التصنينف : فضاءات عربية (:::)
بقلم : بكر السباتين * (::::)
بين أبنائه من صلبه, ومريديه من أتباعه المخلصين من أمثال أبو الحسن الشاذلي (التونسي), وأحمد الغماري المغربي), جد بعض عشائر قرية الدوايمه الفلسطينية)
إذ نستذكر سيرة هذا الشيخ الجليل الذي تصدى للفتن في بلاد المغرب في زمن سادته الفرقة وتفشت بين فئاته الصراعات الدامية.. وما أشبه اليوم بالماضي, فلم يقف إبن مشيش مكتوف اليدين إزاء الفتن التي تفشت في البلاد.. ونزل عن منصة الخطابة كي يفعل شيئاً من أجل التصدي لمثيري الوقيعة والفتن بين الطوائف الإسلامية المختلفة.. من شيعة وسنه.. فما أحوجنا اليوم لأمثاله؛ فمن هو إبن مشيش!!؟
* دولة الأدارسة:
فتحت المغرب على يد إدريس بن عبد الله ابن الحسن المثنى بن الحسن بن علي، وأسس دولة الأدارسة العلوية في المغرب عام 754م وجعل كل سكان المغرب الأقصى مسلمين، فيما نشر اللغة العربية في ربوعهم. وقد تلا حكم الأدارسة سلسلة من الدول التي يحمل جلّها المذهب الشيعي، ومنها:الرستميون وهم من الخوارج، ثم الأغالبة السنيون، وجاء على أنقاض دولتهم الزيريون الفاطميون، فقضى عليهم أبناء عمومتهم الفاطميين بنو حماد، وجاء بعدهم المرابطون، وحل محلهم بعد ذلك الموحدون.
حكم الموحّدون المغربَ في الفترة ما بين عام ( 1147 – 1269م )، وهم سلالة مغربية سنية، أسس دولتهم المهدي ابن تومرت على أنقاض دولة المرابطين.
*مولد إبن مشيش
وهي الفترة ذاتها التي ولد فيها ابن مشيش وترعرع ونشأ في ظل حكم الموحدين البربر، القائم على مذهب التوحيد الذي دعا إليه محمد بن تومرت المتوفى سنة 1130م، وكان يلقب بالمهدي، حيث قاد ثورة إصلاحية لإقرار الإسلام الصحيح ( في نظره) الخالي من كل آثار الوثنية، والمنسجم مع المذهب الأشعري القائم على أهل السنة والجماعة والحديث.. وكان يتأسى هذا المذهب بالرسول.
ولد عبد السلام بن مشيش في أجواء هذه البيئة التي كثر فيها الجدل.. وهي آخر مراحل حكم الموحدين.. إذ نشطت الصوفية، وعمت البدع البلاد، واحتدم الصراع المذهبي – وخاصة بين السنة والشيعة- ثم برز في هذه المرحلة العلامة الإمام المجاهد القطب الشريف عبد السلام إبن مشيش
* نسبه إلى آل البيت
( عبد السلام بن أبي بكر بن حرصة بن عيسى بن سالم بن جعفر بن علي بن العمد بن عبدالله بن الأصفر بن عبدالله بن إدريس الأكبر بن عبدالله بن كامل بن الحسن بن علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه- ابن عم الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم- وزوج ابنته الزهراء فاطمة أم الحسن والحسين – رضي الله عنهم -). تتلمذ على يد الغوث أبي مدين.
وبذلك يكون ابن مشيش من الأشراف؛ نظراً لانتسابه لآل الحسن بن علي – رضي الله عنه- وقد قال فيهم في كتاب صلوات إبن مشيش:
“يا ربّ صلِّ على الموصوف بالكرم محـــمد وعلى آل أولــي الهمم”
**********************************************************
*إبن مشيش يتصدى لمثيري الفتن
شهدت المغرب في آخر حكم الموحدين صراعاً داخلياً. فبعد موت السلطان أبو يعقوب يوسف عام1224م، نشب صراع دامي بين الورثة الشرعيين للبلاد؛ فنصب أبو محمد الواحد عام 1224م والذي ما لبث أن خلع ليحل محله السلطان العادل أبو عبد الله محمد في نفس العام، فازداد الوضع فساداً وظلماً وجهلاً طال حتى السلاطين؛ إذْ انبرى ابن مشيش يحاجج خصومه من مثيري القلاقل والفتن( كما جاء في الغصن الرطب النضير)، بكل ما أوتي من علم غزير، ومنطق محكم غير مراوغ. بداية ضاق إبن مشيش ذرعاً بخصومه وترك الأمر للسلاطين.. ثم نأى بنفسه إلى عزلة اختيارية في الجبال، متخذاً لنفسه كهفاً نائياً استغله للعبادة منقطعاً فيه عن الناس، وكان لا يزوره في خلوته تلك سوى أبنائه من صلبه ومريديه الذين كانوا يتلقون العلم على يديه..
ولكن الحال في بلاد المغرب قد ساء جداً فلم يعد يطاق بالنسبة للشيخ الإمام إبن مشيش؛ إذ تناهى إلى سمعه ما يروجه كثير من الضالين الغاوين في أنهم يتلقون الوحي، وإعلانهم بالتالي النبوة؛ الأمر الذي شجع ضعاف النفوس والجهلاء لاتباعهم، فيما انشغل العلماء في صراعهم المذهبي.
وتحت إلحاح تلاميذه شمّر الشيخ ابن مشيش عن ساعديه.. وهبط عن الجبل.. يناجز الضالين ويقارعهم بما أوتي من علم وحنكة وحجة يعززها فقه عميق وعقل مستنير؛ ناهيك عن شخصيته الوديعة الحسنة القبول، وابتسامته التي لا تفارق محياه.
فأخذ عليهم إبن مشيش بالمنطق والحجة، داحضاً كل ما ادّعوه ومضيّقاً عليهم الخناق..
كان يعلم إبن مشيش أن البلاد تفتقر للأمان، لانشغال السلاطين في صراعاتهم الداخلية، والعلماءِ في صراعاتهم المذهبية؛ فأحكم خصومه المتربصين به تطويقه، وترصدوا له بعد أن ضيّق عليهم الخناق بين الناس وعزلهم عنهم؛ فاغتاله أبو الطواجن الكتامي الساحر المدعي النبوة عام 662هجري(كما جاء في الغصن الرطب النضير) عام 1225م( كما جاء في المنجد)، ودفن في جبل العلم قرب مدان وعلى بعد مئة كيلو متر شمال مدينة فاس. ويتوزع دم إبن مشيش بين الجهة المنفذة للإغتيال (مدّعي النبوة) ؛ وبعض الفرق المذهبية المتخاصمة من جهة أخرى، بدوافعها الغير مباشرة؛ فجاء هدْرُ دمه كتصفية حساب مذهبي،أو نتيجة فتنة تفشت بين الناس وفتكت بالكثيرين، فخرجت من ثوبها الدعوات المشبوهة، التي تصدى لها إبن مشيش كفقيه اعتمد في محاججة موقديها على القرآن والسنة. وكان مصير دولة الموحدين البربر بعد إبن مشيش إلى زوال على يد المنصور أبو يوسف المريني عام 1286م.
******************************************
*طريقة إبن مشيش الصوفية بين التأثر والإنتشار
وقد عُرف من تلامذة ابن مشيش ممن حملوا رسالته وساروا على دربه، أبو الحسن الشاذلي، من قرية شاذلة في تونس، والذي قضى حياته في غمارة في المغرب ليتلقى العلم من إبن مشيش ثم انتقل إلى بلده تونس فغادرها بعد ذلك للإسكندرية، حاملاً معه طريقته الشاذلية التي تلقاها عن ابن مشيش، وخلفه في ذلك أبو العباس المرسي.
كذلك أحمد الغماري الذي نشر طريقته في بلاد الشام.
وكان ابن مشيش قد تأثر جوهرياً بالفيلسوف المتصوف أبو حامد الغزالي صاحب كتاب تهافت الفلاسفة، وتأثر بخلاصة تلك المسجالات الفلسفية الخالدة التي تضمنتها بطون الكتب بين الإمام الغزالي وابن رشد على أثر رد الأخير على كتاب الغزالي بكتاب ” تهافت التهافت” ناقداً في بعض فصوله إقبال الغزالي للصوفية على حساب إرثه الفلسفي. ويعتبر إبن مشيش من أقطاب الصوفية الأربعة. ولإبن مشيش كتاب ” صلوات إبن مشيش” الشهيرة التي طبعت في الأستانة سنة 1840م (كما جاء بالمنجد في اللغة والأعلام).
____________________________________________________________________
*أشهر تلامذة وأتباع إبن مشيش
(أبو الحسن الشاذلي وأحمد الغماري)
أتفق كثيراً مع الباحث عبد المغيث محمد مصطفى البصير في كتابه عن إبن مشيش إلى أن أبناء الشيخ إبن مشيش كانوا يعدّون بالعشرات.. وكثيراً ما كان يختلط الأمر على زوار الشيخ القادمين إليه من نواحي المغرب العربي.. ولشدة الالتباس في ذلك.. وبدافع محبتهم للشيخ ومريديه؛ ابتكروا طريقة يميزون بواسطتها بين المقربين من ابن مشيش.. فأبناء الشيخ من صلبه كان يناديهم الزوار بأبيهم إبن مشيش،وهم سيدي محمد أبو عبد الكريم، وأحمد الأول جد شرفاء أولاد الطريبق في المغرب، وسيدي عبد الصمد جد أولاد ادريس والشنتوف،كما جاء في كتاب الغصن الرطب النضير فيما كانوا ينادون مريدي الشيخ إبن مشيش بأسماء المدن والقرى التي قدموا منها، وسأضيف مثالاً على ذلك:
1- الشيخ أبو الحسن الشاذلي، فهو ليس من أبناء الشيخ إبن مشيش كما يشاع عنه أحياناً، لأنه مثبت في كتب التاريخ بأنه من قرية شاذلة التونسية، وهو صاحب الطريقة الشاذلية التي خرجت من روح طريقة أبيه الروحي إبن مشيش؛ ودرءً للإلتباس بين زوار الشيخ، فقد نسب أبو الحسن إلى قريته، فنودي بأبي الحسن الشاذلي.
2- الشيخ أحمد الغماري نسب لمدينته، لأنه أيضاً ليس من صلب الشيخ ابن مشيش. (ومن الطبيعي أن لا يقبل الشيخان بأن ينسبا لغير أبيهما.. فيخالفان بذلك شرع الله)..
تناها إلى مسامع الشيخ أحمد الغماري نبأ مقتل الإمام إبن مشيش بينما كان في طريقه إلى بيت المقدس قادماً من أرض الحجاز ليقدس حجته، ويمكن تصور واستنتاج مشاعر أحمد الغماري وهو في غربته إزاء مقتل مولاه الشيخ إبن مشيش على النحو الآتي:
(إذ تفطر قلبه كمداً على شيخه الذي لاقى ربه شهيداً. وتساءل!!. هل يعود إلى المغرب وهي تعج بأعداء الشيخ إبن مشيش ومريديه؟!! أم يحط رحاله إلى جوار بيت المقدس، فيقيم هناك!.
ولا شك أنه تحرى واستقصى أمر نفسه، فوجد بأنه من الأفضل له ترك المغرب؛ إذ ليس له فيها مقام يطيب بعد استشهاد مولاه، فهل سيرثه كأبنائه الذين من صلبه؟! أم عليه واجب التعهد بأهله من بعده؟!.
وكأنه قرر أمراً في باطنه في أن يستقرّ مقاماً في بيت المقدس، فذلك أنفع أجراً كلما صلى في أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، وهي فرصته السانحة لنشر طريقة الشيخ إبن مشيش وصلواته بين الناس في بلاد الشام؛ حيث أطبقت شهرتها الآفاق هناك).
خضعت مصر وبلاد الشام إبان وجود أحمد الغماري في بيت المقدس لحكم الأيوبيين ما بين 1171- 1250م، فانهمك المسلمون آنذاك بمناجزة الصليبيين الذين غزوا ديار الإسلام وبيت المقدس في حملتهم الصليبية السادسة.
وفي العام 1228- 1229م استطاع فريدريك الثاني الإمبراطور الجرماني استعادة القدس والناصرة عن طريق المفاوضات واستمر احتلالهم لبيت المقدس حتى عام 1291م حتى طردوا منه على يد المماليك.. وأثناء حكم الصليبيين لبيت المقدس كان يشعر أحمد الغماري بالضيق وعدم الارتياح.. وربما قارع الصليبيين مع المجاهدين اقتداءً بشيخه ابن مشيش! بدليل أنه استقبل في قرية الظاهرية قضاء مدينة الخليل، التي إلجتأ اليها استقبال الأبطال. ويوجد واد في الظاهرية يطلق عليه واد الغماري، وقيل أن أهل الظاهرية منحوه هذا الواد تقديراً لعلمه وصوفيته ومواقفه البطولية؛ فأطلقوا عليه اسمه؛ حيث دفن هناك عند وفاته، وشيد له مقام عرف بمقام الغماري.
_______________________________________________________________
* الحلقة المفقودة وإزالة اللبس
( بين أحمد الغماري وحفيده عبد الدايم والد الشيخ علي)
لا أحد ينكر الحقيقة التاريخية التي تشير إلى أن عبد الدايم بن أحمد الغماري قتل على يد العثمانيين، وهذا ما تؤكده جميع الروايات الشفوية (الغير مثبتة؛ لما يشوبها من الأساطير الدارجة عند أهل قرية الدوايمة)، ورغم ذلك اعتمدها جميعُ الباحثين.. مما يعني أن عبد الدايم كان يعيش في زمن الحكم التركي الذي دخل بلاد الشام عام 1516م خلال القرن السادس عشر الميلادي، وهذا لا يتعارض مع الروايات الشفوية التي تشير إلى أن عبد الدايم فعلاً عاش في هذا القرن.
وهذا بدوره يرغمنا على المباعدة بين الزمن الذي عاش فيه أحمد الغماري من جهة؛ وزمن ابنه عبد الدايم من جهة أخرى، ويمكن تقدير ذلك بمسافة زمنية تقترب من الثلاثة قرون.. فالمراجع تؤكد دون أدنى شك بأن الغماري عاش في القرن الثالث عشر؛ فكيف بنا إذن نغطي هذا القطع الكبير، الذي أحْدِثَ بسلسلة النسب التي تربط عبد الدايم، بجده الأول الغماري ؟!!!!!!!
إذن فعبد الدايم سيحتاج إلى سبعة أجدادٍ على الأقل حتى يتصل بجده الأول أحمد الغماري!!!.. بما يقارب الثلاثمئة عاماً.. وكان الغماري مستقراً حينذاك في الظاهرية. ويبدو أن سلالة الغماري قد نشأت وترعرعت في الظاهرية مستمرةً حتى القرن السادس عشر؛ إلى أن غادرها الشيخ علي بن عبد الدايم حفيد الغماري؛ إذ جاء في كتاب قرية الدوايمة لأحمد العداربة نقلاً عن رواية شفوية للحاج عبد المجيد أحمد الحاج:
” بأنه جرت العادة أن تجمع الدولة العثمانية الخراج من فلاحي منطقة الخليل، وجاء موسم الجفاف وهذا أثقل كاهل الفلاحين مما دفعهم إلى التذمر لعدم قدرتهم على دفع الخراج، ووضع وجهاء القرى ثقتهم بالشيخ عبد الدايم ليوضح للدولة عدم قدرتهم على دفع الضرائب ذلك العام، واعتبر الحاكم هذا الأمر تمرداً على أمر الدولة وخرقاً للقانون، فأخبر عبد الدايم العبد الذي يرافقه بأن الحاكم سوف يعدمه، وعليه أن يمنع الكلب من الوصول إلى رأسه، فقال له العبد: فلماذا لا تهرب؟ فرد عليه: هذه مشيئة الله “.
وعندما وصل عبد الدايم إلى القدس إعتقله الحاكم ووضعه في سجن القشلة، وبعد ذلك قطع رأسه بالسيف،” وحاول الكلب الاقتراب من الجثة، ولكن بقدرة الهية نطق الرأس ونهر الكلب” حسب ما جاء في الرواية الشفوية لأبناء القرية، وعندما شاهد الحاضرون ذلك، تأكدوا من أن عبد الدايم قتل ظلماً، فأقاموا قبرين، واحداً للجثة و آخراً للرأس، ويقال أن العبد هرب إلى عين الديوك في أريحا، والقبران موجودان حتى يومنا هذا في باب الخليل.
كان ذلك في زمن الحكم التركي الذي ساد البلاد عام 1516 أي خلال القرن السادس عشر، وهذا يتفق مع الرواية الشفوية المعتمدة كمصدر وحيد لهذه المعلومات .. مما سيتفق أيضاً مع حقيقة وجود قطع في سلسلة النسب بين عبد الدايم .. وجده الأول أحمد الغماري..
ولا يستطيع كائن من كان أن يبرز وثائق تغطي هذا القطع إلا بالتزوير.. رحم الله إبن مشيش وأتباع طريقته الصوفية من المخلصين لها.. الذين ناضلوا من أجل بيت المقدس منذ الحروب الصليبية.. وصولاً إلى أبناء الدوايمة وخاصة ممن ينتسبون إلى تلميذ إبن مشيش وحامل طريقته, الشيخ المناضل أحمد الغماري..رحمهم الله جميعاً وسسدد خطانا على نهجهم الصالح.
بكر السباتين
_______________
بكر السباتين
من كتابه:
“الطريق إلى أين, بورصة الأنساب”
يحتوي الكتاب على 15 مرجعا إضافة إلى مجموعة كبيرة من الوثائق:
الرابط لتحميل الكتاب:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_docman/task,cat_view/gid,9/Itemid,15/
________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

