العبودية في الوطن افضل من الحرية في المهجر

 

التصنيف : اراء حرة (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
لا أحد يستطيع الانكار بأن البؤس واليأس والحروب الاهلية والجهل والفقر داخل الاقطار العربية ، يضاف اليها حالة الضياع والانقسامات التي يعاني منها الفلسطينيون ، هذا وغيره زاد من حالات التسليم بوجود خيار الواقع الاسرائيلي ، رغم ان هذا الواقع لم يتقدم نحو الافضل الذي ننتظره ويتمناه المواطن العربي في اسرائيل .
باختصار شربنا هذا الواقع المر لأن البدائل اكثر مرارة ، لأنها تعني التحدي بكل مقاييسه للمشاريع الصهيونية التي تسعى دائماً لوضع حد لتجذرنا داخل طبقات وعهود الزمن وتاريخ هذه البلاد ، القبول بهذه المرارة يأتي ايضاً لتفنيد فرية نسجتها الصهيونية تدعي من خلالها بأن فلسطين كانت وطناً بلا شعب ، هذا هو جزء من ثمن المعاناة الذي يدفعه غالبية المواطنين في الداخل الفلسطيني .
اعترف احد العاملين خلال محاضرة نظمها מכון שלוח التابع لقسم دراسات الشرق الاوسط في جامعة تل ابيب ويدعى بروفسور اوري دان ، بأن الاجهزة الامنية والمؤسسة الحاكمة في اسرائيل انتظرت طويلاً كي ترى طوابير من الشباب العرب يصطفون فوق ارصفة الموانىء الجوية والبحرية الاسرائيلية في طريقهم الى المهجر ، خاصة الى استراليا وكندا والولايات المتحدة و اوروبا الشمالية ، هذا يعني ان الحكومات الاسرائيلية واجهزتها المختلفة كانت تتمنى تفريغ البلاد من مواطنيها العرب ، اعترف هذا المستشرق بأن الاجهزة المذكورة اصيبت بخيبة امل بعد ان لمست ان الاجيال الشابة متشبثة بتراب وطنها كما الاجداد والآباء ، واضاف بصورة حاسمة وبدون جدال ، بأن فلسطين باقية وحية بقضيتها ومأساتها في اذهان الملايين من ابنائها ، ومن ضمنهم عرب الداخل .
ان مآسي الشتات والتشريد واللجوء جعلت غالبية الفلسطينيين يفضلون العبودية داخل الوطن عن الحرية خارجه ، اما عرب الداخل فيعيشون اليوم بين مستحيلين ، المستحيل الأول البقاء في الوطن مع ضمان الأمن والأمان ، اما المستحيل الثاني التشبث ورفض الاقتلاع واللحاق بقوافل المشردين .
بدون شك المواطنون العرب يعيشون في قلق دائم ، وفي حال ابتكار دائم لإشكال التحايل على الظروف القاهرة  للبقاء داخل الوطن ، لقد صمدوا ضد كافة الاساليب اللا انسانية التي مارستها السلطة ضدهم بهدف التسليم بقبول سياستها العنصرية او لتهجره من الوطن ، في مقدمة هذه الاساليب استعمال عصا الحكم العسكري الذي استمر عقدين من الزمن ، كانت سنواته عجاف ، المضحك المبكي أن  وزارة المعارف في اسرائيل  تتجاهل ذكر تلك السنوات  في مناهجها التدريسية لأنها بمثابة وصمة عار في تاريخ الدولة الاسود ، لقد استغلت السلطات الاسرائيلية هذه الفترة وقامت بمصادرة غالبية مساحات الاراضي التي يملكها المواطنون العرب في الجليل والمثلث والنقب ، كما وضعت يدها على اراض وعقارات خاصة بالوقف الاسلامي داخل المدن وخارجها ، هذه السياسة التي حولت الكثير من القرى العربية اشبه بجزر محاطة بمياه عادمة ومناطق الحرام ، كما هو الامر في قرية جسر الزرقاء وقرية جلجوليه اضافة الى عشرات القرى في النقب والجليل ، وهناك الكثير من القرى التي طرد سكانها منها وتحولوا الى لاجئين في وطنهم مثل قرية المفجر وبرة قيسارية ولوبية والحدثة والمجيدل و ميعار ومعلول وغيرها .
يقول الحكماء ان النكبات تجلي معادن الشعوب ، وقد كشفت نكبة الفلسطيني معدنه الحقيقي فزادت من انتمائه وتشبث اكثر بهويته ، لم يتأخر فلسطينيو الداخل من الكشف عن معدنهم بعد النكبة وبعد زوال الحكم العسكري الذي زاد من تشبثهم بتراب وطنهم وعمق هويتهم وهذا كان بمثابة لطمة في وجه المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة التي خططت غير ذلك .
لجأت السلطة المذكورة الى اسلوب آخر من  الملاحقة لعلها تكسر ارادة المواطنين العرب فاستبدل الحكم العسكري بحكم مدني ومسميات وهمية اخرى ، جميعها كانت خاضعة لأجهزة المخابرات التي اصبحت المسؤولة المباشرة عن مراقبة المواطنين العرب والتدخل في قضايا كثيرة هامة تخصهم ، حتى قروض المشكنتنا كانت تحت رحمتهم ، ولا تزال هذه الاجهزة تتدخل والمسؤولة عن توجيه اجهزة التعليم في الوسط العربي ، اضافة الى تدخلها الفاضح في تعيين القضاة للمحاكم الشرعية ووصل الامر بهم التدخل في تعيين ائمة المساجد ومراسلي التلفزة والاذاعة الناطقة بالعربية ، مع ذلك فان هذا التدخل زاد من اصرار المواطنين العرب على التماسك ووحدة الصف والصمود والتصدي لكل مخططات الأسرلة والتجنيد ومصادرة المزيد من الاراضي .
لقد تحمل العمال العرب على مر السنين قساوة سوق العمل الاسود ، بفضل هذا الصمود وشد الاحزمة على البطون تخطى الاف الطلاب العرب عتبات الجامعات والكليات الاسرائيلية وغير الاسرائيلية ، فظهر جيل جديد ، جيل الامان جيل البقاء والاستمرار في الوطن ، لم يعد العاملين في المشافي الاسرائيلية من المواطنين العرب يعملون في الخدمات كما ارادهم الكثيرون من قادة المؤسسة الحاكمة الذين كان شعارهم العرب حطابين وسقاة ماء ، اذ يتواجد اليوم في كافة اقسام المستشفيات  خيرة الاطباء والصيادلة وعاملي المختبرات والتمريض وفي اقسام الهايتك والحواسيب وغيرها من الاعمال والمناصب التي كانت مغلفة بالتمييز وحرمان العرب منها  ، وكانت علامات التعجب ورفع الحواجب عندما يبرز عربي ويتفوق ، لكن اليوم نرى أولادنا في كل مكان يبارزون ويبرزون .
يجب ان لا ننسى دور القوى والحركات الوطنية التي كانت بمثابة السقف الذي وفر الدعم والوقوف لمعاضدة القوى العاملة في المصانع والمزارع وعمال البناء وباقي قوائم الاعمال السوداء ، واجهت هذه الحركات الوطنية وعلى رأسها الحزب الشيوعي مخارز القوى الجشعة التي تحاول هضم حقوق العمال ، لقد واجهت هذه الحركات  بكل اصرار وتواصل وشجاعة حربها ضد الاستغلال ، للذود عن حقوق الطبقة العاملة من خلال الاطر النقابية التي وصلت اليها .
اليوم وبعد فشل هذه الاساليب في كسر روح المواطنين العرب ، تحاول المؤسسة الحاكمة اعتماد اساليب جديدة لعلها تفلح في ترويع المواطنين العرب وارهابهم ، لم يجدوا افضل من استخدام قطعان الكلاب السائبة من اوباش المستوطنين والعصابات الداعمة لهم من الاحزاب اليمينية الذين يقومون كل يوم بارتكاب جريمة جديدة ضد دور العبادة والمقابر والاملاك الخاصة والمركبات وتخريبها وتلويثها بشعاراتهم .
هذه الاعمال لا يقوم بها الا الجبناء الذين ينتظرون الظلام والعتمة للقيام بأفعالهم الدنيئة ، انهم يحاولون من خلال هذه الاعمال الاستفزازية جر المواطنين العرب الى مواجهة اما مع الشرطة واما مع هؤلاء الاوباش ، عندها يتحول العرب وهم الضحايا الى متهمين ، هذه الجرائم ترتكب يوميا وحكومة نتنياهو صامتة تتبع سياسة القرود الثلاثة المعروفة – لا ارى لا اتكلم لا اسمع – .
ان صمت السلطة وادعائها بانها عاجزة عن وضع حد لهذا الاستفزاز وهذا الاعتداء على الاملاك ومقدسات المواطنين العرب يؤكد بانها معنية وبانتظار قيام مجموعات من الشباب العرب بأعمال مماثلة كرد فعل على ما اخذ يعرف بجرائم تدفيع الثمن وهذا بالتأكيد سيؤدي الى وقوع مواجهات لا احد يعرف كيف ستنتهي ؟؟
من اجل وضع حد لهذه الظاهرة من واجب الشرطة الاسراع في معرفة هؤلاء الجبناء وضربهم بيد من حديد ، الا ان هذا سيبقى اجرائيا وقوميا اذا لم تمنع الاحزاب اليمينية والمدارس الدينية من الاستمرار في نشر وبث الفكر العنصري الارهابي ضد المواطنين العرب.
حكومة نتنياهو غير معنية بوضع حد لهذه الظاهرة العدوانية من قبل هؤلاء الخفافيش لأن هذه الحكومة لا تستطيع البقاء في السلطة بدون عنف ، فالعنف ورفض السلام بالنسبة لها الدم الذي يضخ يوميا في عروق وزرائها ، وقد اعترف رئيس المخابرات السابق كارني غيلون بهذه الحقيقة ، ومن فم المسؤولين أدين هذه المرحلة  .