التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : د. كمال أحمد غنيم – غزة – فلسطين المحتلة (:::)
ويجسّد توفيق المبيض المعاناة في مسرحية “القادم من تحت الأنقاض” بطريقة أخرى، تتناول بشكل رمزي جوانب من حياة الأب الفلسطيني “صابر”، وزوجته “صابرة” في طريقهم لإحقاق الحق، وإقامة العدل، والوصول إلى فض المشكلة بكل الطرق، يستلهم من خلالها مراحل النكبة، وإن لم يلتزم بترتيب الأحداث زمنيا ومكانيا.
ويقدم الكاتب في مقدمة المسرحية صابر الصابر وهو في مكان مقفل، يطرق الباب المكتوب عليه: “العدل”، ليعرض مشكلته، لكن الصوت الجهوري يطلب منه كلمة السر، ومن هنا تبدأ لوحات المسرحية الممثلة لفصول المأساة المتعاقبة، فاللوحة الأولى “اللاجئ”، تدور أحداثها بين صابر والنحيل الأعور “ديان”، مرة في مخيم اللجوء، وأخرى في مركز القيادة، وثالثة أمام بيت العدل يُبرز من خلالها المعاناة في مخيمات اللجوء، ويعتقد صابر وزوجته أن كلمة السر هي “لاجئ”، فيتوجه إلى بيت العدل، ليكتشف أنها غير ذلك، فيعود للبحث عنها من جديد، وفي اللوحة الثانية “المتمرد” تدور الأحداث في السجون حيث يعاني رجال المقاومة، ويعود صابر إلى بيت العدل ليطلق كلمة “متمرد” لكن الباب لا يُفتح له، وهكذا في اللوحة الثالثة تدور الحكاية حول مرض أحد الأطفال الذي يحتاج إلى العلاج، ولكن الاحتلال يرفض إقامة الأسرة، وبالتالي يمنع علاج الطفل، الذي يوشك على الهلاك، ويعود صابر بكلمة “وثيقة سفر” لكن الباب لا يفتح له، وفي اللوحة الرابعة يستعرض شكلا آخر من أشكال المعاناة المتمثل في منع التجول، والطوق الذي يستخدمه الاحتلال كأداة من أدوات القمع، ويعتقد صابر أنه وصل إلى كلمة السر “الطوق”، لكن الباب يبقى مغلقا، وفي اللوحة الخامسة ينفد صبر “صابر الصابر”، ويلجأ إلى المقاومة بالسلاح، ويظهر الذعر في وجه ديان والعجوز جولدا مائير وليفي الرجل ذو النظارات، وتؤلمهم الجراح التي أصابتهم من سلاح صابر، ويخافون الحرب وتطورها، ويصل الأمر إلى قتل “ليفي” الرجل ذو النظارات، ويحاول النحيل التخطيط لقتل صالح الصابر، ويُكتشف أمره، ويُقتل، لكن بعد أن يطلق الرصاص على زوجة صابر، وبذلك يكتشف صابر كلمة السر، فينفتح باب العدل أمام كلمة “سلاح”، ويستطيع صابر الصابر الوصول إلى بيت العدل يحمل البندقية وغصن الزيتون، ويرفض النحيل غصن الزيتون، ويشهر سلاحه، بينما يرحب الناس بصابر القادم من تحت الأنقاض يحمل بندقية وغصن زيتون، وقد أدرك أن السلام لا يتحقق إلا ببندقية الثائر( ).
واستثمر محمد حسيب القاضي أسطورة “بعل” إله الخير، و”عنات” إلهة الخصب في المشهد الأول من مسرحية “دولة أيوب” للدلالة على عمق معاناة الإنسان الفلسطيني، إذ يستنجد إله الخير بإلهة الخصب، حتى تخرجه من عالمه السفلي، المترتب عليه انتشار الخريف على الأرض، وتحاول ذلك، لكن الخفافيش تقاومها، وتشده أيدي الظلام، والأصوات تعذب “بعل” بالزعم أن زوجته “عنات تخونه( )، في تجسيد واضح لفلسطين، والمحاولات المستمرة لتحريرها.
واستدعى سميح القاسم في مسرحية “قرقاش” شخصية الحاكم قراقوش، الذي اعتبره البعض رمزا للاستبداد، على أن قرقاش هو الاسم العبري لهذا الحاكم! ويسير القاسم وفق الرواية التي تزعم أن قراقوش قد تميز بإصدار القوانين الحمقاء القاتلة للحريات( )، والشاعر هنا يعدد هذه الأوامر والقوانين، في شكلها العصري، فيمنع قراقاش التجول في أثناء قيامه بالرحلات، كما يمنع الغناء الشعبي، ويستولي على أبناء الشعب جندا، يعملون في جيشه على الرغم من إرادتهم، ويعدم من يرتكب جريمة العقم، فلا ينجب الأطفال، ويعدم الأطول إذا كان المجرم قصيرا، ويحكم على ولده وعلى من تزوجها من بنات الشعب بالإعدام، ويطفح كيل الظلم، فيندفع الشعب، ويقتل قراقاش ووزيره، ويجلسون على كرسي الحكم( ).
ويقدم الكاتب أحمد حسين نمر في مسرحية “عرس في تشرين” مشاهد متعاقبة من التاريخ، يبرز من خلالها الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، متخذا مسرور الجلاد رمزا للقمع عبر العصور المتعاقبة، فالأعرابي تؤخذ منه ابنته عنوة، لتصبح محظية السلطان، تحت بطش سيف مسرور الجلاد، والعاشور التركي، ثم الكوميسير الإنجليزي، والخواجة اليهودي، يحكمون الناس بالحديد والنار، مستعينين بسيف مسرور الجلاد، فيضيع الحقل، ويتأجل العرس، انتظارا لصيف يحمل الفرح، ولكن الثورة تنفجر في صدور الفلاحين، ويكون الغضب في تشرين، إشارة إلى حرب أكتوبر، ليكتشف الجميع أن سيف مسرور ضعيف بإرادتهم، وينكمش الخواجة، ويتداعى الجميع للتماسك، والاستمرار في رفع العصي بوجه الخواجة، حتى لا يرفع رأسه من جديد( ).
وقد اعتمدت بعض المسرحيات على تشخيص الأغاني الشعبية، وقامت بصياغتها مسرحيا، وبرع في ذلك جبريل الشيخ في مسرحية “تغريبة زريف الطول”، التي تناول فيها قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والمعاناة القاسية التي تفجر المقاومة الشعبية العارمة، التي راحت تواجه الاحتلال بكل قوتها، لولا بعض الاختلافات التي أضعفت الثورة، مما يدعو ظريف الطول للسفر إلى حلب، حتى يرجع بالحكمة لأهل بلده، وتنتهي المسرحية برسالة الحكمة التي يرسلها إلى شعبه قبل قتله في الخارج، بأنها المحبة والالتحام بين الثوار، ويسلك جبريل الشيخ في تجسيد هذه المعاني من خلال اعتماده على تجسيد شخصيات تحمل أسماء معروفة في الغناء الفلسطيني الشعبي، فبطل المسرحية هو “ظريف الطول”، اللحن الفلسطيني المرح الموحى بالانطلاق، حيث يجعله شابا وسيما ينصر الضعفاء، ويحبه الناس حاملا رمز الحكمة، وصديقه “شوباش” اللحن الحماسي المعروف، الذي يجسد النخوة والحمية، ويُستخدم في الحروب والأعمال الجماعية كالبناء، وهو هنا شاب صديق لظريف الطول، يحمل رمز القوة المكملة لحكمة ظريف، والبطل النقيض محمد العابد، هو لون من الغناء، يتميز بنسبته إلى الراوي محمد العابد الشخصية الخيالية، ويأتي عادة على لحن العتابا، وهو في المسرحية عجوز متصابي، أناني.
كما يستخدم شخصية “عتابا” على أنها أرملة شابة، “وميجنا” على أنها ابنة عم “عتابا” وتابعتها، و”دلعونا” على أنها امرأة جميلة شابة متمردة على أوضاعها الاجتماعية، و”لية” على أنها خطيبة “شوباش”، و”أسمر اللون” على أنه فلاح شاب، و”جملو” خطيبة أسمر اللون، و “جفرا” بنت يتيمة في سن مبكر، و”ميج” رجل فقير والد “ميجنا”، و “أبو الزلف” رجل غامض، وكل هؤلاء -كما هو معروف- ألوان من ألحان شعبية فلسطينية، جسدها الكاتب في شخصيات، تمثل مأساة الشعب الفلسطيني، وتحاول إيجاد الحلول لها.
وقد استعان الكاتب ببعض الشخصيات الواقعية، ليستكمل النسيج الدرامي، مثل الجمال رفيق ظريف الطول، والغنام، وحراث البقر، وفرج الله المنافق، وقد وردت أسماء هؤلاء في الغناء الشعبي، بالإضافة إلى على المحتد، وشريف السيد، أصحاب المكانة، وملتزم الضريبة من العهد التركي، وبعض الوجهاء وغيرهم( ).
وسار عدنان إدريس على النهج نفسه في مسرحية “عودة فلكلور”، فجسد شخصية ظريف الطول ليكون البطل الشهيد، وزوجته “دلعونا”، ورمز للقضية بشخصية فلكلور، بالإضافة إلى شخصيات تراثية كالنمرود وعاد وثمود، وواقعية مثل “أبو محمد” و”أم محمد” و”أبو أحمد” ونبيل وعادل وخولة وغيرهم، وصور من خلال ذلك حكاية استيلاء اليهود على الأرض، وبنائهم المستوطنات على أنقاض البيوت العربية ودماء الشهداء وعظامهم، كما صور معاناة الشعب في ظل الإعلام العربي، الذي جعل القضية مجرد خطاب سياسي وشعار لا يُسمن أو يُغنى من جوع، لكن فلكلور يعود بجماعة من الفدائيين، يبعثون الأمل في نفوس الناس، ويسير معه ظريف الطول وأبو الزلف، الذين وحدوا الصفوف، وراحوا يطالبون الناس بالتواصل معهم( ).
ويتجه معين بسيسو إلى الكتاب الأدبي الرمزي الرائع “كليلة ودمنة” في مسرحيته: “محاكمة كتاب كليلة ودمنة”، ليقدم فيها عبد الله بن المقفع للمحاكمة بتهمة الكتابة الرمزية، بما تحمله من غمز ولمز، بالإضافة إلى ما في ذلك من إيحاء بانعدام الحرية في ظل الحكم القائم، مما يعني أن ابن المقفع يمارس بذلك أقسى أنواع النقد للسلطان، و يمنح الكاتب مسرحيته الروح الهزلية ليصنع المفارقة المضحكة المبكية، عندما يطلب ابن المقفع شهادة الأسد، فيعتذر حامل المحبرة بأن الأسد مصاب بالزكام، ويخشى أن يعطس في حضرة القاضي، كما يعتذر عن حضور الثعلب لأن ذيله انقطع بموسى أحد الحلاقين، وعن حضور الجمل لأنه هرب خوفا من القانون الجديد القاضي بقتل جميع الأرانب، ولا يبقى إلا الهدهد، الذي يأتي بجرأة وهو يحمل في منقاره عودا من قش، ليساهم في حرق الكتاب، لأنه يعرف نتيجة الحكم الجاهز، فالمحرقة قد أُعدت، والحطب يُجمع بجوار المحكمة، بينما يزيفه القاضي ومن معه بادعاء العدالة، والاستجابة لطلب ابن المقفع بالاستماع للشهود، ولأن الهدهد قد أفشى السر يأمر القاضي بحبسه في قمقم حتى الموت، ويؤجل الحكم المفضوح لصباح اليوم التالي( ).
واستعان بشير علي عمرو في مسرحية “نيرون” بالتاريخ الروماني، من خلال شخصية نيرون الحاكم المستبد، الذي أحرق روما، كي يتخلص من مظاهر الفقر والتخلف، حيث تتجاور القصور والأكواخ، حتى يبنيها بناء جديدا لا وجود فيه للأكواخ والفقراء، في صورة يتمرأى فيها واقع معاناة الشعب الفلسطيني إزاء احتلال يزعم المدنية والحضارة، ويبطش ويدمر تحت عناوين البناء والتعمير، ونيرون هو ابن أجربينا التي تزوجت الملك كلوديوس وأقنعته أن يجعل نيرون ابنها من زوجها الأول وليا للعهد، وقامت بتربيته على يد الفيلسوف “سنكا”، لكنها منعته من أن يتعلم الفلسفة، واكتفت بتعليمه الأدب والأخلاق، وكانت تتدخل في عمل الفيلسوف، ثم تخلصت من كلوديوس بفطيرة مسمومة، وضمنت تأييد الحرس لابنها بمساعدة “بوروس” القائد، وعاشت الإمبراطورية في السنوات الخمس الأولى من حكمه في رخاء وعدل، إذ قادت أجربينا سفينة الحكم من وراء الستار، لكن نيرون شب عن الطوق، وأراد أن يمارس لعبة الحكم بمفرده.
للبحث صلة ………..





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

