التصنيف : اراء حرة (::::)
بقلم : سعدالله بركات (::::)
لم تكن بلدة صدد الرابضة على كتف البادية ، لتتوقع وأهلوها أن تدخل التاريخ المعاصر من باب الآلام وأسبوعها الأسود،وأن يتردد اسمها على مواقع النت وفي مختلف أنواع وسائل الإعلام العالمية على وجه الخصوص، وأن يتوافد إليها العديد من مراسليها على هذا النحو وفي هكذا مناسبة .
لم تكن صدد الوادعة في ريف حمص الشرقي وسط سورية، لتطلّع إلى هكذا شهرة بائسة، وإنما كانت تحلم أن يأتيها صحفي استقصائي واحد ينقّب عن دوافع وعوامل تحدّيها لمناخات القحط والجفاف وتحملّها حياة الضنك ،على مرّ قرون وعقود وهي تتجذّر في الأرض وتنبش التراب بالأظافر وتستنبته بعرق الجباه يوما بيوم أوتعمّرها لبنة لبنة ، فتتدبّر أسباب البقاء على نحو فريد فريد، أوت دفع بشبابها في انحاء الوطن وعبر الحدود والبحار مسلحين بأصالة الانتماء للأرض والوطن أوبما وفّرته مبادراتها الأهلية السبّاقة من سبل علم ومعرفة. نعم لقد محت صدد الأمية للشباب منذ نحو قرن أوأكثر ومكّنت الفتيات من التعليم منذ سبعة عقود أويزيد وذلك بجهود كنسية – أهلية تطوعية ، مكنتّها من بناء وإشهار ثانويتين للفرع العلمي في خمسينيات وستينات القرن الماضي حتى غدت بؤرة إشعاع معرفي لأبناء قرى المنطقة الذين جذبتهم إلى مدارسها ، واحتضنتهم في بيت العائلة الواحدة ، مشاركة في العيش والمأكل والمعاناة كما الطموح ،لايحول دون ذلك اختلاف المعتقد الروحي او الفكري بل كان يكرّسه ويمتّنه .
لقد بات شبابها على مدى عقود رسل علم في أرياف حمص (وحاليا 50 معلم ومعلمة يعلّمون في بلدة ميهن المجاورة مع عناء السفر اليومي) وقبلها في ريف درعا ودمشق وحلب وقرى الجزيرة السورية قبل أن يصلوا إلى الجزائر واليمن وليبيا ودول الخليج ولاحقا إلى التدريس في جامعاتها والطبابة في مشافيها أوالعمل في المجالات التنموية، وقبل أن يتوزعوا في البلاد الأوروبية والأمريكية . نعم أيها السادة تفخر صدد ببواكير الخريجين من أبنائها قبل ستين عاما ونيّف وبتعدادهم الحالي بالآلاف وبما يقارب نسبة 25% من سكانها ال15 ألفا وبتخصّصهم العالي والطبي والهندسي والتقني وبمهاراتهم وأخلاقهم المحمودة .
وكما اقتطع القسط المدرسي وتكاليف التحصيل العلمي والتخصص من القوت اليومي، كذلك فعل التدبّر فعله في بناء بيوت الضيعة قبل بيوت العيش والإقامة في المدن او المغتربات،ذلك أن أفراح مغتربيها وأتراحهم فيها فما وجدوا شاطئا ولاجبلا بديلا لأماسي الصيف فيها .
ومع النور المعرفي أنارت صدد في ستينات القرن العشرين بيوتها الطينيّة بالكهرباء بمبادرة أهلية تعاونية . لكن وعلى حين غرة وقبل أن ينزاح ليل الحادي والعشرين من تشرين الأول المنصرم ، فاجأها غرباء بظلمة القتل وتدمير البشر والحجر ، ظلمة الترهيب والحصار الذي كان أسبوعه بدهر. لقد كانت المدارس من أولى الضحايا ولن أفصّل بما جرى لها وللكنائس والأيقونات
الأثرية والأديرة السريانية التي بني بعضها بترخيص من السلطان العثماني وآخر خفية عنه، لكن ماجرى لمشفى صدد كان أكثر إيلاما ، ذلك أنها بنيت وجهزت بتبرعات الأهالي البسيطة فرفدتها تبرعات المغتربين فضلا عن مساندة مجلس الكنائس العالمي والدولة حتى انطلقت منذ سبع سنوات بخدماتها لكل قرى المنطقة ،فأبناء صدد الأطباء الإخصائيون توافقوا على القدوم من حلب وحمص ودمشق لقضاء عطلهم الأسبوعية عملا تطوعيا في مشفى بلدتهم ولكن لكل محتاج من مواطني القرى المجاورة . كانت صدد ياسادة تأمل أن توثّق جهود شبابها وفتياتها مع رجالها ونسائها، كيف صمدت أمام عاتيات الزمن؟ وحين لم تنزح ولم تستجد حتى زمن الجوع وحين جف الزرع والضرع ، هجّرت جماعيا مطالع القرن الحادي والعشرين ، فاضطرّت لسلال الغذاء الإغاثية ، بينما كانت تجهد لتذلّل العقبات وهي تتطلّع للمستقبل بناء على ما أنجزت وبلغت.
كان أبناء صدد على مواعيد مع (احتفالية الأمير الشاعر أبوفراس الحمداني) السنوية ، يشتغلون لإقامة نصب تذكاري له تعبيرا عن افتخارهم بأن بلدتهم أجارته قبل أن يضمّ ترابها رفاته في مثواه المعروف بقبر الأمير شمالي البلدة.
في فضاء صدد الصحراوي صدح الراحل وديع الصافي ، وقبل أن تستضيف الأديب والمفكرالكبيرين حنّا مينه والطيّب تزييني وآخرون ، كانت على موعد مع شاعر الناس المصري أحمد فؤاد نجم . وكانوا على مواقيت مهرجانات ( صدد العراقة ) تزجي التحية لحلب عاصمة للثقافة الإسلامية ولدمشق كما القدس عاصمتين للثقافة العربية وآخرها تحية (( من صدد أم السريان إلى أهلنا في الجولان )). نعم على الفكر المتنوّر والقيم الإيمانيّة والوطنية في المحبة والتسامح عاشت صدد ،لكن هل تبيّنتم كيف كانت تحية غرباء ذاك الصباح الأليم لها ؟ لقد كانت بعشرات الضحايا من نساء وشباب وشيوخ وأطفال بررة بينهم أزواج وعائلات وجدّات وأحفاد .
قلت غرباء ومن دون عناء التوصيف ، دعوني أوضح أنهم غرباء عن الديار والأرض والوطن ، غرباء عن أصالة سورية وحضارتها التي أهدت العالم أبجدية المعرفة ، كما هم غرباء عن كل الأديان والقيم ، نعم غرباء الوجه واليد والفكر واللسان لهم الله حسيبا ، لعلّه عزّوجلّ يهديهم سواء السبيل ، بعيدا عما ضلّلوا به وعمّا فعلوا ببلدتنا ، وهو ما عانت منه عشرات البلدات السورية. ليرحم الله من افتقدنا وكلّ ضحايا الحروب، وإليه نتوسل أن تتعافى سورية الحبيبة من محنتها وأن يكرّس السلام ويعمّ العالم لما فيه خير البشرية ونمائها.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

