التصنيف : اصدارات ونقد (:::)
الناشر : مجموعة النيل العربية – 2014
الدار أو البيت شغل كثيرا من الكتاب ليكون هو مكان الصراع البشرى – الدرامى ، ومع أنه أى الدار أو البيت السكن ، والسكن يعنى الهدوء واللجوء إلى ظلال جدرانه وما فيها- أو هكذا ينبغى أن يكون – من أواصر قربى تجمعها وحدة المكان والذكريات وربما فى أحيان كثيرة وحدة المصير ، إلا أن هذه الجدران تحوى بينها أيضا كل ما هو سرى تحتفظ به فى عتامة جدرانها ، ويضج ضيقها به ، فيتسرب هذا السرى من خلال أبوابها أو نوافذها أو من خلال أحد سكانها الذين يثورون على السرى فيعلنه خروجا عن المألوف والمستقر ، أو من خلال إحدى العيون المتلصصة أو أى عارض يدخل ليخرج هازما الثابت آخذا به حيث الشمس فى الخارج ، ليست هذه مقدمة ، ولكنها محاولة للوقوف على تلك الدراما العائلية التى يقدمها الكاتب مصطفى البلكى فى روايته ” سيرة الناطورى ”
إذن نحن مع دراما عائلة فى موقف مثالى هى هزيمة بطلها ، ولكنه فى نفس الوقت الحلم المعلق عليه كل آمال العائلة والبلدة فى مراوغة هى من أحد أسس التفكير الشعبى بلا مبالغة منا أو من الكاتب ..
” سكرة ” التى فى موقفها من الناطورى تجليات قد تكون زائفة أو حقيقية تجاه أفعال هؤلاء الأبطال الملحميين الذين يفجرون الأحجيات وهى من هولها صادقة صريحة لا تلجأ إلى غموض أو مداراة ، ولكنها تصفع الصدق ليكون صدقا ، وهى تعلن من خلال تراكمات داخل النص أن ليس موت الناطورى هو الذى يستحق الرثاء ، ولكنه ذلك الانحدار فى شخصيته عندما كان مازال يتنفس نفس الحياة ، لذا ربما نفهم عبارة البلكى التى قدم بها روايته ” العودة لا تعنى لى شيئا .. لكن تعيد وجودك ” هكذا كتبها ، ولكنها أيضا تصاحب بطل العمل الذى يرى ويحلل ويقص كأن البيت يتنفس تلك المآساة فى موت االجد – لأب – الزوج – التقاليد – وتصاحب بقية سكان هذا البيت على امتداد صفحات الرواية ، فى افتتاحية الفصل الأول ( اليوم الكابوسى ) يكتب البلكى بطريقة المتسلل الذى ربما يعرف المكان ولكنه على حذر من الاندفاع نحو التورط الكامل ، فهو المتأمل للأفعال ، وطارح أو المستمع للأسئلة والتى قام عليها البناء الروائى ، وليس القتل الفردى هنا هو المحرك لللأحداث ، ولكنه الموت لما نسميه النخوة فى الحفاظ على أرضك التى هى فى عرف أهلنا عرضك ، فويل لمن يفرط فيه ، فسوف يلاحقه العار ولن يجلله إلا الهوان ، الراوى ” حسين ” لكى يعلم – فلم يقدمه البلكى بالشكل التقليدى ، أى الراوى العليم – يتحسس كل صغيرة وكبيرة من أفعال السلف لعله يقف على أسباب الانهيار ، فهو دائم الولوج إلى الماضى وأحداثه حتى ولو ضمت بين دفتيها جحيما ، تجمع تلك الأحداث الماضية ومحركها ومفجرها ” الناطورى ” مرتفعة به لخضم الملحمة ذات النفس التراجيدى ، وكأن الرواية فى مجملها مرثية طويلة يتشابك بها المصير الفردى مع المصير الجمعى ، تراجيديا نلتقى بها دائما عبر الماضى ، والماضى فى الحقيقة يأخذ ولا يعطى ، ولكنه يطل بنا على ذلك العارض عندما يقتحم الثابت ، فتكون الحرب بينهما ، وتكون المآساة حينما تكون الغلبة للعارض ( كان المؤذن ينادى على الصلاة فيقبل الناس ، تمتلىء الجوامع ، فيؤدى الفرض على أكمل وجه ، وإذا ما خرجت الأبدان راحت تنقر الأرض ، تستخرج من جوفها ما تأكله ، استمر الحال حتى دخل البلدة رهط من أولاد نمنم ، يتقدمهم عجوز كان يسقى الناس من شهد لسانه فيسكرهم ، قال ما جدوى العمل والفناء النهاية الحتمية لكل شىء ، وأن الرضا مجداف ، والرضا سفينة ، والتاس أينما وجدته التفت حوله ، أيامها نسوا أهله الذين دقوا خيامهم فى أطراف البلدة ، وكالثعبان بدأت حركاتهم ، يلتهمون كل شىء ، ولما انتبه الناس قال لهم العجوز إن الدنيا دول ، وإن الملك يؤتيه الله من يشاء – من الرواية ص 82 ) البلكى يعرف هذا وكذا بطله ، وفى حضور ” سكرة الأم – الزوجة – الواقفة فى منتصف المسافة بين الماضى والحاضر – فكأنها يد قدر ما أن تسكن روح الماضى ، حتى تعيد من رماده نارا لا تخمد ، فلحظة موت الناطورى هى الهزيمة للبيت ومحيط البلدة ، فلا نامت أعين أهلها ، ولا عرفت جنوبهم وعقولهم راحة أمام كابوس هذا المخلص الذى قتل غيلة أو تدبيرا من جانب هؤلاء الأغراب – العارض – إذن سكرة الرواية تجعل من الفقد تهمة تلاحق الجميع ، وتظل تلغ بأصابعها فى الجرح ، وآهات الألم والتوجع وعلامات الخزى على الوجوه لا يجعلونها ترتدع وتسكن ..
يقول دكتور مصطفى عطية : ” نحن لا نعبر الزمن مرتين .. نحن نخترقه وما سبق هو ظل يلاحقنا ، ولكنه أبداً لن يلحق بنا ، وبرغم ذلك نكرر كلمات تدركنا وكأن ليس للزمن عليها من أثر .. ”
تأتى المفاجأة من الناطورى نفسه ، فهذا العملاق الجبار المهيب كانت البلدة تعول عليه فى تحجيم هذا السرطان ، فتهاون بعض وقت فى حسم أمر التعامل مع الأغراب الذين ظلوا يزحفون على أرض البلدة فامتلكوا نصفها ، وهم يطمعون فى البقية منها ، وحتى صاحب النجوم على الكتفين حينما يحضر بسبب الوشاية للبحث عن السلاح الذى يملكه ، ومد يده ، فلم يحرك الناطورى ساكنا ، وكان الضابط كأنه فى محاولته يقول قول ” أبو سفيان ” : لو أزلنا رأسك لزال الشك كله ” محسن يونس





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

