التصنيف : دراسات (:::)
بقلم / حامد الأطير – مصر (:::)
الدولة المصرية لن تقوم لها قائمة ، ولن تتقدم خطوة واحدة للأمام ، أو حتى قيد أُنملة ، طالما ظل حكامها ينهجون نهج من سبقوهم ، ويعتنقون نفس الفكر الفقير و يستخدمون نفس الطرق العشوائية والآليات البليدة العقيمة فى إدارة شئون البلاد والعباد ، فتلك الآليات تدمر ولا تعمر ، تؤخر ولا تقدم ، تبذر ولا تقتصد ، تهدم ولا تبني .
الدولة المصرية تفتقد الاستراتيجية والرؤى والحلم ، ولو توجهت الى أي إنسان فى مصر وسألته عن استراتيجية الدولة وطموحها فى المدى القصير والمتوسط والطويل ودوره فيها ، فستجده يكرر على أسماعك -بمن فيهم كبار المسئولين –أقوال عامة لا معنى لها ، وشعارات جوفاء تلوكها الألسنة ليل نهار ، وستجده يتكلم عن حقوق المواطن البسيطة -التى من البداهة أن توفرها أى دولة كسيحة لرعاياها- على أنها أحلام وطموحات واستراتيجيات ، سيتحدث عن حق المواطن فى كوب ماء نظيف ورغيف خبز جيد ومقعد للطفل فى المدرسة و سرير بالمستشفيات للعلاج ، وهو لا يعلم أن هذه الضروريات والحقوق واجبة ومتوجبة على الدولة ، وليست باستراتيجيات لدولة تعيش عصر تقاس فيه سرعة الانطلاق بالثانية وأجزائها ، ولا تقاس بالأعوام وعشراتها ، كما نفعل نحن منذ زمن وإلى الآن .
إن مصر تبدو كالمرأة البلهاء التى لا عقل لها ولا فكر ولا رأي ، أمست كالسيارة التى تنطلق بلا سائق وبلا كوابح (فرامل ) لتتخبط بمن فيها بالحوائط يمنة ويسرة ، تبدو كبلد للبغال والحمير الإدارية الذين يديرونها بفكرهم الشخصي العقيم ، بلا علم أو إبداع أو خطط ، بلا حلم وبلا أمل ، تدار بالأمزجة والأهواء والاجتهادات الشخصية والمعرفة الضحلة ، وهذا للأسف حال جُل من يشغلون المناصب القيادية ، كُلاً منهم فى فلك يسبحون ، وسياستهم المطبقة هى: من يحب ” النبى” يُفتى بفتوى أو يأتي بفعل عشوائي ، ربما يفلح ويُصلح وربما يفشل ويُخرب ، وغالباً ما يُخرب ، مصر وبجدارة أصبحت بلد الانفلات والفوضى “والسداح مداح” والتخبط والعشوائية ، اختلط فيها الحابل بالنابل -ولتنظر إلى الشارع المصري لتعرف من هم أهل مصر- لدينا فائض فى خريجي كليات الطب ونشتكى من عجز الأطباء و سوء الخدمة بالمستشفيات ، لدينا ملايين فائضة من خريجي كليات التربية والآداب ونعاني من عجز فى المدرسين! لدينا ملايين الشباب المتوجع من البطالة وأصحاب المهن يشتكون من نقص المساعدين والعمال والحرفيين!
مصر بلد الزحام ، ليس بالبشر فحسب بل بالتشريعات العفنة المترهلة التى يصطدم و يناطح بعضها بعضاً ، مصر تضع القانون ومواده و تترك به آلاف الثغرات للتحايل والتلاعب ، مصر بلد عجيب قانونها يحاسب من يبصق على الأرض ، ورغم هذا يستشري الفساد فيها كالسرطان فى الجسد.
المناصب فيها لا تعدو إلا كونها فرصة ماسية وذهبية للتربح والنهب والسرقة والارتشاء ، وليست تكليف لخدمة الوطن والنهوض والارتقاء به ، والمؤسسات فيها لا تعرف حدودها ، وكثيراً منها يحاول التميز والتجبر والجور على غيرها ، وجميع المؤسسات تتعالى وتتجبر على المواطن المسكين وتذله وكأنه خادماً أو عبداً ذليلاً .
مصر صورة بانورامية مثالية ، للهمجية والفوضى والعته والجنون والسفاهة ، حتى فى الفن! الذي صار سلاح أسود للهدم والتخريب يحركه ويتحكم فيه تجار المواشي وتجار الخردة ، وباسم حرية الإبداع ، يصنعون أفلاماً إجرامية ، تحرض على الفسق والعنف والسرقة والإدمان والدعارة والقذارة والانحراف بأنواعه ، ينقلون الينا ما يجري فى بيوت الدعارة وعلب الليل وبعض العشوائيات الموبوءة بما تحويه من عهر وفجر ، وليخرقوا بها أعيننا وأعين أولادنا وبناتنا ونسائنا ، وليشوهوا به وجداننا وليُظلموا به سماءنا وليدنسوا به صورتنا فى أعين الآخرين ، كل شئ في مصر الآن جائزاً ووارد الحدوث على شكل يخالف المنطق والعقل والقانون .
ومصر وبلا منازع دولة الاحتكارات والتكايا والعطايا! ومن التكايا المصرية العتيقة ، القطاع الحكومي الذى يعمل به ما يزيد عن 5 مليون ونصف موظف من العاملين العاطلين! الدولة تحتاج فقط إلى نصف مليون أو على الأكثر 750 ألف أو حتى مليون موظف لتسيير دولاب العمل الحكومي ، لذا فلدينا فى هذه التكية ما يزيد عن 4 مليون ونصف عاطل حكومي متستر ومستتر ، يحصلون من جيوبنا على ما لا يستحقون ويقدمون لنا أسوأ ما يستطيعون ، ومن الغريب أن هؤلاء العاطلون يطالبون وببجاحة وبين الحين والآخر بزيادات وعلاوات وحد أدنى وحد أقصى ، مقابل خيبتهم وتنبلتهم وكسلهم .
ومن التكايا المصرية الشهيرة ، اتحاد الإذاعة والتليفزيون ، الذى يعمل به ما يربو على 43 ألف عاطل! إنه مستنقع آسن رائحته تزكم الأنوف وتعمي العيون ، الفساد فيه لا يمكن تخيله أو تصوره ، اختلاسات ورشى وبيزنس قذر من فوق الترابيزة وتحتها ، وقنوات لا لزوم لها وتعيينات للمعارف والأهل والأقارب وذوي الحظوة ، ولهذا فالأداء الإعلامي المصري متخلف و سئ ، والبرامج مكررة ومعادة ومُقتبسة ، والمذيعات شَمَطات منتهيات الصلاحية ، حاقنات الوجنات والجباه والرقاب بالفيلر والبوتكس لترميم ما أفسدته الأيام ، ومن كثرتهن تشترك أكثر من مذيعة لتقديم الفقرة الواحدة ، ولا يسابق هذا الاتحاد فى فساده إلا تكية إعلامية أخرى اسمها الصحف القومية ، تكية عفنة ، تتخطى عفونتها حدود العقل ، لماذا ثلاث صحف حكومية ومئات المطبوعات الصادرة عنها؟ لا أعرف ، إنها غابة من الفساد ، وديون بالمليارات وإصدارات صحفية لا يقرأها أحد ولا تسترد حتى ثمن الحبر الذي طُبعت به ، أوجدوها ليترأسها هذا أو ذاك ، من المرضي عنهم ، كنوع من المكافأة مقابل خدماتهم فى دعم الجالس على العرش وحاشيته ، ونحن من نمول صاغرين كل هذا الفساد ونتحمل فاتورته .
أيضاً التعليم الفاشل الذى يُفرخ الجهلة والفاشلين ، تكية من التكايا التى يتربح منها بشكل خرافي المدرسون – ولا أقول المعلمون – فهذا اللقب أطهر من أن نخلعه عليهم ، المدرسون الذين لا يخجلون ولا يتورعون عن غرس أنيابهم الشرسة القاتلة فى ثنايا وحنايا جثة -لا جسد- المواطن المصري ليرشفوا ويرتشفوا دمه وماله وأعصابه وستره بتلذذ عجيب ، أيضاً الصحة ومؤسساتها ومستشفياتها ومراكزها تكية من التكايا ، أطباء بلا عمل لا يتواجدون ولا يعالجون و يحصلون على رواتب وبدلات ، لا وقت لديهم لأنهم مشغولون بالإثراء من عياداتهم الخاصة ، وإداريين يختلسون الأدوية والمخصصات العلاجية .
و تكايا أخرى كثيرة كالمحليات وباقي الهيئات والمؤسسات الحكومية وما أدراك ما المحليات والمؤسسات وفسادها وعهرها .
أما عن الاحتكارات ، فحدث ولا حرج ، احتكارات صناعية وتجارية ، تسيطر عليها مافيا شديدة البأس ، عجز القاصى والداني عن الوقوف فى وجهها ، كل شئ فى مصر تقريباً مُحتكر ، السلع كاللحوم والسكر وغيرهما لها مافيا و صناعة الاسمنت والحديد وغيرهما لها مافيا.
إضافة لذلك ، هناك الاحتكارات المهنية والوظيفية والقطاعية ، وأشهرها مافيا الوظائف الجامعية ، التى تميز أبناء الأساتذه وتمكن لهم ، ومافيا القضاء التى تميز أبناء المستشارين وتمكن لهم ، هم وباقى العاملين بهذا السلك ، ومافيا الكليات العسكرية والشرطية التى تميز أبناء العاملين فى هذه القطاعات وتمكن لهم ، وهناك الكثير من تلك الجرائم وهذا الجرم الذي يصطدم بالدستور والقانون .
إن مصر فى حاجة الى ثورة قيم ومبادئ ، للقضاء على الإرث الأخلاقي والقيمي الفاسد ، الذى نعيشه ونحياه ، نشهقه ونزفره ، و نسبح فى بحوره ونتجرعه ونقتاته ونرتديه ونتوسده ، ويمارسه كُلاً منا على مستوى معين أو بقدر متفاوت ، نحن نبت الفساد وأبنائه وحصاده ، ولا نستثني من هذا أحد .
مصر فى حاجة ماسة وملحة وآنية وفورية لتغيير منظومتها الكلية ، الأخلاقية والتربوية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية ، قدر حاجتها للديمقراطية ، الديمقراطية التى يجهل معناها الكثير ، للدرجة التى يعتقدون أنها الحرية المطلقة المُسقطة للواجبات والمسئوليات والتحرر من كافة القيود ، بما فيها القيود والالتزامات القانونية والدستورية ، وعلى هذا فهم يريدون ممارسة الفوضى والبلطجة لا الديمقراطية .
تُرى هل يستطيع الرئيس القادم أن يضبط إيقاع هذا البلد العشوائي؟





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

