التصنيف : دراسات (:::)
منير درويش – سوريا (:::)
يبدو أن سايكس وبيكو عندما وضعا مشروع تقسيم المشرق العربي أرادا تطبيق النزعة الغربية لبناء دولة وطنية متجاهلين النزعات المذهبية في منطقة شديدة التعقيد . رغم الأهداف السياسية الأخرى .
لم يدرك الغربيون أن الانتماء للتكوينات الطائفية أو العرقية والقومية وغيرها معززة بنزعاتها المتوترة أقوى بكثير من الانتماء الوطني ، وهي ناتجة عن صراعات مذهبية تاريخية طويلة فرضت على كل مكون أن يختار بقعة جغرافية يستوطنها لحماية نفسه من المكونات الأخرى وأسس عليها كيانات لها أحزابها ومرجعياتها الدينية وميليشياتها العسكرية وحماتها الإيديولوجية .
القوميون العرب ( نحن بالطبع ) وأحزابنا ( القوميون العرب – البعث – القومي السوري – والناصريون وغيرهم ، تخيلنا أننا بمجرد أن نتبنى مشروع الوحدة والدولة القومية الواحدة من المحيط للخليج اعتماداً على وجود الأكثرية العربية وعلى حساب الدولة الوطنية حتى تصفق لها جميع المكونات وتباركها وتندمج فيها ، بينما تبنت الأحزاب الشيوعية برنامج الاتحاد السوفييتي السابق واندمجت فيه وذهبت الأحزاب الإسلامية إلى أبعد من ذلك بدعوتها لوحدة الأمة الإسلامية . هذه التيارات لم تتوانى عن تبني شعارات اشتراكية أو عدالة اجتماعية أو صراعات طبقية لا وجود لها على أرض الواقع .
جاءت معركة فلسطين وهزيمة العرب فيها لتفرض واقع الانقلابات العسكرية أسقطت القوى السياسية بحجة خيانتها وتآمرها على الأمة فأسست دويلات الاستبداد الأمنية وحكمت بالقوة وعملت على تقييد العمل السياسي وحصره بها وصادرت حرية الرأي والتعبير ونهبت ثروات الأمة وعبأت الشعب على أن قضية فلسطين هي قضية العرب المركزية تحت ذريعة ( المقاومة ، و كل شيء للمعركة ولا صوت يعلو على صوت المعركة ) وتوسعت في بناء السجون والمعتقلات وعممت الفساد . فلا فلسطين تحررت ولا إسرائيل بقيت عند الحدود التي رسمتها .وأهملت الدولة الوطنية لأن مقوماتها الأساسية تحد من سلطتها . وأعتبرت كل من يتبناها على حساب (القضية المركزية ) خائن وعميل .
عندما فشلت هذه الأنظمة في استعادة فلسطين لجأت لمشروع الوحدة العربية ووجدت في وحدة مصر وسورية وموقف المشاعر الشعبية منها ملاذاً جديداً لها رغم أن هذه الوحدة لاقت اعتراضاً من الأقليات ( المسيحيون – الشيعة – الأكراد وغيرهم وكثير من السنة أنفسهم لأنها على الرغم من الضرورة التاريخية لها إلا أنها لم تتبنى الشعارات الديمقراطية التي تساوي بين المواطنين خاصة بعد تدخلها في لبنان الذي تمتع ببعض الحرية رغم البنية المجتمعية الهشة واليمن والأردن والعراق .
فشلت دولة الوحدة وابتعدت قضية فلسطين عن الحل وعجزت السياسات العربية عن بناء الدولة الوطنية لأنها عجزت عن تحييد موضوعي فلسطين والوحدة عن بناء هذه الدولة . أحداث كبرى جرت بعدها أبرزها هزيمة حزيران 1967 التي أظهرت للعرب فاتورة خسائرهم خلال المرحلة التاريخية الطويلة وصورة عجزهم القاتمة .
انفجرت الحرب الطائفية في لبنان عام 1975 حذرنا من مخاطر امتدادها لباقي المجتمعات المهيأة لها لكن الأغلبية من السياسيين والمثقفين لم يجدوا في هذه الحرب سوى اقتتالاً بين ( قوى الممانعة والاستسلام ) أو مجرد صراع طبقي بين ( المستغَلين والمستغِلين ) وبدأ المسيحيون يخشون هذه الحرب ويهاجرون إلى الخارج . في نفس الوقت اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات بعد تبني ثورة الخميني الشيعية في إيران مشروع تصدير الثورة ما جعل دول الخليج والسعودية والعراق تخشى هذا المشروع وكان العراق عراب هذه الحرب بمساندة دول الخليج وخوفاً على أغلبيته الشيعية عند حذف الأكراد من مجموع سكانه . عززت هذه الحرب النزعة الطائفية لدى الشيعة المؤيدين لإيران وثورتها والسنة المعارضين لتصدير الثورة وأحرجت شيعة العراق العرب الذين لا ينساقون للمشروع الإيراني ، ومع مفاعيل هذه الحرب وجد الأكراد فرصتهم في تعزيز كيانهم الجغرافي والسياسي في شمال العراق ( كردستان العراق ) بعد أن كانوا قد حصلوا على الحكم الذاتي فيها بموجب اتفاقية آذار 1975 بين السلطة العراقية وشاه إيران . لم تحقق الحرب انتصارات حاسمة لكن العراق خسر كثير من موارده جعلته أسيراً لدول الخليج والسعودية التي حارب عنها .
الاحتلال الأمريكي للعراق وتفكيك المؤسسات التي كانت قائمة تحت مسمى الدولة أعاد العراق إلى ما قبل تكوينه عام 1920 وجعل مكوناته تدير أمورها بنفسها فضلاً عن الاقتتال الدامي بينها والذي أودى بحياة عشرات الآلاف ، كما أدت الحرب المجنونة في سورية إلى تفكيكها لما قبل لملمة أجزائها بعد ثورة الاستقلال وتشريد مواطنيها .
لم يلتفت أحد لما طرحته بعض الأحزاب السياسية ومنها حزب العمال الثوري العربي من ضرورة مراجعة الوعي العربي الذي أسس لهذه النزعات والالتفات لعمارة المجتمع التي بدت منهارة والعمل على بناء الدولة الوطنية الديمقراطية كأساس لتحقيق الأهداف اللاحقة ( لأن حرق المراحل وهم ) وتحييد قضية الوحدة وقضية فلسطين عن بناء هذه الدولة ، واستئخار المواجهة العسكرية مع إسرائيل حتى اكتمال القوة القادرة على المواجهة ، لكن الثورجية الطامحة المتعجلة للوصل لتحقيق الشعارات وجدت في هذا المشروع نوع من الطوباوية السياسية والترف الفكري .
الظلم ، الاستبداد ، الاستلاب ، القمع ، النهب والفساد النزعات الإثنية المختلفة ودور الأنظمة السياسية في تعبئتها وتأجيجها وعجز الحركة السياسية عن التأثير في الواقع ومعالجته . كل ذلك جعل المجتمعات العربية قاصرة في بناء المشروع الحضاري ، وإذا كانت ثورات الربيع العربي قد حاولت فتح ثغرات في هذا الواقع والعودة لبناء الدولة الديمقراطية ونجاحها في إزاحة بعض الأنظمة إلا أن كل الظروف تظافرت لإجهاض هذه الثورات ، والعودة بالواقع العربي عقود إلى الوراء .
التفكير بالواقع العربي من جديد يجب أن يخرج من العموميات ويحيد الشعارات الكبيرة لصالح شعارات أكثر واقعية حتى نستطيع أن نصل لأهدافنا .
يجب أن يقنع الجميع أن لا سبيل لأية فئة وحدها للاستئثار بالسلطة والثروة الوطنية اللتين هما ملك الشعب كل الشعب وإقصاء الآخرين مهما كانت قوتها الحالية ، فالوطن يتسع للجميع تحت شعار المواطنة في دولة وطنية ديمقراطية حيادية تجاه مكوناتها المختلفة فيها يتساوى الجميع ويتقاسمون السلطة والثروة وفق أسس قانونية وليس محاصصة .
إن الوضع العربي على فوهة بركان متفجر وهذا البركان سيحرق الجميع ولن يسلم منه أحد ، والمصلحة الحقيقية لأية فئة هي مع الشعب كل الشعب تجمعهم دولة وطنية ديمقراطية ، دولة العدالة والمساواة التي يتمتع فيها الفرد بمواطنته كمواطن لا كرعية حتى لا يأتي الوقت الذي قد نندم فيه على سايكس – بيكو كما ندمنا على رفضنا لمشروع تقسيم فلسطين فضاعت كلها ومعها جزء من الأراضي العربية الأخرى إذا ما نجحت النزعات الطائفية في تحقيق أهدافه





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

