يخص الشمال الإفريقي إن لم نقل إفريقيا و العالم العربي, و هذا ما نتمناه لبلد أعطى و لا يزال يعطي الكثير. فيا ليت فرنسا تدعو للتدخل في الجزائر!
مجرد أماني جزائري… د . سفيان بومدين – الجزائر