دستور استثنائي

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

د . ناجي شراب – فلسطين المحتلة (:::)

التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها مصر ليست مجرد أحداثا سياسية عابرة ، وليست مجرد حتى ثورة أو ثورتين أو مجرد حشود جماهيرية تملأ الميادين والشوراع، وليست سباقا بين من يملك جماهير أكثر، إنها أكثر ن ثورة وأكثرمن إنقلاب وأكثر من مليونيات ، ولو أن هذه لتحولات عصفت بدولة أخرى لأدت إلى إنصهارها وذوبانها وفقدانها هويتها. إنها تحولات تتعلق بمصر كدولة ومكانة وحضارة وهوية ،

ولعل جسامة هذه التحولات أنها قد اسقطت نظامين للحكم ما كان احد يمكن أن يتصور سقوطهما ، وخصوصا حكم ألأخوان المسلمين الذين لم يتجاوز حكمهم سنة واحدة ، ولعل السبب الرئيس في هذا السقوط إلى جانب أسباب كثيرة عدم فهم وإستيعاب مصر كحقيقية تاريخية ومكانية وبشرية وهوياتيه. من هنا ما تشهده مصر تداعياته ونتائجه تتجاوز حدود الحدث نفسه، وعنصر الزمن الذي يقع فيه.ولا يمكن فهم هذه التحولات إلا في سياق خصوصية الحالة المصرية كهوية مركبة وشاملة إنصهرت في بوتقة الزمان والمكان الذي تجسده مصر، وأيضا في خصوصية الدور الوطنى الذي يلعبه الجيش المصرى في النسيج السياسى والمجتمعى المصرى ، ولولا هذا الدور لتحولت ألأحداث إلى حالة من الحرب الأهلية ، والفتنة الطائفية التي تسعى لها قوى إقليمية ودولية كثيرة ، لأنه بدون الدور المصرى لن يكون هناك دورا عربيا أو دورا إسلاميا ،

مصر هى القاعدة والمركز للنظام العربى والإسلامى . وفى ضؤ ذلك فإن التفسيرات التي تتكلم عن توصيف الحالة بالإنقلاب تتجاهل هذه الخصوصية والحالة المصرية وعلاقتها بالجيش المصرى . والسؤال الذي يمكن ان يثار من اكبر الثورة أم مصر؟ والسؤال ينطبق على العلاقة بين الجيش ومصر؟ هذا مل لم يمكن المراقبين للحالة المصرية من فهمه. وفى السياق نفسه تثار العلاقة بين الدستور ومصر؟ فالأساس هو مصر والإستثناء هو الدستور. ووضع دستور لمصرفى هذه المرحلة يعتبر تحديا كبيرا في مرحلة التحول وبناء الدولة المصرية الحديثة ، مصر كانت من أول الدول البرلمانية ، وغنية بتراثها الدستورى ، ولا تعجز عن وضع دستور بكل المقاييس الديموقراطية ، لكن الحالة الإنتقالية والإستثنائية التي قد أوجدتها حالة ثورتين ، وسقوط نظامين للحكم ، وخصوصا حكم ألأخوان المسلمين وما تبع ذلك من حالة عنف وإرهاب ينتشر في ربوع مصر، وبالذات في سيناء وهدفه ألأول هو إنهاك قدرات الجيش والأمن ومن ثم مصر كدولة ، ولذلك هذا الدستور إستثنائى في ظروف وضعه ،وفى الهدف منه، ولعل السبيل للرد على هذا العنف والإرهاب ، وإسقاط كل الرهانات والمقولات الذي قد تذهب بعيدا في التخيل بإمكانية حدوث إنقلاب داخلى ومن ثم إجهاض ليس دور الجيش بل مصر كدولة ، وإجهاض لخارطة التحول السياسى نحو البناء الديموقراطى ، وأول هذه الدعائم والأسس القوية هو إنجاز الدستور الذي صاغته لجنة الخمسين بالتوافق، وهو قد لا يرقى إلى مستوى التوافق الكامل، ولكنه بلا شك يعتبر دستور دولة ، مقارنة بدستور 2012 الذي أعطى سلطات كبيرة للرئيس، وفصل على مقاس الجماعة ، ولذلك هو دستور جماعة وليس دستور دولة ، مصر في حاجة لدستور دولة وليس جماعة ، والدستور الأخير يعتبر نواة لدستورالدولة. ولذلك فاول خطوة في مرحلة التحول اليموقراطى وهى مرحلة مصيرية وتترتب عليها نتائج كثيرة هو النجاح في الإستفتاء على هذا الدستور والتصويت له بنعم ، وبنسبة أعلى من الدستور السابق، لأن أساس هذا النجاح الذهاب إلى المرحلة الثانية من خارطة التحول السياسى الديموقراطى ، ولا بديل إلا بالتصويت بنعم على هذا الدستور. وإذا كان من معارضة للدستور فهى من الأخوان بالدرجة ألأولى لأنه يتعارض مع مصالحها كجماعة وليس كدولة . وفى الوقت ذاته التصويت بنعم يعنى أن أكبر الخاسرين هم الأخوان الذين قد أخرجوا أنفسهم من إعادة بناء العملية السياسية في مصر، وإعادة بناء الشرعية السياسية الجديدة ،

ولو أنهم دخلوا فيها لخرجوا محققيين مكاسب افضل من بقائهم خارج إطار الشرعية التي يحدد معالمها الدستور الجديد. وقد تعترض بعض القوى الثورية والمدنية على بعض نصوص الدستور ، وخصوصا ما يتعلق منها بالعلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية ، وحتمية تبعية الأخيرة للأولى كأحد ركائز الدولة المدنية ، لكنهم يتجاهلون أنها مرحلة تحول ، ومرحلة إستثنائية ومن ثم الدستور نفسه ستثنائى ، وليست نصوصه مقدسة وغير قابلة للتعديل، لكن طبيعة المرحلة الحالية من الطبيعى أن تعطى للجيش دورا أكبر في مرحلة التصدى للعنف والإرهاب والنيل من دور الدولة ، وبناء نظام حكم مدنى ، وبمجرد النجاح في مرحلة التحول والتغلب على التحديات الأمنية ، ليسس صعبا تعديل الدستور أو حتى وضع دستور جديد بعد مرحلة زمنية معقوله  تكون خلالها قد تأسست دولة المؤسسات المدنية.،

وقد يكون من المفيد التذكير بالتجربة ألأمريكية ، فعندما وضع الدستور الأمريكى وهونفسه المعول به ألأن لم يرقي إلى مستوى طموحات مؤسسييه في بناء أمريكا القوية ، وكان به العديد من الثغرات في مجال حقوق الإنسان ووضع المرأة ، وبالتعديل التدريجى المرافق لدولة مركزية قوية تم تعديل هذه المواد. الأمر لا يختلف عن الحالة المصرية ، الدستور الحالى قد لا يلقى التوافق التام، وفيه مواد تحتاج للتعديل، لكن ألأهم في هذه المرحلة ليس التعديل بل النجاح في إتمام خارطة التحول الديموقراطى بالإنتخابات البرلمانية والرئاسية ، وهنا ليس المهم الدخول في جدل رئاسية أم برلمانية أولا ، الحالة ألإستثنائية تستوجب الرئاسية أولا لأن نجاح هذه الإنتخابات يعنى سقوط الرهان نهائيا بعودة الدكتور مرسى للحكم ثانية ، ومن ثم سقوط كل الرهان على فشل الثورة المصرية وأهدافها ، وألأمر ذاته ينطبق على شخص الرئيس وهل يكون الفريق السيسى والإعتراض الوحيد أنه عسكريا والمع يار هنا ليس عسكريا فقط ، بل الممارسة الديموقراطية وألإلتزام بنجاح الحكم الديموقراطى المدني ،

فالمرحلة الحالية تستوجب شخصية مثل شخصية الفريق السيسى الذي تتوفر لديه صفات الزعامة الشعبية والكارزمية والقدرة على مواجهة التحديات ، ولا ننسى أنه في حالة تطبيق هذا الخيار فهو لا يحكم بمفرده بل في ظل بيئة سياسية ثورية هو ألأقدر على إستيعاب معطياتها ، وغير ذلك ستكون النتيجة إرتدادية ، وقد تدخل مصر كلها في مرحلة من الفوضى لا أحد يستطيع أن يتحكم في نتائجها . نجاح مصر الديموقراطية هو الرد الطبعى على حالة العنف، والطريق لإستعادة دور مصر ومكانتها ألإقليمية والدولية في عالم تحكمه القوة ،واول خطوة في هذا الطريق هو بالتصويت على هذا الدستور بنعم . دكتو رناجى صادق شراب \ اكاديمى وكاتب عربى drnagish@gmail.com