الحجر على ( السفيه )

 

التصنيف : كتابات ومواد دينية (::::)

مروة برهان – اسكندرية (::::)

قالَ اللهُ تعالى { و لا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعلَ اللهُ لكم قياماً و ارزقوهم فيها و اكسوهم و قولوا لهم قولاً معروفاً } .

السفهاء : أصل السفه : الخفة و قد اختلفَ العلماءُ فى المرادِ بالسفهاءِ هنا على أوجهٍ أربعة هى : –

الأول : المراد به النساء بدليلِ قولِهِ صلى اللهُ عليه و سلم فيما رواه عنه أبو أمامة ” ألا خُلِقَتْ النار للسفهاء – قالها ثلاثاً – ألا و إن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها ” . الثانى : السفهاء من الأولادِ الذين لا يُحسنون التصرف .

الثالث : قالَ ابن عباس و غيره السفهاء هم النساء و الصبيان و قالوا إذا عَلِمَ الرجلُ أن امرأته سفيهة مفسدة و أن ولدَهُ سفيه فلا ينبغى له أن يسلطَ واحداً منهما على مالِهِ فيفسده . الرابع : المراد بالسفهاءِ كل من لم يكنْ له عقل يفى يحفظُ المال فيشملُ النساء و الصبيان و الأيتام و كل من كان موصوفاً بهذه الصفة .

معلوم أن السفهَ خفة العقل – و لذلك سُمِّىَ الفاسقُ سفيهاً لأنه لا وزن له عند أهلِ الدينِ و العلم , و يسمى ناقص العقل سفيهاً لخفةِ عقلِه .

أضافَ الحقُّ جلَّ و علا أموال اليتامى إلى الأوصياءِ بقولِه { أموالكم } مع أنها أموال اليتامى للتنبيهِ إلى التكافلِ بين أفرادِ الأمةِ و الحثِّ على حفظِ الأمواالِ و عدم تضيعها : فإن تبذيرَ السفيه للمالِ فيه مضرة للمجتمعِ و هو مثل قوله تعالى { و لا تقتلوا أنفسكم } فقد عُبِّرَ عن قتلِ الغيرِ بقتلِ النفس .

بيَّنَ اللهُ سبحانه أن السفيهَ و غير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه فدلَّتْ الآية على ثبوتِ الحِجرِ على المبذرين و منعِهِم من التصرُّفِ فى أموالِهِم و إجازة تصرفنا عليهم فى الإنفاقِ عليهِم من أموالِهِم و كِسوتِهِم و دلَّتْ كذلك على ثبوتِ ولايةِ الولىِّ و الوصى و الكفيل للأيتامِ و رعايتِهِم .

و قد أجمعَ العلماءُ على أن الوصيةَ للمسلمِ الحرِّ الثقةِ العدلِ جائزة و اختلفوا فى الوصيةِ للمرأةِ الحرةِ الرشيدةِ على قولينِ و كذلك العبد .

اختلفَ الفقهاءُ فيمن بلغَ غير رشيد و لم يمنعه بلوغه من السفهِ و تبذيرِ المالِ و تضيعِهِ على قولين :

قالَ الجمهور : يُحجَرُ عليه و لا يُسلَّمُ إليه ماله كما يُحجَرُ على الصغيرِ و لا يُسلمُ إليه ماله أبداً حتى يتبيَّنَ رشده و نتأكد من حُسنِ تصرُّفاتِهِ و لا عبرة بالسنِّ التى يبلغها مهما كانت لِما يأتى : 1 – بقولِهِ تعالى هنا { و لا تؤتوا السفهاء أموالكم } .

2 – و بقولِهِ فى سورةِ البقرة { فإن كان الذى عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يُمِلّ هو فليُمْلِلْ وليُّهُ بالعدلْ } .

فالعلة فى منعِهِ من التصرُّفِ فى مالِهِ هو اتصافه بالسفه , و لا شك أن من كان مبذراً لمالِهِ مفسداً له من غيرِ فائدةٍ فإنه لا يكونُ له فى المالِ تصرف يُحمدُ عليه فإذا ثبتَ هذا لزمَ اندراجه تحت قولِهِ تعالى { و لا تؤتوا السفهاء أموالكم } .

و قالَ الإمامُ أبو حنيفة :

لا يُحجَرُ على من بلغَ خمساً و عشرين سنة فإذا بلغها سلَّمَ إليه ماله مطلقاً سواء كان مفسداً أو غير مفسد لأنه إذا بلغَ خمساً و عشرين سنة من عمرِهِ يصيرُ جداً و أنا أستحى أن أحجُرَ على من يُصلِحَ جِدَّاً . و الراجح : ما قالَ به الجمهور لأن الحِجرَ من التصرُّفِ قائم على السفهِ و بخاصةٍ إذا كان مفسدٌ للمالِ و معلوم أن حقَّ الغير يتعلَّقُ به .

و قد جرَى العملُ بالمحاكمِ الشرعيةِ على قولِ الجمهور .

قياماً : القيام له معانٍ كثيرةٍ منها الإعتدال , و منها ما يُعاشُ به .

و المعنى الأخير هنا هو الأنسبُ بمعنى أنه لا يحصلُ قيامكم و لا معاشكم إلا بهذا المال .

{ و ارزقوهم فيها و اكسوهم } أى اجعلوا أموالكم مكاناً لرزقِهِم و كِسوتِهِم حتى تكونَ نفقتهم من الربحِ لا من صُلبِ المال .

و هذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفاً للرزقِ و الكسوةِ و لو قيل ” منها ” لكان الإنفاق من نفسِ المال .

{ و قولوا لهم قولاً معروفاً } : القول المعروف هو كل ما سكنت إليه النفس .   و المراد به هنا : الكلام الذى تطيبُ به نفوسهم كأن يقولَ الولىُّ لليتيم ” مالك عندى و أنا أمين عليه فإذا بلغتَ رشدك أُعطيك مالك و صرت حر التصرف فيه ” أو يكونُ المراد بالقولِ المعروفِ هنا : أن تعلموهم مع إطعامِكُم و كسوتِهِم إياهم أمر دينهم مما يتعلقُ بالعلمِ و العمل .

و يصحُّ أن يكونَ المراد به : مثل أن يقولَ الولى : عافانا الله و باركَ اللهُ فيك و أرشدكَ إلى الصواب .

ما ترشدُ إليه الآية الكريمة : 1 – وجوب الحِجر على السفهاءِ حتى يتبيَّنَ رشدهم و إصلاحهم و صرفهم الأموال فى وجهِها الصحيح .

2 – الإنفاق على المحجورِ عليه بالطعامِ و الكسوةِ و سائرِ وجوهِ الإنفاق .

3 – تُوجهُ الآية نظر الأوصياء إلى أن ينظروا إلى أموالِ اليتامى كأموالِهِم تماماً من حيث الرعاية و مراقبةِ اللهِ فيها .

4 – معاملة المحجور عليه معاملة إنسانية كريمة و إرشادهم إلى ما فيه صلاحهم و سعادتهم .