المسرح الفلسطيني وتداعيات النكبة والمعاناة الفلسطينية (3)

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : د. كمال أحمد غنيم – غزة – فلسطين المحتلة
ومن هذه اللحظة الحاسمة تبدأ مسرحية علي عمرو، ليبرز من خلالها ما جناه تدليل الأم من عواقب، وما فعلته مكائدها في تخريب نفس ولدها، الذي أصبح موسوسا، لا يثق بأحد، ويخشى أقرب الناس إليه، وتعامل مع من كان لهم الفضل في وصوله للحكم بطريقة جديدة، قوامها الشعور بالنقيصة أمامهم، فما كان منه وهو يفكر في صناعة المجد، إلا أن يتخلص منهم، فقتل والدته عندما اعترضت على جلساء السوء عنده، ووقفت في وجه تفكيره بهدم روما، وطرد الفقراء منها، كما أنه ركل زوجته أُكتافيا ابنة كلوديوس، وهي تحمل جنينه في بطنها، ومارس ما أراد، فأحرق روما، ووقف يراقبها من بعيد، والبيوت تحترق قصورا وأكواخا، والناس تتلظى بالنار أغنياء وفقراء، وأبقى بعض جنوده على أسوارها، ولما خمدت النار دخل روما، ليعيد بناءها، لكن الجموع الغاضبة حاصرت المدينة، واشتعلت نار الثورة في نفوس الجماهير، الذين احترقت بيوتهم، واحترق أهلوهم وأقاربهم، وصدر الحكم بصلب نيرون، لكنه سارع إلى الانتحار، بوضع الخنجر في فمه( ).
وقد قام الكاتب محمود عباسي بمسرحة قصته القصيرة “في الهزيع الأخير”، فكتب مسرحية “العمر ليلة واحدة”، ونقل من خلالها صورة واقعية من تمزق ومعاناة الإنسان العربي في فلسطين نتيجة مآسي الحروب المتتابعة، وتشتت شمل الأسرة الواحدة، وهي تدور حول فقد “هناء” عريسها “واصل” ليلة عرسها، حيث يختار الخروج مع القوات العربية المنسحبة إثر دخول اليهود إلى قريته عام 1948، لخوفه من انتقام هذه القوات منه، لأنه كان قائد موقع في القرية، وعمل مع المقاتلين في مقاومة اليهود، ويعاني واصل في الغربة من الحرمان والتشتت والضياع، ويظل في حنين متواصل لوطنه وزوجته وأخيه سعيد.
وتأتى نقطة التحول عندما يقبل واصل القيام بعملية فدائية في فلسطين، فيتسلل عبر الحدود، ويصل لتنفيذ مهمته إلى قريته ويلتقي بزوجته “هناء”، ويقضي معها ليلة دافئة، تكون ثمرتها ابنة جميلة، تثور حولها الشكوك، لأن أحدا من أهل البلدة لم ير واصل، ولا يعرف عن حضوره شيئا، وتتعقد الأمور عندما يعلم واصل أن المصنع الذي جاء للقيام بنسفه؛ هو المصنع الذي يعمل فيه أخوه، حيث يحدث الصراع الداخلي بين عواطفه ومبادئه، وقبل أن يحسم هذا الصراع تداهم الشرطة البيت، فيهرب قبل تنفيذ المهمة، ليترك زوجته تعيش معاناة من نوع آخر، تمثلت في اتهامات الناس لها، غير المشفقة عليها، وخوفها من الكشف عن حقيقة تسلل زوجها إلى القرية لما في ذلك من مخالفة قانونية ستُعاقب عليها، لكنها تضطر لمواجهة الحقيقة عندما تأتيها ابنتها وقد عذبها كلام الناس، فتبوح لها بحقيقة ما أخفته على مدار الأعوام الماضية، ويُفاجأ الجميع بعودة واصل ليلة الاحتفال بزواج ابنته “منال”، لتتم الفرحة ويجتمع شمل الأسرة من جديد( ).
وقد رصد الكتاب المسرحيون صور المعاناة في أكثر من جانب من جوانب الحياة الفلسطينية، ومن ذلك صورة اللجوء في المخيمات، والمعاناة فوق العادية، التي سحقت بفظاعتها ومرارتها قلوب الفلسطينيين، فقد صور محمد أحمد جاموس في مسرحية “مأساة لاجئة” حكاية السيدة ثريا، المهجّرة من يافا إلى حيفا فرام الله مع غيرها من النازحين، وقد فقدت كل شيء، وأقامت هناك تفترش الأرض وتلتحف السماء، وأقصى ما استطاعت أن تحصل عليه هو قطعة من الخيش، جعلتها ستارا على باب كهف أوت إليه، وظهرت مأساتها جلية في خروجها أمام الكهف ومناجاتها السماء، وبكائها الديار، مما أجج الحزن في صدور جاراتها وأخواتها في النكبة، وأبكاهن جميعا، وعندما جاءها ولدها خالد يبثها رغبته في الثأر، استثارت عزيمته، فاندفع إلى الميدان ببسالة، واختاره الله شهيدا، ووصل النبأ إلى والدته، مما زادها ألما على ألم، لأن خالد كان هو آخر رجائها في الدنيا، وهكذا شعرت بأن المصائب تترى عليها، وعلى أهلها، فبكت غربتها وثكلها بمرارة، حتى وافاها ابن عمها سعد، فرجته أن يأخذ بيدها إلى قبر ولدها لتزوره.
وأعدت العدة لذلك، وانتظرت ابن عمها عند مفترق الطرق، وهي تستمع إلى مشاهد الحنين والألم ممن حولها من المشردين عن ديارهم، فأحزنها حديثهم، وراحت تردد أغنيات حزينة، غلبها خلالها النوم لشدة ما قاست، ورأت في نومها رؤيا النصر، فالناس في بهجة وسرور، وأقواس النصر مرفوعة، ومعالم الزينة واضحة، وصوت البشير ينادي بالنصر، مما جعلها تشارك النساء في أغنيات النصر وأهازيجه، ورأت نفسها ومن معها يعودون إلى الوطن، ويقيمون في بيوتهم، بل إنها شاهدت ابنها خالد هناك، يبتسم ويفخر بخلود الشهداء، وبقائهم على الحياة، فتحاول ثريا الوصول إلى ابنها لتضمه، ولكن تزل قدمها وتسقط على الأرض، وعندما تفتح عينيها تجد نفسها ما زالت عند مفترق الطرق، وقد وصل ابن عمها حسب الموعد لزيارة قبر ولدها الشهيد، فجُن جنونها وصرخت بحرقة تبكي دارها وولدها، ولم تتحمل حجم الفاجعة، فخرت على الأرض جثة هامدة، لتنهي مشهدا من مشاهد المعاناة في مخيمات اللجوء والقهر الكبير الذي فُرض عليها وعلى شعبها( ).