انفخ “البلالين” يا نجاتي؟!

 

التصنيف : سخرية كالبكاء (:::)

بقلم: محمد هجرس** مصر (:::)

في عام 1746 دعت صحيفة انجليزية المواطنين للتجمع في ساحة إحدى البلدات، لرؤية أكبر عرض للحمير.  بالطبع تجمع الناس، وانتظروا ساعات.. ليكتشفوا أنه ليس هناك “حمير ” للاستعراض ولا يحزنون.. أنهم هم “الحمير” الذين صدّقوا ولم ينتبهوا إلى أن اليوم هو أول أبريل.!   ولأن بعض الناس، توقف التاريخ عندهم عند “الأول من أبريل” لا يتزحزحون عنه أبداً، باعتباره كذبة صدقوها، وعاشوها، فلم يروا تتالي الأيام والتغيرات، وقفوا متجمهرين في ذات الساحة بانتظار عرض “الحمير” إياه، وبدلاً من أن يتأملوا أنفسهم، استدعوا المثل التاريخي، الذي كثيراً ما يردده الريفيون البسطاء.  “اللي ما يقدرش ع الحمار.. يقدر ع البردعة”..    هكذا تكون الحجّة، وهكذا يكون الالتفاف الكبير لتبرير الخطايا، وليس كما ظن البعض أنها مذهب “البردعيزم” ـ على غرار المدبوليزم ـ الذي طرح نفسه يوماً في صورة “البوب الصالح” على الساحة السياسة في السنوات الأخيرة.. ليهرب “القديس” عند أول مواجهة.

ولأن “البردعة” في الثقافة المصرية البسيطة، مثلت “الواقي” الاضطراري ـ وليس الذكري ـ ضد التسلخ من امتطاء حمار عاري الظهر، لذا بدت وسيلة منطقية يسهل رميها على الأرض، وربما ركلها بالأرجل، لتدفع ثمن عدم القدرة على تصورّ كينونة حمار “يحرن فجأة” ليملأ الدنيا صخباً وضجيجاً في لحظة تمرّد، يعجز فيها عن فهم واقع “الاستحمار” المعاصر، في زمنٍ تم فيه “النهيق” على كل شيء. ورفس أي شيء. حتى لو كان كل ما يحمله، مجرد “بردعة” كل ما فيها.. حزمة من القش.!    حالة من التداعي شديدة الخداع، تحاول أن تتحدث باسم “الرأي والرأي الآخر”.. لتمرير أوهامها هي فقط، مستغلة من الشعار العريض، “مسمار جحا” مطرقة لضرب كل الرؤوس.. متناسية أن الحمار ذاته، هذا الكائن المطلوم تاريخياً، ربما يكون أكثر فقهاً للواقع ممن يمتطونه، لتعود قصة ذاك القروي إلى الواجهة، بحماره الذي يحمله يومياً وهو نائم في رحلة العودة من يومٍ شاق، حتى يقف أمام الدار، ثم ينهق نهقتين متتاليتين، قبل أن يرفس الباب مستدعياً الأهل لينزلوا ذاك المستغرق في شخيره.!    وبينما هناك نائمون كُثر، يستعذبون الجلوس على “البردعة” بانتظار أن ينزل الأهل والعشيرة الجثة، كانت المفكرة المصريّة الكبيرة، زكيّة زكريّا، قد استطاعت في إحدى تجلياتها الفلسفية، قلب موازين المواقف الكوميدية، بـ”ضحك هو أشبه بالبكاء”، عبر نظريتها الفلسفية الشهيرة “انفخ البلالين يا نجاتي” فتتجسد أمامنا أسوأ لحظات الهروب من الذات باستئذان ضحاياها، بعبارة “أذيع” ليكتشف السذّج أن الفضيحة “بجلاجل” وعلى الهواء مباشرة.    وما بين من يمسح دموعه من الضحك المرير، في انتظار أن “تُنفخ البلالين” تكون “البردعة” التي ما أكثر من يحملها الآن على ظهره، بإرادته، في مقارنة تبرر استغفالنا بشخبطات مهووسة، بعداء شديد لكل ما في الدولة المصرية، وتلفيقات تستعدي فاقدي العقول، لتكمن واحدة من مآسي مصر الحديثة، وتكون مصيبة كل من ارتدى عمامة “أبو زيد الهلالي” واعتقد أنه “ابن جلا وطلاع الثنايا” أن تكشف لنا في النهاية أننا أمام “أبو جهل” حقيقي، لا يقرأ تاريخاً، ولا يحفظ جغرافيا، ولا يردد سوى ما تردده الببغاوات التي كانت تنعق في سراديب “الجماعة” بالمقطم، بسقوط حكم العسكر.!

مسكينة هي “البردعة”.. تعلو حماراً ولا تملك حتى منع أن يعلوها أي حمار.. فيما يظل دور كل “نجاتي” أن يستجمع أنفاسه، وينفخ بقوة في بالونة تطير بعد قليل في الهواء، وتذهب إلى المجهول.    …..

أبها السادة..    خذوا أنفاسكم بهدوء، أغمضوا أعينكم.. واستنشقوا هواء الغد، واطمئنوا..

فقد طارت “البلالين” ولم يعد هناك سوى بعض الفقاقيع.. فيما السيد “نجاتي” لا يزال يدّعي عودة مهديه المنتظر، الذي رأى مخبولٌ ما أنه أمَّ الرسول الكريم، في ساحة ميدان رابعة، ويتشدق بالصمود والبطولة و”ثوار أحرار.. ح نكمل المشوار” في انتظار “عرض الحمير” إعلاه..    ربما.. ربما يجد ما ينفخه؟!.    ـــــــــــــ

* كاتب وصحافي مصري

mmhagrass@gmail.com