هم بشر قبل أن يكونوا فلسطينين

 

التصنيف : اراء حرة (:::)
الكاتب : غاندي أبو شرار – الاردن (:::)
لعل الخطأ الجسيم الذي رافق تشكيل اللجنة الوزارية  ( المكلفة ببحث حقوق أبناء الأردنييات المتزوجات من أجانب  ) تمثّل بعدم إختيار أعضاء ممن يتسمون بالقيم الإنسانية العالية , و هم يبحثون شأناً إنسانياً لا سياسياً كما يُفترض , يمس بحياة و مستقبل و مصير ثلاثمائة ألف إنسان من روح و دم , لا ثلاثمائة ألف حيوان  .
القضية من البداية , ما كانت لتستحق مثل هذا الجدل و السجال العقيمين من النقاش حول منح أو عدم منح أبناء الأردنيات حقوقهم المدنية في المجتمعات الإنسانية التي تحترم حقوق الإنسان , فهي مسألة إنسانية بحتة تتعلق بحقوق مدنية مُكتسبة من حيث المبدأ, و لا تكون موضع خلافٍ و جدالٍ إلا في المجتمعات التي تتبنى معايير عنصرية و تعيش على الدوام في قلقٍ و خوفٍ متلازمين  نتيجة عدم ثقتها بمواطنيها , خصوصاً و نحن نتحدث عن حقوق مدنية فقط , و ليس عن حقوق كاملة تشمل السياسية منها .
أعضاء اللجنة الوزارية إقترحوا إستثناء أبناء الأردنيّات المتزوجات من فلسطينين من مزايا الحقوق المدنية لسببين لا ثالث لهما :
– إما تجاوباً مع رأيٍ مُعارض لمنح تلك الحقوق , خشية الصدام مع رأي وطني له ثقل سياسي – يعارض عن جهل منح أبناء الفلسطينين حقوقاً مدنية , لإختلاط و دمج بعض المفاهيم عليه , كربط مسألة منح الحقوق المدنية بضياع الهوية الأردنية , و هذا الرأي يزيد من شحن المجتمع ببذور الكراهية العنصرية في وقت يعتقد فيه أنصار هذا الرأي أنهم يحافظون على خصوصية المجتمع الأردني , و لقد أثبت التاريخ فشل نظرية العرق الألماني و اليهودي من قبل .
و معالجة هذا السبب تقع على كاهل اللجنة الوزارية بإقناع أنصار هذا التيار بأن موقفه مبنيٌ عن جهل و خلطٍ للأمور , و لا يتماشى مع معايير حقوق الإنسان , و سيشكل حرمانهم من حقوقهم خطراً لا مفر منه في المستقبل , و أن هذه الحقوق المدنية لا تمكّن هذه الشريحة الكبيرة من ممارسة حقوقهم السياسية و بالتالي لا خوف من ضياع الهوية الأردنية , و لا مبرر لإبقاء عقوبة الفصل العنصري عليهم .
– السبب الثاني , قد لا يكون إلا خوفٌ و خشيةٌ لدى اللجنة الوزارية – و هي صفة ملازمة لسياستنا الحكومية على الدوام –  من أن يكون منح تلك الحقوق المدنية لهذه الشريحة ليس إلا مقدمة لمنحهم باقي الحقوق المنقوصة ( السياسية ) في المستقبل , و بالتالي زيادة نسبة الأصول الفلسطينية , زيادة على زيادتها من الأساس . و هو ما سيقود في نهاية المطاف إلى ذوبان الهوية الأردنية  .
برأي الشخصي , أن طرفي النزاع ( ممن يمارسون دور الجلاد ) قد بالغا جداً في مخاوفهما و في تحليلاتهما و يعولان في تبريراتهما على شماعة الحفاظ على حق العودة للفلسطينين , دون وعيٍ منهما أنهما قبلا من قبل بتجنيس أربعة ملايين إنسان فلسطيني, بل و لم يعيا أن سيدتين فلسطينيتين تُّوجتا كملكتين في الأردن من أصل أربعة ملكات شهده تاريخ الأردن الحديث .
بات من الصعب جداً , إقناع كلا الطرفين بأن حق هذه الشريحة الكبيرة  في التنقل و التملك و العلاج و التعليم لن يؤثر على الهوية الأردنية بأي شكل من الأشكال , طالما أن هذه الشريحة موجوده في الأساس داخل المجتمع الأردني,و لن يتم إستقدامها من الخارج كما حدث مع يهود الفلاشا التي أثارت قضيتهم يوماً ما جدلاً واسعاً داخل الكنيست الاسرائيلي .
بل و كيف لنا أن نحذر كلا الطرفين من أن الإستمرار في تهميش حقوق هذه الشريحة لا يمكن النظر إليه في المستقبل القريب  إلا كقنبلة ديموغرافية مؤقته لا حل لها مطلقاً , إلا بإستيعابها و دمجها داخل المجتمع الأردني .
أتفهم غياب دور المركز الوطني لحقوق الإنسان عن إبداء رأيه الصريح و الحيادي في مثل هذه القضية الإنسانية , لأن أي رأي سيكون لصالح تمكين الضحية ( أبناء الأردنييات ) و بالتالي فإنه غير قادر للأسف على معارضة اللجنة الوزارية , و في هذه الحالة يعتبر السكوت أبلغ كلاماً , رغم أن وظيفته الأساسية لا تتطلب السكوت في مثل هذه القضية الهامة .
إن مثل هذه اللجنة الوزارية و التي أقل ما يقال بشأنها أنها لجنة عنصرية , يستحق أعضائها المحاكمة أمام محكمة العدل العليا , لجريمة إنسانية يرتكبونها بحق شريحة كبيرة من المجتمع لا تقل إجراماً عن جرائم الإبادة الجماعية .
فما الفرق بين قتل إنسان و حرمان إنسان أخر من أبسط حقوقه , بل أحيانا كثيرة يكون القتل أكثر رحمة للإنسان , فخير له أن يموت لمرة واحدة بدل أن يموت في اليوم مائة مرة , يعيش مهمشاً و معزولاً داخل المجتمع , يشعر بالفصل العنصري و المعاملة اللاإنسانية الحاطة من كرامته .
الخيارات العملية المتاحة أمام اللجنة الوزارية محدودة للغاية , فإما تشجيع هذه الشريحة على الهجرة من الأردن إلى دول العالم و هو خيار جيد و ممتاز بالنسبة لهذه الشريحة .
و إما دمجهم داخل المجتمع الأردني , تفادياً لأي قنبلة ديموغرافية موقوته , لن تجد لها الحكومة بد في نهاية المطاف , إلا الدمج .