المسرح الفلسطيني وتداعيات النكبة والمعاناة الفلسطينية (4)

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : د. كمال أحمد غنيم – غزة – فلسطين المحتلة (:::)
وصور وليد رباح في مسرحية “وثيقة سفر فلسطينية” مأساة اللجوء وفقد الهوية، حيث تناول خيمة اللجوء وقتل الأطفال لأتفه الأسباب، واعتقال الرجال دون مبرر، والمعاقبة على حيازة الأسلحة حتى لو كانت مجرد بندقية صيد، والاضطهاد غير المبرر في المطارات العربية، حيث يُستقبل الأجانب بكل ترحاب، ويُعامل العرب بدرجة أدنى، بل يُعامل الفلسطيني على أنه متهم أو مجرم، ينتظر ساعات في مكتب المخابرات بالمطار، ويُسمح له بنصف الفترة، التي يرغب في مكوثها أو أقل، كما يتابعه المخبرون لحظة بلحظة، ويطلبون اللاجئين في مخيماتهم كشاهد حي على المأساة، دون العمل على معالجة أوضاعهم، أو إزالة مبررات بقائهم على هذا الحال، وتبقى حرية الكلمة جرما مشهودا، فمن المسموح الكلام عن البطولات القديمة أو الخيالية، كعنترة والهلالي وشهرزاد، لكن الحديث عن بطولات القسام جريمة يُعاقب عليها كل الجالسين في المقهى، كما يصور الكاتب تمزق الشعب وتشتته في الخارج، عبر مشهد تحيات الأرض المحتلة من خلال الإذاعة، وتظهر المؤامرة واضحة في مشهد الأمريكي والشيطان، وفي مقابل ذلك يرسم الكاتب ملامح الصمود الماثل في العرس الذي أقامته أم الشهيد، ويتضح الإصرار على مواصلة التضحيات في المشهد الأخير( ).

وقام رياض مصاروة بمسرحة رواية “رجال في الشمس لغسان كنفاني”، التي طرحت مشهدا مأساويا من مآسي الشتات الفلسطيني، الباحث عن لقمة العيش في ظروف موضوعية مقلوبة، فرجال الشمس “أبو قيس، وأسعد، ومروان”، أُجبروا على ترك الوطن، ليعيشوا ظروف المأساة، وكان البحث عن الحل في الاتجاه الآخر، بالهجرة بعيدا عن الوطن، عبر صحراء حارقة مشمسة، في ظل غياب بطاقة الهوية، أو التصريح الخاص، فكان لا بد من المغامرة بالصعود إلى خزان المياه، واختراق الصحراء للوصول إلى بلاد الخليج، رغبة في العمل فيها، وعلى الحاجز يحاول السائق أن يبتعد بالسيارة بسرعة عن الحاجز وأعين الجنود و روتين التفتيش والمنع، لكن الجنود العابثين يشغلونه بسخريتهم ودعاباتاهم، ويتأخر عن الرجال، لينضج الرجال في فرن الخزان، وعندما تتاح له الفرصة، وينطلق بهم بعيدا، لا يسمع لهم صوتا، ولا يرى لهم حركة، ويخرجهم جثثا ميتة، ماتوا بصمت، ولم يطرقوا الخزان، فربما كان المنع والأسر أهون من الموت، أو ربما كان الموت بشكل علني أكثر بلاغة، وأقوى حجة من الموت الصامت، القابع في خزانات التعتيم( ).

ورسم حكم بلعاوي في مسرحية “المستحيل” صورة أخرى من معاناة الشعب الفلسطيني في الشتات، فأبو حماد وأسرته يغادرون أرضهم وحقولهم وبيوتهم، ليسكنوا الكهوف والخيام، ويلبسوا أسمال الثياب، في ظروف حياتية أشبه بالمستحيل، وتتوالى مصائب النزوح بموت أبي حماد الذي لم يستطع تحمل الكارثة، ويُصاب الطفل مرزوق بسعال عنيف، يقود خطاه تدريجيا إلى الموت، ويجتمع بقية الأخوة على قرار المواجهة والتضحية، بدلا من انتظار الموت المجاني، الذي يحصد الأرواح حصدا، وتتجمع الجهود لمواصلة النضال، وتستمر قافلة الحزن باستشهاد الشاب “صادق”، وإصرار الجميع على المواصلة والمقاومة وتحقيق المستحيل( ).

ولجأ الكتاب إلى تصوير أشكال معاناة الأهل في الأرض المحتلة عام 1948، بما في ظروفهم من خصوصية، ومن ذلك مسرحية “أم الروبابيكا هند الباقية في وادي النسناس” لإميل حبيبي، التي كتبها عام 1992، معتمدا على قصتين قصيرتين من تأليفه، والمسرحية عبارة عن مونودراما تقوم بها ممثلة واحدة، وتحكي عن مأساة امرأة في أواخر الشباب، رفضت النزوح إلى لبنان مع زوجها وأولادها في نكبة عام 1948، وبقيت في بيت العائلة في وادي النسناس في حيفا، فظن الناس بها الظنون، فمنهم من قال أنها مجنونة، ومنهم من قال أنها عاشقة خائنة لزوجها، إلا أنها حافظت على كرامتها بما كانت تبيعه من فراش ولُحف، وما وقعت عليه يداها من متاع عربي سائب أو منهوب، كانت تشتريه وتحسّنه وتبيعه، بعد أن تحتفظ بكنوزها، التي تلقاها مخفية في طيات الفراش من قلادات، وأساور، ورسائل حب أول من فتيان رحلوا مع أهلهم، منتظرة عودتهم في يوم ما حتى ترد الأمانات إليهم.

وقد عاد العديد من أهل وادي النسناس النازحين منذ العام 1967، يزورون بلادهم ويطوفون في شوارعها وأزقتها، يفتشون عن بيوتهم القديمة، فيجدون الغرباء قد سكنوا فيها، يطرقون الأبواب، ويطلبون جرعة ماء، ثم يمضون عائدين إلى ديار الغربة إلا بيت هند، التي انتظرت أهلها عشرين عاما، لكنهم لم يطرقوا باب بيتها، لأنه مفتوح لاستقبال الشباب الباقين في وادي النسناس، الذين فسروا معاملتها الحسنة، ورعايتها للسجناء منهم بظن السوء، فصاروا يسمونها “أم الروبابيكا”، أي بائعة الأثاث القديم، بدلا من لقب “ملكة الوادي غير المتوجة”، الذي كانوا يطلقونه عليها.

وتكشف هند عن حب قديم وشريف بينها وبين أحد المقيمين، إلا أنها لم تبح له بذلك، وظن بها كغيره الظنون، ولم يعد يزورها، كما تكشف عن عشق للوطن وتعلق به، وانتظار الفرج الذي طال غيابه، وانكشف عن زيارات عابرة متوجسة، ويعبر حديثها عن عتاب مرير للنازحين والمقيمين على حد سواء، وتختتم الحديث بالإصرار على البقاء، رغم كل الظنون والاتهامات، في الوطن والتعلق به، وانتظار النصر القادم على يدي ولدها الشاطر حسن هو الخلاص من المعاناة، ومن غربة الإنسان داخل الوطن( ).

وقد عبر إميل حبيبي في مسرحية “لكع بن لكع” عن معاناة الفلسطيني في الداخل والخارج، فقد روى من خلالها حكاية النزوح الفلسطيني من عام 1948 حتى أواخر السبعينات، ومر خلالها بأحداث الأردن، ولبنان، ومعاهدة كامب ديفيد، ضمن قيود مسرحية خاصة به، وهو يهدي عمله إلى حنين وفرح، حتى يكون اللقاء بينهما فرحا، والأول هو الفلسطيني تحت الاحتلال، والثاني هو الفلسطيني عبر الحدود، وبطلة الفصل الأول هي “بدور” الأرض والقضية، وبطل الفصل الثاني هو “بدر” الإنسان الفلسطيني الرافض للمساومة، المتمسك بأرضه، وبطل الفصل الثالث هو “المهرج”، رمز الإنسان العربي الرازح تحت سطوة الحكم الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1948، بالإضافة إلى شخصيات أخرى ترمز لليهودي والحكام العرب والشعوب العربية، ليصور من خلال ذلك كله ثلاثة عقود من التحول السياسي العنيف، والمعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال، والضربات المتوالية، التي اكتوى بنارها من مأساة كفر قاسم حتى زيارة السادات للقدس وما تلاها( ).

كما جسّد سليم خوري في مسرحية “الجن والإنس” معاناة الفلسطيني الباقي في الأراضي المحتلة عام 1948، من التفرقة العنصرية الحادة التي يمارسها الاحتلال ضده، ذلك أنه يعتبر نفسه من أفضل طبقات الكائنات، مستغلا إجراء الصراع الرمزي بين الإنس الضعفاء الذين يمثلون العربي في البلاد، والجن الأقوياء الذين يمثلون اليهود الحاكمين، الذين يقومون بأبشع الجرائم، ويلبسون ثياب البراءة والوداعة، ولا يترددون في قتل كل معارض في صفوفهم لأساليبهم الوحشية، أو لآرائهم العنصرية، وتتضح هذه الحقائق من خلال الحوار، الذي يبدأ به المسرحية بين عنصرين من عناصر الجن هما سحر والوزير شمرش، لكن سحر على الرغم من اقتناعها بهذه الأفكار تقوم بالمهمة التي كُلفت بها، وهى استدراج الشاعر وائل ليكون وسيطا بين الإنس والجن، فينشر بين الإنس ما يريده الجن من أفكار، أو أوهام، مقابل أن يرفعوا عنه الهم بإزالة “البلغمة” في كتفه، التي تمثل الهم الإنساني اليومي، بما يعني إغراءه بحل مشاكله، وإغداق المال والجمال عليه، وغير ذلك من المغريات، ثم يصبح بعد ذلك مجرد أداة، لإسقاط ما يستطيع من الإنس لصالح الجن، ويحظى الشاعر وائل بإعجاب ملك الجن لأنه يضيف كلمات مناسبة إلى الأغنية الوطنية للجن، مما يعجّل في عملية إزالة “البلغمة” من كتفه، ويأمره الملك بترديد الأغنية بين الإنس، ويفسر الأمر لسحر بعد ذلك على أنه إشعار للإنس بقوة الجن وجبروتهم، حتى ينزاحوا من طريق الجن، وبالتالي ينتشر الجن في الأرض.

وفي المقابل يقف الوزير شمهور في وجه التمييز العنصري بين الجن والإنس، ويصدر مشروعه في كيفية التفاهم مع الإنس، ويستدعيه الملك، ليخبره أن ذلك يتعارض مع العهد السري الذي لا يُؤتمن عليه غير الملك، وأن تدخل شمهور سيعرقل سيطرة الجن، التي تتضح من خضوع أمثال الشاعر وائل، لكن شمهور يشير إلى التطور الحاصل في العالم، مما يقود إلى ضرورة التفاهم بين الإنس والجن، وأنه إذا كان الشاعر وائل وبعض الإنس قد استجابوا لتخطيط ملك الجن، فذلك لا يعني أن الإنس كلهم سيسيرون على النهج نفسه، وعندما يرى الملك إصرار شمهور يحتال للأمر بالتسويف، ويعلن كاذبا عن احترامه لمشروعه حتى يكسب الوقت ويستطيع التصرف، ثم يأمر الوزير شمرش بقتل شمهور كما قتل قبل ذلك مدير الدائرة السرية الذي كان يحفظ العهد السري الذي لا يطلع عليه الآن أحد سوى الملك.

ويتم تنفيذ الأمر، ويُقتل شمهور، لكن جماعته يثيرون الشكوك حول مقتله، ويطالبون بخلع ثياب الجن، وإلقاء الأسلحة، والتزيي بزي الناس، بل يقومون بمظاهرات تطالب بذلك، يرفعون الشعارات التي تتساءل عن حقيقة مقتل شمهور، معلنين أن مشروعه سيبقى، ويحاول الملك استرضاءهم، فينصرف بعضهم، لكن تبقى جماعة ترفع شعار الملل من الوعود الكاذبة، مما يضطره في النهاية إلى تفريقهم بالقوة، لتنكشف التطورات الجديدة عن تصاعد القناعات بعدم التفرقة بين الإنس والجن.

وتتصاعد شكوك الملك فيمن حوله، ويصبح هدفه القادم الوزير دهموش، فيقيم حفلة للجن حتى يفتح الصندوق الأصغر، الذي يظل ماثلا على خشبة المسرح من بداية المسرحية، وإذا به صندوق مليء بالجماجم، يوزعها الملك عليهم، معلنا أن هذا هو مصير كل من يخون.
ويحضر الشاعر وائل ومعه صديقه خليل حتى يخلصه من “بلغمته”، لكن خليل يسيء الإضافة إلى الأغنية الوطنية للجن، فيذكر شطرا بقافية مخالفة، مما يثير حنق الجن وملكهم عليه، ويأمر بوضع بلغمة وائل على كتفه بالإضافة إلى بلغمته، ويحاول وائل أن يعترض، بأن ذلك يسيء إلى مهمته وسط إخوانه الإنس، لكن الملك المغرور لا يهتم به، لأنه يحتقر الإنس كافة.

وتقف سحر في وجهه لأول مرة بعد أن أدركت الجرائم التي يرتكبها الملك في حق الجن كما يرتكبها في حق الإنس، ويأمرها الملك بالخروج، لكن الجن تطلب منه أن يأمرهم بقتلها، فتقول هي موضحة حقيقة الملك أنه يريد بالفعل قتلها، لكنه سيقتلها في الخفاء كما قتل غيرها من الجن، وأن عنصريته ضد الإنس قلبته سفاحا يدمر الإنس والجن معا، وتخرج، بينما يصر وائل على إعادة بلغمته إليه لا إلى خليل، لكن الملك يطرده، بينما ترتفع أصوات الاحتجاج على حكم الملك في الخارج، ويحاول الملك تجاوز هذه الأصوات، فيأمر الجن بمواصلة غناء أغنيتهم الوطنية( ).

وصور أدمون شحادة في مسرحية “القديسة” معاناة الجماهير العربية داخل الأرض المحتلة عام 1948، التي أصبحت تعامل معاملة الأقلية في وطنها، وتحاكم بناء على قوانين بعيدة عن ثقافتها وتقاليدها، رغبة في طمس هويتها وحريتها.
وقد ألبس المسرحية ثوبا تراثيا أسطوريا شفافا، فالسيدة إخلاص زوجة القائد مراد الملقبة بالقديسة، يغيب زوجها مراد عامر بعد خروجه للحرب عشر سنوات، وتبقى مخلصة له، وتحظى بحب الجماهير لها ولزوجها البطل، لكن الحاكم الغريب عن المدينة كان قد أصدر قرارا بأن كل امرأة في المدينة لا بد أن تعمل على الإنجاب باستمرار، وأن الحد الأقصى بين الإنجاب السابق واللاحق هو عشر سنوات، وبالتالي فإن النساء الأرامل أو اللواتي فقدن أزواجهن محكوم عليهن بالزواج، رغبة في تعويض القتلى الذين سقطوا في الحرب.

وبما أن القديسة قد بلغ ولدها السنة العاشرة من عمره، فإن ذلك يعني وقوعها تحت طائلة القانون، ويحاول بهاء وكيل أعمالها أن يحل مشكلتها، بعرض الزواج عليها، مستغلا الواقع الجديد وإحساسه بالضعف البشري الذي كان ينتابها وتمنعه في اللحظة الأخيرة، لكن القديسة ترفض هذا العرض على الرغم من اعترافها بضعفها البشري وقدرتها على مواجهته في اللحظة الأخيرة وفاء لزوجها القائد، الذي وعدته بالانتظار حتى الموت، وتضطر القديسة إلى مواجهة الحاكم وقراراته الظالمة بنفسها، ويحاول الحاكم و وزيره الضغط عليها، والإيعاز لها بأنهم سيحاكمون زوجها غيابياً، وإصدار الحكم عليه بالخيانة، ثم يعرض الحاكم عليها الزواج منه، لكنها تحت هذا الضغط تناور، وتوافق على الزواج لكن من وكيل أعمالها بهاء.

وفي هذه الأثناء يدخل من باب المدينة رجل حطاب يساعده جابر بائع شراب السوس يحمل أخبارا عن القائد مراد وكيف جرح وعالجته فتاة اسمها “زهرة العلى”، وأنها طلبت من قومها أن يبقوه لها لتتزوج منه، ورفض مراد، لكنه اضطر لقبول شرطها بدلا من السجن، مقابل شرط فرضه على الفتاة، هو أن تتركه بعد عشر سنوات، لأن القانون يجبر زوجته الحبيبة على الزواج إذا تأخر عنها أكثر من ذلك، ويدرك جابر أن الحطاب هو مراد، وقد عاد لينقذ زوجته، ويعرف مراد منه مجريات الكثير مما حدث في غيابه، وكيف قام الناس برفض تجنيد أبنائهم إجباريا في جيش الحاكم، وما قام به الأخير من أشكال القمع ليفرض رأيه، والدور الذي لعبته القديسة في تخفيف العقاب على قومها، لكن الشباب -ومنهم ابن جابر- لم يسلموا من بطش الحاكم، فالكثيرون منهم سُجنوا، والكثيرون ممن عُذبوا أُصيبوا بالجنون. ويمكث مراد عند الحطاب جزءا من الليل، حتى يجهز نفسه لملاقاة زوجته، والإعلان عن عودته، بعد أن علم بتطور الأحداث معها.