الجريمه والعقاب

 

التصنيف : اراء حرة (:::)

شوقيه عروق منصور – فلسطين المحتلة (:::)

الذي أصابته الدهشة حين سمع عن التقرير الطبي الخاص بتسميم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بمادة البولونيوم قد نضعه في خانة السذاجة او خانة التمادي المضحك في رفع الحواجب  دليل الاستغراب ، هذه الحواجب الكثيفة التي كانت سابقاً  ستاراً تغطي العيون التي كانت ترى عملية القتل البطيء والموت المبرمج ولا تتكلم ولا ترفع الصوت وتعلن الاحتجاج  ، والساكت عن الموت البطيء شيطان أخرس ، وانظروا كم شيطان أخرس من المحيط الى الخليج .

عنوان القتل  كان مكتوباً على الأفق الفلسطيني  بالخط العريض وفوق الجدران التي كان ابو عمار تحتها محاصراً ينتظر موقفا مشرفاً  أو كلمة صدق  من زملائه الرؤساء والزعماء العرب والغربيين ، ولكن قتلوه حين غابت نخوة الانسانية والصداقة والقبلات والاستقبالات والسجاجيد الحمراء في المطارات والصور التي كانت  توزع دفء الصداقة ولقاء الفخامة ، جميعهم أداروا ظهورهم وتركوه لوحده  ، قلنا وقتها لو مجموعة من الصبيان يلعبون في حارة لكان عندهم الوفاء لزميلهم أكثر من الزعماء العرب ، لكن الاقدار انتقمت لعرفات ولقنت الرؤساء درساً فسرعان ما حوصروا وانهاروا مثل لعبة الدومينو .

فضائية الجزيرة  تفتخر بأنها فجرت موضوع الاغتيال واشارت الى  نبش القبر واخراج الدليل الذي يثبت ان  موت عرفات  لم يكن نتيجة المرض بل نتيجة التسمم ، وعندما أخذوا عينات من جثته  صرخنا حرام دعوه نائماً بهدوء فقد حارب وناضل وقد آن لهذا الفارس أن يترجل .

وجاءت النتيجة كما توقعها الجميع ولم يدغدغ عنصر المفاجأة  باطن قناعاتنا ، فقد بقينا على قناعة أن القائد والزعيم الفلسطيني اغتيل عن سبق الاصرار والترصد ، قبل الجزيرة وبعد الجزيرة ولسنا بحاجة الى نفخ العضلات والتباهي والضحك على ذقوننا التي تحولت الى سلالم في العصر الخليجي .

الزوجة سهى عرفات تقول عن مقتله جريمة القرن وهي تعرف ان جريمة القرن ارتكبت قبل مقتل زوجها حين طردوا الشعب الفلسطيني وبعثروهفي انحاء العالم لاجئين مطاردين ، ونعرف أكثر حين كان زوجها تحت نيران الحصار وبلودوزرات الهدم كانت هي في مكان آخر تعيش حياتها بعيداً عن همومه وهموم الشعب الذي كان يعاني مثله من الحصار والمجازر ، ولم تكن الزوجة التي حملها التاريخ فوق كتفيه امرأة مع زوجها في السراء والضراء ، ورفيقة سلاح وعقيدة تناضل وتقاتل وتدافع وتسجن ، خلال حصاره وتسلل المواد المشعة الى جسده كانت غائبة كلياً عن مشهد الزوجة والذي يحاول تبرير غيابها نؤكد له ان زوجة الزعيم زوجة ليست عادية ، خاصة اذا كان القائد والزعيم فلسطينياً وشعبه يرزح تحت الاحتلال .

نتائج التقرير اصبحت على طاولة الاعلام ، ورجال السلطة الفلسطينية تباكوا وانهالت التصريحات البراقة التي تشحذ سكاكين الانتقام ، ها هي الجريمة تنتظر العقاب ، ليس عقاب الكاتب الروسي دستوفسكي الذي حاول حصر الجريمة بنتيجة العقاب واطلق صرخته في روايته الشهيرة – الجريمة والعقاب – لكن جريمة قتل ياسر عرفات ستبقى بلا عقاب ، ستضيع في ممرات اللجان والصراخ الذي سرعان ما يخفت ، ففي السابق قتلوا العشرات من القادة الفلسطينيين وما زال دمهم امانة في اعنقنا .

المضحك ان صائب عريقات سيتوجه الى الجامعة العربية لطلب المساعدة لتشكيل لجنة تحقيق عربية  ، وتوفيق الطيراوي رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية سيزود الجامعة العربية بالتقارير لجان طبية من سويسرا وفرنسا ولجنة تحقيق دولية .

(طبيب يداوي الناس وهو عليل ) الجامعة العربية ذلك الجسم الميت وينتظر الدفن فقط ،  ياسر عرفات قتل بمادة  البولونيوم ،  ولكن الجامعة العربية  ماتت بداء الخنوع والصمت والتآمر والخضوع لامريكا ، حتى لو شكلت مليون لجنة وحفظنا  التقارير الطبية ، سيكون مصير اغتياله سراديب الصمت ونترك  العقاب للأجيال القادمة . ثم نريد أن نذكر السيد صائب عريقات صفحة من التاريخ  عندما احتلت بريطانيا مصر سنة 1882 بعد ثورة عرابي تم تعيين اللورد ” كرومر ” مندوباً سامياً على مصر ، وكانت السودان آنذاك تحت الحكم المصري وقد سألوا ” كرومر ” هل ستحكم السودان أيضاً أجاب سوف أحكم من يحكم السودان وقصد الخديوي توفيق .

والذي يحكم الجامعة العربية امريكا ومن يحكم امريكا اسرائيل ، فكيف سيكون العقاب .

بالنسبة للذي غدر بالقائد وقام بتسريب المادة المشعة الى جسده ، نعرف من خلال الافلام والمسلسلات الاجنبية التي لم تترك جريمة في العالم الا وقامت بحلها ، ونعرف من خلال أدب الجريمة أن  اصغر محقق سري يستطيع معرفة من سرب المادة المشعة الى عرفات ، أثناء الحصار من كان يدخل اليه ومن يقدم له الطعام وكيف يقدم ومن يطهو من كان يخدمه ويغسل ملابسه ويستطيع الوصول اليه ، فقط اذا صدقت النوايا تستطيع السلطة معرفة الاشخاص الذين قاموا بتسميمه ، بالطبع هم مجموعة وليس واحداً ، لا يكفي أن نتهم ونصرخ بأن اسرائيل هي التي قتلته ، يجب أن نعرف الاصابع التي خططت وخانت ثقة وأمانة القائد وغدرت . قال الشاعر الفلسطيني مريد البرغوتي الحقائق الاكيدة لا تحتاج الى بلاغة الحصان العائد بعد مصرع فارسه يقول لنا كل شيء دون أن يقول أي شيء