السكويلـــــــه

 

التصنيف : القصة (:::)

قصة : أحمد بلكاسم – المغرب (:::)

ركنت دراجتي في مكان آمن من الشياطين. ورحت أبحث عنهم تحت أغصان الأشجار الباسقة، لعلّهم يلعبون الورق تحت ظلالها الوارفة، نقبت عنهم في الساقية، ربما أرادوا التخلص من عرق الليلة الجهنمية الفارطة بمياهها الدافقة، أرهفت سمعي فلم أجد لهم وقرا، ولم أقبض إلا على مويجات تتسابق جذلانة في التواء عجيب نحو المصب.

ترى أي واد سحيق  ابتلعهم، وأية لعبة جديدة ذهبوا ليلعبوها دون أن يشركوني فيها؟.. أكيد أنهم استاءوا من خذلاني لهم وترك عرين فريقنا دون حراسة،  حين كان يدب الملل إلى نفسي وأنا واقف بين صخرتين، بينما جل اللاعبين في معترك مرمى الفريق الخصم يترافسون و يتراكلون وسط عمودغبار أحمر.

أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي التواقة للعب، حول سبب اختفائهم المباغت، وفي نفس الوقت كنت آمل أن يظهر شبح أحدهم في  جهة ما من  الجهات الأربع، فتراني أرهف السمع لنباح أي كلب، فعادة ما كان يعقبه صراخهم المزعج، فهم كالغزاة لا شيء يسلم من ركضهم ودبيب حوافرهم، لا النحل في خليته، ولا قطيع الماشية في زريبته، ولا الدجاج في خمه، ولا الغسيل المنشور على حبله،  ولا بعض الثمار في أغصانها. كل شيء يستلطف اللطيف ويرجوالسلامة منه، إذا هم مروا بمحاذاته، حتى حراس الضيعات وحماة حقول البرتقال الأشاوس، انهارت أعصابهم من حالات الاستنفار الشديدة، التي أرغموا عليها من لدن جيش تاتار الدوار، فلا عصيهم البطاشة ولا مقالعهم السديدة، استطاعت أن تفت من عضد كتائب الغزو  العتيدة، التي  تستحلي التهام الثمار فجة قبل نضجها.                                                    لما يئست من طلعتهم البهية، عدت أدراجي إلى المنزل أجر أذيال الخيبة، لاحظتني أمي  متجهما، وبادرتني متسائلة:

– ياك ما تخاصمت مع شي واحد من صحابك؟

– لا.

– ما سرهذا الوجوم؟

– لا أثر لأصحابي في الحارة، لا أدري أين ذهبوا ليلعبوا بدوني.

ردّت باسمة وهي تغطس الأواني في حوض الماء:

– أيها الأحمق الصغير لقد ذهبوا إلى المدرسة، أنت أيضا لوكان أبوك حاضرا لسجلك معهم.        حينئذ تذكرت المغزى من قول العمّة يامنة وهي تساعد زوجها في تثبيت البردعة على متن الحمار، وتضع كيسي الحبوب في الخرج المصنوع من الحلفاء، وتنصحه بأن لا يهمل صك الطحين، تجنبا لأية مشاكل مع صاحب الطاحونة اللجوج:

–  إن الله  قد جعل -السكويلة- لنا ولحمارنا نعمة و رحمة، فهي تريحنا وتريحه من عبث وضجيج هؤلاء الشياطين المردة غيرما مرة ضبطتهم ممتطين صهوته صارخين بكلام غريب؛ دجانكو، سرطانا، ليزان ديان، شاهرين في وجوه بعضهم البعض بنادق من قصب.             اكتسح التجهم رقعة وجهي حتى  اختفت أساريره، إذ لا يعقل أن أبقى وحيدا في الدوار ربيب العوانس، رجوت أمي أن تجد لي حلا، فأنا أيضا أريد الالتحاق بالمدرسة.             – ألا يكفيك الذهاب إلى الجامع؟

– سئمت من ترديد ترنيمة الاستجداء:

بيضة بيضة لله باش نزوق لوحتي.

لوحتي عند الطالب.

الطالب فالجنة.

و الجنة محلولة.

حلها مولا نا.

مولانا وصحابو في الجنة ينصابوا.

كما سئمت جلسة القرفصاء على الحصير، أفضل الجلوس على المقعد دون أن أخلع حذائي.

– في الجامع تحفظ القرآن الكريم، وفيه البركة.

– في المدرسة يكتبون بالريشة والمداد على الدفاتر، وليس بأقلام من قصب على ألواح خشبية، ولا وجود لرائحة الصلصال والسمق في القسم.                                     – هذا فقط ما يجعلك تنفر من الفقيه والجامع؟

– رأسي أيضا سئم من نقرات عصاه المعنفة، إذا ما تلكأ لساني في استظهار سورة أو لحن في آية ما، والمنبهة إذا ما غشيتني غفوة ما بعد الظهيرة.

– رأسك عامر فهامات، غادي نشوفك، ونشوف هذا الرأس وما فيه؟

– أشتاق إلى القراءة في كتاب جميل الخط، ألوان صوره زاهية، وفيه أناشيد وقصص جميلة..

عندما رأتني متمسكا بقراري، طلبت أمي من جدتي أن تصحبني إلى المدرسة، ومن شدة فرحي أمسكت بيدي اليمنى يسرى جدتي رحمها الله بقوة، تمسك الغريق بحبل النجاة، حرصت على أن لا تضيع مني، كما ضاع الأصحاب صباح ذلك اليوم التعس وتركوني يتيما أصارع الفراغ وحيدا. أما يمناها فلقد كانت تمسك بها كناش الحالة المدنية؛ يمناها التي كانت قبل قليل تدير الرحى بشكل آلي دورانها طالما أغراني بالجلوس إلى جانبها، مستحليا ذلك التناغم بين دندنة جدتي وجعجعة الرحى، كأنهما يتجاذبان أطراف حديث شيق حول موضوع مهم. كم كان يستهويني منظر الحبوب وهي تنثال من يد جدتي في حفنات نحو حتفها، إذ تزدردها الفوّهة الجائعة، والتي لا تتوقف عن الدوران والازدراد إلا وقد تحولت الحبيبات إلى مسحوق أبيض ناعم، على الحافة المستديرة للرحى.

بتؤدتها المعهودة؛ نفضت جدتي يديها من غبار الطحين بعدما كنست جوانب آلتها العجيبة ذات الأزيز الطروب، ثم تلفعت بالملفة؛ رداءٍ قشيبٍ زادته ألوان الطيف بهاء ووقارا. غادرنا المنزل وطنين الرحى لا يزال  يشنف مسمعي، ودورانها ما زال يملأ عيني.كانت فرحتي  تزداد اكتساحا لجوانحي، مع كل  خطوة نخطوها نحو المدرسة، في الطريق كنت أنظر من  حين إلى آخر إلى وجه جدتي السموح الوقور، وتستقبلني خصلات شعرها الملونة بالحناء بابتسامات خجلى، وهي تطل علي من تحت الحجاب، وكأنها تشاركني فرحتي العارمة بتوجهي إلى المدرسة، حيث سألقب بلقب تلميذ، أخذت أشجار الكاليبتوس السامقة التي تحف ساحتها، تكبر وتشرئب لاستقبالنا، مرحبة بقدومنا من بعيد بتمايل أغصانها، و برقصات أوراقها اللامعة، ومن بين هذه الأشجار العملاقة، كانت تتراءى لنا أقواس بناية المدرسة العملاقة والبديعة، وكأنها تتكلم أن هلم إلي أيها الضيف الجديد، لأضمك بين أحضاني ضما. فأستحث جدتي على السير بسرعة.

– خاص(لابد) بّاك(أبوك) يصيفط(يبعث/يرسل) لك باش(لكي) تشري لموزيط ولكنانش والتلاوة، ولاكري(الطباشير).

-………….. !

– خاصّك ميزانية ليك بوحدك يا السي أحمد!(لابد من ميزانية خاصة بك)

– …………؟

– هل فهمت؟

أجيبها بسرعة رافعا بصري إلى خصلاتها الملونة، ضاغطا بأناملي الفتية على أناملها الرقيقة المعروقة.

– نعم، فهمت جدتي !

في حقيقة الأمر، لم أفهم شيئا مما تفوهت به، فكل ما كنت أود أن أفهمه، هو متى أكون قادرا على التغني بأنشودة هيا، هيا، نجري جريا، وأكلت البطاطس، وأنشودة إخوتي جاء المطر، وغيرها من الأناشيد التي كان من سبقوني إلى ولوج المدرسة، يتباهون بها مستعرضين عضلاتهم علي،أمام سكان القرية.

لما اقتربنا من بناية المدرسة ذات الأقواس الكبيرة، لفت نظري رجل وقد شطر باب الفصل جسمه إلى شطرين ابتلع شطرا وأبقى على الآخر يتولى مهمة مراقبة الساحة، عند دنونا منه، التحم به شطره المخفي واستدار نحونا، بدا فارع الطول، نحيل الجسم، عريض المنكبين، شاحب الوجه، حليق الذقن، رقيق الشفتين، شامخ الأنف، كث الشاربين، بني العينين، مقوس الحاجبين، أذناه علامتا استفهام رسمتا بخط جميل، تلفع بقميص نصف كم ناصع البياض وبسروال رمادي كأنه خرج توا من رحم مصنع. بادرته جدتي بالتحية، فرد عليها التحية مشفوعة بابتسامة شديدة اللمعان، اندلقت من بين الأسنان المتراصة كحبات السبحة، ألقى نظرة ساطعة عجلى عليّ، ثم حول نظره إلى كناش الحالة المدنية في يد جدتي. بينما كنت أنا أتلذذ بتكسير أوراق الكاليبتوس المتساقطة تحت أقدامي، و أتابع عن كثب عبث النسيم بها، مجبرا إياها على التكدس حول حافة البئر المنغرسة وسط الساحة والمرتفعة بمقدار قامتي عن سطح الأرض.

-هذا حفيدي يريد أن يلتحق بالمدرسة.

-طيب.

ناولته الكناش، دلف به إلى الفصل ثم مالبث أن أعاده إليها، ليسحبني بلطف من يد جدتي متوجها بي إلى مقعد شاغر في آخر القسم، بجوار صندوق حديدي اخترق بأنبوب سميك جدار القسم، لقد أخد مني هذا الشيء العجيب بضع دقائق من وقتي الثمين، لأعرف فيما بعد أنه مدفأة، قبل أن أدير وجهي جهة السبورة حيث المعلم يتفنن في كتابة بعض الكلمات المنمقة بالطبشور الملون، ندت عني صرخة مكتومة مشفوعة بفرحة عارمة: وداعا يا ألواح الفقيه، وداعا أيها السمق الحزين.

أحمد بلكاسم- المغرب-

بركان- نونبر- 2011