التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
الفيلم التسجيلي ” ليالي بلا نوم” يعود بنا إلى أحد فصول الحرب الأهلية اللبنانية الدامية، مستعيداً الماضي ليسلط الضوء على انعكاساته وتأثيره على الحاضر اللبناني، وذلك من خلال تتبع قصة (أسعد شفتري) المسئول السابق في استخبارات الميليشيا المسيحية ،» القوات اللبنانية « التي مارست دوراً دموياً في تلك الحرب. فتتمحور قصة الفلم حول مريم سعيدي، الأم التي فقدت ابنها عام 1982 بينما كان يقاتل في صفوف “الحزب الشيوعي اللبناني” إذْ يُقَلِّبُ الفلم جراحات الحرب فيجمع القاتل بالضحية ويتساءل إن كان الغفران والخلاص ممكنين في هذا العالم الذي يلفه الضباب.
يروي الفلم قصة البحث عن ماهر قصير من قبل أمه مريم. تلك اللبنانية التي فجعت بفقدان ابنها؛ والتي لم تتوانى لحظة في البحث المضني عن ابنها المفقود في الحرب الأهلية اللبنانية مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، لم تدرك هذه السيدة الجبارة بأن الموت المجاني الذي حصد آلاف الشباب اللبناني آنذاك، كان نتيجة مقيتة لحرب عبثية أكلت الأخضر واليابس بنيرانها المجنونة؛ إلا من خلال اللامبالاة والبرودة التي يقف فيها قادة تلك الحرب الملعونة إزاء سؤالها الرهيب:” أين ابني ماهر قصير، الذي فقد بعد معركة الكلية التي خاضها شباب الحزب الشيوعي مع الجيش الإسرائيلي عام 1982 إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
المحاربون القدامى الذين خاضوا المعركة من طرفي الصراع لا يريدون نبش الماضي ويشيحون بوجوههم عن السؤال الرهيب الذي يحاصر الأم التي فقدت ابنها في ذلك الوقت الضائع. فيهربون بذاكرتهم المنهكة من عين (الكمرا) المحمولة، التي بدورها راحت تحاصرهم في دهاليز الهروب وتطاردهم بأسئلة الأم المفجوعة بفقدان ابنها الذي اختطفه الغياب بل رجعة، كي تعيدهم إلى ذاكرة الحدث المؤلم، فتلح عليهم” بربكم قولوا شيئا”. فلا تجد سوى الردود الباهتة والتجاهل المزري والصد أحياناً وكأنها تبحث عن قطة هاربة، كأنهم نسوا تماماً تلك المبادئ التي أغرت ماهر قصير ابن الخامسة عشر تاركاً لأجلها دراسته وقيثارته التي كان يلوذ إليها هارباً من همومه الصغيرة. فها هي ترد على كاتب الأرشيف في الحزب الشيوعي الذي طردها بجلافة بعدما أرهقته بأسئلتها لتنفجر غاضبة في وجهه” هذا ابني ألم تدرك ذلك بعد!!؟” ولولا مسئولة المكتب التي أخذت تطيب خاطرها جانباً بتبريرات معسولة لقتلت مريم قهراً، وخاصة أن مسئول الحزب الذي طاردته عين (الكمرا) شكك من نوايا القائمين على الفلم فيما كان يُقَلِّبُ بأنامله سيجاراً فاخراً قبل أن يلقمه فمه لينفخ الدخان وكأنه في المقهى، ثم ولى هارباً تاركاً الفوضى تعم موقع التصوير.
وكانت مخرجة الفلم إليان الراهب تقحم خصوم ذاكرة مريم في قلب الحدث ” الحرب الأهلية اللبنانية” الذي يهرب منه الجميع، فتصطادهم عين (الكمرا) في المحميات الطبيعية رغم أنهم استؤمنوا عليها ليمارسوا هواية الصيد هناك باحتراف، خلافاً للمهام المنوطة عليهم كأمناء على الحيوانات فيها، وربما هال مريم ذلك الفتى الصياد وهو بعمر ابنها الذي انهمك في صيد أرنباً برياً ليقوم بعدئذ بسلخه فيما كان يجيب على سؤال المخرجة” نعم أشعر بالانتكاسة كلما أفشل بصيد الطريدة. ورغم ذلك لا أحفل بها حينما تصبح تحت نصل سكيني في الوقت الذي لا يغمرني ذلك بالسعادة. ويردف: لقد تعلمت الصيد لأن والدي يحب اقتناء الأسلحة ووجدت نفسي في بيئة تمارس الصيد منذ الصغر. وكان أحد المقاتلين القدامى قد اعترف بأنه ينتمي لمقاتلي الكتائب اللبنانية وتدرب على القتال في الكيان الإسرائيلي( قالها ببرود) وأشار إلى قائده آنذاك والواقف إلى جواره (أسعد الشفتري، الرجل الثاني في مخابرات حزب القوات اللبنانية ( والذي كانت له صولة سجالية مع المخرجة والأم مريم في المتحف ذلك المكان العاصف بالذكريات المؤلمة وهو يروي تفاصيل تلك الحرب العبثية من خلال الصور، واللوحات الفنية التعبيرية، وخاصة الجدارية الضخمة وهي تذكرنا ب(الجيكوندا) التي عبر فيها التكعيبي (بيكاسو) عن الحرب الأهلية في اسبانيا مطلع القرن الماضي، إضافة إلى منحوتات لوجوه صارخة في وجه المجهول؛ كأنها تدين حالة النسيان التي طوت بطولاتهم مجاناً. ربما في حالة السلم الأهلي يحبذ الجميع الهروب من وجه العاصفة، إلا مريم التي كانت تصرخ دائما” إنه ابني ماهر” فترفض اعتباره شهيداً لتصرخ في وجه ( الشفتري) “دلني عليه! أو أفصح لي عن أماكن المقابر الجماعية التي كنت أحد أسرارها!! فأنا لم أجد ماهر بين هذه الصور المعلقة في المتحف!” فتصاب بحالة هستيرية! والمخرجة تدير عين (الكمرا) اليقظة في الوجوه المنفية بعيداً عن الذاكرة الحاضرة في زمن العولمة وتشابك المصالح.وكان ( الشفتري) يحاول تمالك مشاعره أما أسئلة الأم فيداري خجله من مرحلة ربما يفضل نسيانها ورغم ذلك حاول جاهداً تبرير موقفه آنذاك معتبراً بأن الحرب كانت موعودة من الرب باعتبارها تناصر الحق المسيحي في كيان مستقل؛ لكن ما يسجل له في هذا الفلم هو إدانته لكل المشاركين في الحرب الأهلية دون أن يسميهم، عبر فضح ممارساته الشخصية التي انطلقت من تربية منزلية وفهم خاطئ لمسيحية أقيمت على تفوق غير مبرر على الديانات الأخرى، ومضى لتطبيقها على أرض الواقع.
واليوم يفهم (الشفتري) المسيحية بطريقة مختلفة، ويقول إن مسيحيته تدعوه للتوجه لكل الشباب وتوعيتهم كي لا يدخلوا في دوامة العنف والتعصب والجهل التي تم جرهم إليها.
وسعت المخرجة (بمساعدة كاتب السيناريو نزار حسن) إلى الشرح بجرأة، كيفية تركيب الأيديولوجيات في تلك الفترة. ورغم أن الشفتري لم يتجرد من الحالة اللبنانية ولديه خطوط حمر وهي الطوائف والأحزاب، فهو (بحسب إليان) ينتظر الحالة اللبنانية أن تصبح جاهزة ليضع كل المعلومات على الطاولة ويدلي بما لديه. ربما كانت هذه الشعارات التي استعادها (الشفتري) متحرجاً تقابلها شعارات أخرى من الطرف الآخر؛ فهي حرب أهلية طائفية ضروس. سوى أن ماهر ابن مريم (الشخصية المحورية في هذا الفلم) كان قد التحق بالمقاتلين في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني لمقاتلة المحتل الإسرائيلي الذي اجتاح وطنه آنذاك، فتردد مريم” يكفي أنه ابني”. من هنا أصرت مريم في البحث عنه حتى النهاية، ترافقها مخرجة جادة ابتغت من هذه الرحلة العسيرة في تفتيش الماضي والتنقيب عن أسراره المؤلمة، شيئاً يحرض عليه وعيها لاستكمال الرواية اللبنانية حول المفقودين في تلك الحرب القذرة.
هذا ما استشعرته كمتلقي لفكرة الفلم التسجيلي الهام “ليالي بلا نوم” للمخرجة اللبنانية إليان الراهب التي رفضت الوقوف عند أي حدود في الفيلم، فهي غاصت عميقا في تعريف كيف يكون الإنسان في الحروب؟ وكيف تتكون شخصيته؟ وكيف يدمر نفسه ومن حوله؟ وكيف يكون الجلاد أيضا ضحية. وتعترض المخرجة اللبنانية على النسيان المتعمد والاستسلام المطلق “لأمراء الحرب”. واللافت أن الأسلوب التحقيقي الذي استخدمته مع العناصر التي تؤلف الأفلام الروائية قدمتهم في وثائقي مع شخصيات حقيقية من 128 دقيقة تعمدت رصد ردود الأفعال من خلال مواجهة الخصوم القدامى لبعضهم عبر أسئلة تحقيقية عاصفة وهادفة. فكانت الصراحة هي السائدة على اعتبار أن الحديث يدور في زمن التوافق النسبي والذاكرة المهملة. ؟ وكانت تدخل الشخصيات الحقيقية في جو تلقائي مفعم بالمشاعر المختلطة كأنها تستدرجهم إلى موقع ترصده (كمرا) خفية. في نهاية الفيلم تصل إليان مع مريم إلى مكان المقبرة الجماعية التي أخبرها مقاتل سابق في القوات اللبنانية، أن مقاتلي الحزب الشيوعي بينهم ماهر دُفنوا فيها، بعدما أكد لها أن أحداً لم يبق حياً من الذين عجزوا عن الهرب. فتنتاب مريم حالة من الذهول والصمت المطبق، ثم تسير في الاتجاه المعاكس بعد مخاض ثلاثين سنة من البحث المضني عن فلذة كبدها الذي هرسته الحرب؛ إلا أنها وقفت أخيراً على مصيره فانزاح عن كاهلها حملا ثقيلاً. لكنها أيضاً أثبتت عبر رحلة البحث والتقصي أن اكتشاف مصير المختطفين حتى لو كانوا في مقابر جماعية أفضل من بقائه مكتوما، وهذا سيشجع على فتح ملف المفقودين من جديد.
الفلم يطرح أسئلة صعبة بعد انقضاء ثلاثين عاماً على حرب اختلطت فيها الأوراق وتشعبت في رحاها الاتجاهات وانكسرت الثوابت.. وقد دفع لبنان وشعبه فاتورة تلك الحرب القذرة التي انطوت على أسرار لم يكشف منها( الشفتري) إلاّ القليل. وكان الأجدر به الغوص أكثر في تفاصيل الماضي كي تتبلور الظروف التي أدت إلى حصول تلك المجازر فلا يكتفي واعداً بوضع كل الحقائق التي كان شاهداً عليها أو مشاركاً فيها على الطاولة. وخاصة أنه يمتلك الاستعداد والشجاعة لفعل ذلك بد أن أبدى ندمه ( المنقوص) ومعتذراً عن دوره في تلك الحرب القذرة كجلاد لا يرحم، فيما دأب منذ قبل حوالي عشر سنوات على مساعدة أهالي المخفيين لإيجاد أبنائهم مكفراً عن ذنبه. هذا الرجل الذي يحمل الكثير من أسرار تلك المرحلة التي كان شاهداً عليها؛ يرفض الكشف عنها بذريعة أنه لا يسمح لنفسه الحديث عن أفعال جماعات وتنظيمات بعينها. أو خشيته على السلم الأهلي الهش في لبنان! لكنه في محصلة الأمر قدم اعتذاره لأم عاندت النسيان، فظفرت أخيراً بالحقيقة وإن كانت مرَّةً؛ فهجع قلبها المكلوم.. وصار بوسعها أن تنام. وتجدر الإشارة إلى أن الفلم حصل على جائزة اتحاد النقاد السينمائيين الدوليين من خلال فرع الاتحاد في مصر.
* كاتب فلسطيني من الاردن __________________ *رابط الفلم: http://www.youtube.com/watch?v=xd3Nu6qDvVQ





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

