التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
” رغبات خلف أستار عمَّانية ”
أعيش حالة من النسيان المتعمد، حالما أفيق على ضجيج السيارات المتزاحمة، وأصوات الباعة وهي تجأر في تنافس لا ينتهي ، مدللة على سلع تالفة .
وتخالجني أفكار عبثية كلما وقفت مع جمهور الفضوليين، أمام سمسار يزايد على بضاعة مضروبة ، كان لها قبول مستهجن لدى الحضور..!
كانت تبهرني هذه المصيدة..!
لأننا نعرف أنها كذلك وبرغم ذلك نمارسها خاسرين !
تطير الأرقام إلى أعلى ، وصولاً إلى الطعم الذي يلتقطه أول مغفل فينا ، فينهمك في التقاط السلعة التي ترمى إليه ، محتفياً بالنصر، فإذا هي مهزلة.. !! قامت بأدوارها ثلة من البائعين المشاركين في الصفقة ، ومزايد واحد راح يحتفي بخيبته ، ومشاهدون تركوا الطعم لغيرهم .
( هذا هو قاع المدينة ، بضجيج مشاته ، ولغطهم هنا وهناك ، وأجراس الكنائس التي تطرق في الآحاد ، وخلو الطرقات المحيطة بالجامع الحسيني الكبير من السيارات ، لاكتظاظها بالمصلين في أيام الجمع حيث تكون أكتاف المارة بعد انقضاء الصلاة و إنفضاض المصلين ، في تقابل يصعب على الباعة المخالفين الهروب ، حالما يطاردون من قبل مراقبي أمانة العاصمة بمؤازرة رجال الشرطة ).
وهذه تجمعات أمام أكشاك الصحف في عدة مواقع ، فيما كانت العيون تختطف العناوين الرئيسة ، معبرة عن خيبات دفينة!
ترى ما الذي يشدها !؟!
رحت أتصفح العناوين الرئيسة ، وخاصة تلك التي تتوشحها الجرائد الأسبوعية ، كونها لا تصلني كل صباح ، كدأب الصحف اليومية التي اشترك فيها سنوياً ماذا هنالك..؟!
( الانتخابات باتت وشيكة ، إعلانات دعائية ، شعارات موحدة المضامين ، يسودها شعار استرداد فلسطين( برومانسية ) الشعراء ، وطقطقة الألسن على الزناد.. وانفجارات في الحناجر المرطبة بالشراب الفاخر.. ثم تتوالى أخبار محارق الربيع العربي وعبث الشيطان في تفاصيلٍ تطير العقل من الجمجمة ).
كانوا فرساناً، يبتسمون بخيلاء وعظمة ، صورهم تغطي مساحات كبيرة في الصفحات الأولى ، يتوسطهم وجه مرشح يسوده الوقار؛ لكن في عيونه مراوغة تختبئ خلفها رغبات إقصائية وميول للتطبيع مع العدو الإسرائيلي الدكتور ( فلان) ، شيء جميل !!
تنفست الصعداء مستهجناً أمر هذا المرشح الوصولي..!
( فشعاراته كانت من نتاج همومي ، وأخذ المرشح بدلها نقداً من جيوب الفساد.. إلا أن المفارقة المؤلمة تجلت في الصورة المهملة لأحد شعرائنا الملتزمين التي اتخذت زاوية نائية غير لافتة !استغلها رواد الخمارات والمشردين تحت أستار الليل للتبول..!
لم أقرأ قصيدته ..!
فقط .. لفتت انتباهي تلك السيجارة التي اعتصرها ألما بين أنمليه .. !
ترى ما نوعها ..!؟ اعني السيجارة!
كان علي أن اقرأ القصيدة من عنوانها حينما يقول :
” أوقفوا المأساة ..
شرّدوا الذاكرة إلى مكان آمن !
لا تهدموا المقاهي “.
كانت هناك أيضا أحاديث عن السلام ، بين مؤيد للتطبيع ورافض له.. مندفع في مؤازرته للنظام السوري أم متباكي على المعارضة.. (السيسي) في القلب أم شعار رابعة العدوية تاج على الرأس .
قال احدهم من ورائي :-
” سوف نرى ”
ثم انصرف ، فقد لمحته بطرف عيني متلثماً بكوفية متسخة..هل كان خائفاً ؟!
أوه … لقد وجدتها ..
فحين يطمُّ الخوف حشايانا .. نراوغ ظلالنا ريبة واستهجاناً ، فربما أخافته أناقتي ففر مرتاباً بأمري!؟
كل شيء جائز .. حينما تنثال مشاعرنا المتضاربة شلالاً على قلوبنا الملتهبة تتبخر كأنها قطرات ماء على صفيح ساخن.
وقف إلى جواري أحد المجاذيب ، لكنه ضحك منسحباً ببلاهة، سيطوف قاع المدينة كأحد أسرارها .. تراه من يكن ؟!.
وهذه حروب صحفية لتأكيد الذات، سلطات تتقاطع آراؤها،وأخرى كالمطاحن تدور رحاها على صفحات التواصل الاجتماعي!! أين كان يختبئ هذا الجنون!؟
(حكومات ، نقابات ، قضاة ، صحف ، وأفراد متنفذين ، وصناديق للشكاوي ) وأخيرا .. أخذت الصفحات الأخيرة طابعاً مثيراً،أخبار تسيِّلُ اللعابَ ، صور ملونة لنسوة شبه عاريات ، وتعليقات ساخرة نبررها لأنفسنا في المجالس ، ونحاربها في الضوء، قضايا مثيرة :
تزوير، قتل بدعوى غسل العار.. اغتصاب بدعوى الزواج والسترة المبكرة للفتاة.. خيانات زوجية خلف أقنعة متعددة الأشكال.. محاكمات تدين وتدان.. جماعات مسلحة .. سجون تبحث عن شروط جديدة للنزلاء.. مثلما هي الحقائق في أعماقنا.. اقتصاد يقاوم الركود في ظل إغراءات يسيل لها لعاب الفاسدين من شركاء المافيا.. الدولار يلمع في عيون التجار.. وتذبذبه يفجر الانفعالات في سوق المال ومجالس التجار.
فهل نخرج متحررين من براثن التخلف الاقتصادي لنعلق بين أنياب الدولار ؟! وماذا لو تحررنا من الأخير ساقطين في معدة الدب الشمالي!؟ ومن أين ، وكيف سنتحرر خارجين بعدئذ من غبائنا المستحكم بنا ؟!
سوف نرى!!.
أبدى صاحب الكشك احتجاجه :
” يا إخوان .. بدنا أنشوف الظو ”
كانت شر طردة ، خرجت بعدها من بلادتي ، فتابعت المسير .
نظرت إلى الساعة ، لدي وقت.. فلم الاستعجال؟!
لفتت انتباهي إعلانات دور السينما.. !
كانت تتوارى عارضة أفلاما جنسية ، فيما راح يتسلل إليها الملثمون ، يشربون هناك، ويدخنون السجائر الرخيصة ، ثم يحطون أضراسهم بالمكسرات ، بعدها يخرجون بذاكرة مسلوبة ، قاهرين السلطات بأنواعها ، ماذا لو مورست هذه الحرية وضح النهار ؟!ربما أفرجت الشبكة العنكبوتية عن كبت الميسورين! وهؤلاء!؟.
سرت على محاذاة الساحة الهاشمية، وهي تستقبل الرؤوس الباحثة عن الاسترخاء ، ثمة أماكن ضبابية هناك ..!
لا تقل كيف عرفت !!؟ الوعي لدينا قادر على استجلاء أشياء لا نريدها ..!
فهذا سوق تباع فيه السلع المسروقة ، قرأت عنه في الصحف الأسبوعية. ” وحذاري أن تكون من رجال التعقيب ، لأنك لن تقف على السارق الحقيقي خلف حطام الباعة وهم يدللون على بضائعهم التي أكل غثها سمينَها”.
وهو كشأن سوق العمال في ساحة الجامع الكبير، إذ يشتري المتعهد ما يشاء من السواعد الفتيه و القلوب ، المحملة بالهموم ، فقط وبخمسة دنانير يعود العامل بعد استغلاله محطماً من هول الضربات الماحقه والتي يطلقها لسان المتعهد الجشع أحيانا على جبينه العالي” اشتغل يا لوح” اللوح يدمي لولا العوز الذي يجلب الشقاء!
وهناك ثمة من يتحركن كالقطعان في سيرهن المألوف.. وخلفهن عيون متربصة لرجال المخابرات ، وأخرى مختلسة لرواد المواخير، فيما يختلج أمثالي إحساس بالرضا، وأنا مختلس النظر إلى ما هو محجوب، فتتعادل مشاعري مع الملثمين، ممارسا حياتي، هازئاً من النميمة! فإذا صدورنا أسرار محجوبة لو أميط عنها اللثام، لمادت الطرقات بنا من ثقل الأقنعة المتساقطة.
هل تريحني هذه الأفكار!؟ ربما ..!
فما زال الوقت متوفراً لدي ، فلا أرغب في العودة إلى ملاعب الصغار والكبار في الشركة التي نمارس مماحكتنا فيها، في ظل مصالح تأخذنا الدسائس فيها إلى غياهب المجهول.. فقط نقول بان المركب يسير..
ولكن إلى أين؟!
ربما نتعادل مع الجميع ..!!
البلطجية كانت تأخذهم الدروب في قاع المدينة قطعاناً، وعلامات مرسومة كالأوسمة على سواعدهم، يصنعون بطولاتهم في هوامش الحياة.. ثم يأخذهم القصاص تحت الشمس، يأخذون أحيانا الإتاوات، ثم لا يستريحون إلا في الحانات، أو وراء الجبانات لاحتساء الخمر، ولإدارة معاركهم الخرقاء أمام زوجات مسحوقات، أو ضحايا عابرين كي ينتهوا في السجون من جديد .
مشاعر من الغبطة والحبور كانت تخالجني كلما وطأت قدماي هذا الشارع الممتد حتى سوق السكر القديم، شيء مألوف قديم يزكم الأنوف، ويسري مع خفقات القلب المتعب إلى سائر هذا الجسم المنهك، فيستشعر مكامن القوة. فيما تندفع قدماي إلى الطريق، مشنف الأذنين، فتتسع عيناي، وتنفتح صناديق الذاكرة المزدحمة بالصور المتقابلة .
هذه المدينة” عمان” حاضرة الوعي ودوحة المنافي.. البحر الذي امتلأ بالمحذوفين إليه من اللاجئين الفلسطينيين فتمازجت فيه ذاكرة المدن المحتلة غربي النهر،(غزة ، عكا، حيفا، الخليل ، القدس ، الخ) مع سكانها يوم كانت بلدة صغيرة تضم في كنفها المهجرين من القوقاز والشيشان وبعض القبائل البدوية ومهاجرون من مدن الشمال والجنوب من موظفي الحكومات المتعاقبة ومنتسبي القوات المسلحة ممن استطاب لهم العيش في العاصمة بعدما توسعت وازهرت باقتدار.ثم أعقبهم مؤخراً اللاجئون العراقيون والسوريون والعمالة المصرية كضيوف على حاضرة المكان.. ذاكرة مكانية تتأجج فيها الصور المؤلمة ويجتاحها الحنين.. ذاكرة من فقد كل شيء ، وبدأ من جديد في رحلة البحث عن الذات، وبناء المستقبل، بعصامية الرواد، ونجاح المتمسكين بحقوقهم، قصص تنبض بها المدينة؛ حتى صارت بتعدد ألوانها المتفردة عروس المدن، وجميلة الجميلات بكل ما فيها.. كلهم بدءوا من هنا..باعة مألوفين، وشائج من الألفة والتعاون تأخذ التجار المتجاورين كل يوم، فمحلات العطارة والقصابين، وبيع القماش والأسماك والخضار والسمانة، يخرجون بضائعهم على الأرصفة، تتجول في سوق داخلي شامل معبق بالتوابل والزعتر والميرمية..نكهات تشدك للعودة إلى الديار السليبة، فلا يخرج عن ذلك حتى المطاعم والمقاهي، ومساحات تحتلها بسطات الملابس القديمة، ومطارح تتخذها السيارات مواقفاً لها ، وأخرى تحتلها حافلات الركاب للقطاعين العام والخاص .
تنفس رجل طاعن في السن الصعداء كان ينتظر سيارة أجرة..موضحاً:
” لم يكن مبنى البنك العربي قائماً، إذ كانت تفور مكانه نبعة غزيرة المياه يرتادها العطشى وهم تحت شمس آب اللهاب في ستينيات القرن المنصرم.. بعد النكسة بقليل.. في زحام المنتظرين لحافلات الركاب ( طوباس، نابلس، الخليل، القدس ، الكرك، معان) وذلك في ساحة السعادة ، وهي الآن نفس الشارع الذي يتفرع إلى شارعي السلط والعبدلي ، وللعلم.. فقد كانت عمان هي السيل ، والمدرج الروماني.. والجبال السبعة التي اعتمر معظمها اللاجئون الفلسطينيون بعد نكبة الثامنة والأربعين، حيث كانت عمان بلدة صغيرة.. أما بالنسبة لي الآن.. في زمن تتربص بنا الهموم والأزمات وعدم الثقة بشيء، فقد أصبحت اللقيمة التي أسد بها جوعي بين أولادي.. وتصفح الذاكرة المكانية كلما زرت مطعم هاشم وسط البلد، وما احتسيه في مقهى البرازيل بجوار البنك العربي .. وما أشاهده في سينما الفردوس التي أقيم محلها الآن مقهى العاصمة الذي تهدم وتحول إلى مبنى يضم مكاتب تجارية.. والمسجد الحسيني الكبير وهو يطلق العنان لمجوّّد الآذان ، كي يأخذني بتسابيحه.. وذكرياتي مع مذياع أبو خليل الكبير أمام دكانه على المسطبة وهو يتقيأ بأخبار السياسة أيامنا”
طوى الرجل ذاكرته ، وانهزم غاطساً في الزحام وتركني في حيرة السؤال.
حتى المارة يدخلون الأحداق ، ويتابعون التجوال في الذاكرة ، فهذا متسول بأسماله البالية ، وذاك ماسح الأحذية يجلس القرفصاء إلى جوار مدخل سوق البخاري، محتوياً حذاءاً ما حط على صندوقه، فينفض الغبار عنه ثم يمسحه بالدهان، مترنماً بحيوية ونشاط، تلاقت عيوننا، ابتسم لي، لولا انشغاله لحياني واقفاً، فهولا ينسى لقاء ذات يوم، حينما جمعتنا ظروف الشتاء تحت المظلة الإسمنتية الخارجية لخمارة (لا أذكر اسمها) .
حتى باعة الكعك بالزعتر، وهم يعبقون الأرصفة بأريج الزعتر الترابي.. يبثون أنفاس طفولتنا في سبعينيات القرن المنصرم ..إذ كنا نعهدهم في باحات المدارس الطينية ، أو بجوار صنابير المياه العامة في مخيم الوحدات، أو يصطادوننا ونحن نرمقهم بعيوننا الجائعة فيما يشد الواحد منا ثوب أمه المنهكة في طوابير المؤن، قبل أن تدخل الدهاليز المزدحمة باللاجئين والتابعة لمبنى الوكالة، وبالرغم مما عانيناه من قرص وصفع؛ إلا أننا كنا ننال وطرنا في نصف كعكة، نأكلها مغمسة بالدموع.
مشاهدات ألفناها مذ عرفنا الشارع القديم،المدرج الروماني.. سبيل المياه.. سقف السيل.. فصارت من ملامحه. لكل شيء بداية ، حتى الطريق له بداية ، والمدينة والناس فيها.. إذ تتكحل بمنابتهم المختلفة، وقد نثرت الجبال السبعة القديمة أهلها في حدود أوسع.. لتكتمل الجوهرة عراقتها، فلكل مدينة عشاقها..
وحينما تتجول في المدينة ذات يوم ، ستقبل على غدك حكيماً ناضج الملامح،هذا هو إحساسي كلما أخوض هذه التجربة وحيداً، أتوغل في عيون المكان، وأهيم بعدها عشقاً بخلجات الشارع، ونبض الزمان، إذ يخرج الضجيج حياً من أعماق الناس ، في تناقض متفرد، تتكامل متاريسه المضيئة بالوجوه المقبلة والمدبرة معاً إزاء الدجى المدلهم.
____
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

