التصنيف : الولايات المتحده الامريكية(:::)
جيمس زغبي – واشنطن (:::)
في ضوء موافقة المالكي على التخلي عن منصب رئيس الوزراء لمصلحة حيدر العبادي، ربما يكون العراق قد تجاوز عقبته الأولى على طريق تشكيل الحكومة اللازمة لهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» وإنقاذ العراق من الغوص في مزيد من الصراع والتقسيم. وربما يبرر تجاوز هذه العقبة أيضاً النهج الحذر الذي اتخذته إدارة أوباما في معالجة الأزمة الناجمة عن الظهور الوحشي لتنظيم «الدولة الإسلامية».
بيد أن المشكلات الأخيرة التي ظهرت في العراق لم تبدأ بزحف «الدولة الإسلامية» وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي؛ ذلك أن نجاحات هذا التنظيم العنيف والإرهابي كانت مقياساً كبيراً لنتاج سنوات الحكم السيئ والقمع الطائفي الذي مارسه المالكي. فسياساته هي التي مهدت أرضاً خصبة مكنت التنظيم، الذي كان يعرف في السابق بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» واختصاراً «داعش»، من ترسيخ جذوره وإيجاد حلفاء.
وفي نهاية عام 2011، عندما كانت الولايات المتحدة تستعد لمغادرة العراق، وكان المالكي على مشارف عامه الأول من الفترة الثانية في منصب رئيس الوزراء، أظهر استطلاع للرأي العام العراقي دلالات تحذير تلوح في الأفق. فقد كان ثلثا العراقيين يخشون من أن مغادرة القوات الأميركية لدولتهم ستدفعها إلى حرب أهلية وخطر التقسيم، أو الهيمنة عليها من قبل دولة مجاورة. وقد كان جميع من شملهم استطلاع الرأي المنتمين لكافة الأطياف (سنة أو شيعة أو أكراداً) قلقين بشأن انسحاب الولايات المتحدة. وكشف الاستطلاع وجود انقسام عرقي وطائفي عميق، إذ كان العرب السنة والأكراد هم الأكثر قلقاً بشأن مغادرة القوات الأميركية، وكانوا أيضاً الأشد خوفاً على مستقبل دولتهم. وأظهر الاستطلاع أيضاً أن المالكي شخصية مثيرة للاستقطاب. فكانت المواقف تجاهه منقسمة بالتساوي تقريباً بين العرب الشيعة، بينما اعتبره ثلاثة أرباع العرب السنة والأكراد شخصية غير محبوبة. وأشار معظم العراقيين إلى أنهم لا يثقون في قدرة المالكي على إدارة دفة الدولة أثناء فترة ما بعد الاحتلال.
وقد كان المالكي جديراً بهذه التوقعات السلبية. ومع رحيل القوات الأميركية، نكث بوعده السابق باستيعاب عشرات الآلاف من «أبناء الأنبار» السنة، المفصولين من الخدمة، في الجيش والأجهزة الأمنية. ووجه اتهامات لزعماء السنة البارزين بـ«دعم الإرهاب»، وأجبرهم على الفرار إلى المنفى. وعمل وفق نهج استبدادي بدرجة كبيرة لإحكام السيطرة على مقاليد وظائف الأمن القومي الرئيسة، وأقصى بذلك ليس فقط السنة، ولكن أيضاً حلفاء شيعة سابقين، فضلاً عن الأكراد والأقليات الأخرى.
وفي مواجهة هذا السلوك الطائفي والقمعي، كان ظهور مقاومة سنية ساخطة في محافظة الأنبار المضطربة أمراً حتمياً. ونظراً لأن وحشية رد المالكي تناغمت مع رد حليفه وجاره السوري بشار الأسد، كان تحول التمرد العراقي إلى مزيد من التطرف وتطوير علاقات أوثق مع تنظيم «داعش» الذي يعمل عبر الحدود مع سوريا شيئاً متوقعاً إلى حد بعيد.
واشتبكت قوات المالكي في صراع دامٍ مع «داعش» وطيف من الجماعات السنية على مدى أشهر. ولم يشعر بالحاجة إلى مناشدة الولايات المتحدة من أجل المساعدة إلا بعد أن سيطر «داعش» وحلفاؤه على الموصل في مواجهة الجيش العراقي المتفكك. ودفع ذلك إدارة أوباما إلى مواجهة تحديات على صعيد السياسات الداخلية والخارجية.
وقد أضحى المحافظون، الذين لطالما وجهوا اللوم إلى أوباما بسبب مغادرته العراق أصلاً، يطاردونه الآن للانخراط في مواجهة عسكرية مع تنظيم «داعش». في حين يفضل الليبراليون تفادي الحرب وحذروا من أي تدخل، خشية «الانزلاق في معركة أوسع نطاقاً».
ومن جانبها، رأت الإدارة ضرورة الموازنة بين عدد من الالتزامات والخيارات، ولاسيما الحاجة إلى المساعدة في هزيمة التنظيم الذي أصبح يمثل تهديداً عابراً للدول؛ والإقرار بأن الولايات المتحدة مسؤولة عن العراق والأميركيين والعراقيين الذين خسروا أرواحهم في تلك الحرب الطويلة، وفهم أن إصلاح البيت العراقي وليست القوة الأميركية هو مفتاح أي حل فعال.
وإدراكاً منها للتهديد الإقليمي والعالمي الذي يمثله تنظيم «الدولة الإسلامية» والمشكلات الناجمة عن حكم المالكي الطائفي، سلكت إدارة أوباما نهجاً حذراً. وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تعزيز قبضة المالكي، ومن ثم علقت دعم الجيش العراقي على تشكيل حكومة أكثر شمولاً وتمثيلاً في بغداد. وفي الوقت ذاته، لكي لا تعطي تنظيم «الدولة الإسلامية» فرصة، قدمت الولايات المتحدة أيضاً مساعدات طارئة محمولة جواً للاجئين المستضعفين الذين فروا من وحشية التنظيم، واستخدمت القوة الجوية في ضرب مواقع زحف «الدولة الإسلامية»، وتدمير بعض المعدات العسكرية التي استحوذ عليها المتطرفون عندما سيطروا على مواقع عسكرية عراقية في الموصل.
وقد كانت لهذا التدخل المحدود ثمار، حيث توافر غطاء لخروج كثير من اللاجئين الذين كانوا محتجزين. ومنح القوات الكردية فرصة حشد إمكاناتها واستعادة السيطرة على بعض المناطق التي كانت قد سقطت في أيدي مسلحي «الدولة الإسلامية». ومع بقاء الولايات المتحدة في خلفية المشهد، تأكد للعراقيين أن رحيل المالكي وحده هو الطريق إلى حصول الجيش العراقي والنظام السياسي على الدعم الضروري لتحقيق انتصار حاسم على المسلحين المتطرفين.
ولو أن المتسرعين الليبراليين حققوا مرادهم، لما كانت إدارة أوباما ستفعل شيئاً مخافة الانزلاق في حرب عراقية أخرى لا يمكنها الانتصار فيها. ولو أن المتسرعين المحافظين حققوا هم أيضاً ما أرادوا، لكانت الولايات المتحدة قد دعمت المالكي بقوة عسكرية وأسلحة أكثر تطوراً معززة فساده واستبداده وحكمه الطائفي.
وبدلاً من هذا وذاك، أدركت إدارة أوباما أن مشكلة تنظيم «الدولة الإسلامية» نشأت بسبب سوء الحكم ويمكن معالجتها بتحرك العراقيين في اتجاه مختلف. ومع رحيل المالكي، تم تجاوز العقبة الأولى. وخلال الشهر المقبل، سيكون على رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي اتخاذ قرارات حاسمة. وعليه أن يشكل حكومة تشمل كافة أطياف المجتمع العراقي، ولاسيما العرب السنة والأكراد والمسيحيين والتركمان والأقليات الأخرى، وعليه أن يتحرك بشكل سريع لإعادة دمج الزعماء السنة الذين نفاهم سلفه. ويجب عليه أيضاً توفير فرص للسنة والأكراد المستائين لكي يروا أن الحكومة في بغداد أضحت تمثل مصالحهم.
وستظل مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق جبهة واحدة فقط ضمن صراع طويل ضد التطرف المسلح في العراق وسوريا معاً. وإذا كان حرمان التنظيم من قاعدة دعمه في العراق سيضعفه، إلا أنها خطوة أولى فقط. وعلى الجيش العراقي إنجاز مهمة هزيمة التنظيم عسكرياً، ومن ثم ستأتي المهمة الصعبة المتمثلة في التعامل مع قاعدة عمليات «داعش» في سوريا، وهو وضع بات أكثر صعوبة في خضم الظروف المختلفة التي توجد هناك الآن





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

