أفضل خيال علمي في القرن الحادي والعشرين

 

التصنيف : فن وثقافة (::::)

مهند النابلسي – الاردن ( :::::)

يتميز اخراج ريدلي سكوت الرؤيوي بعدة عناصر لافتة منها المامه بالتفاصيل الدقيقة ، واختياره الملائم للشخصيات ، وطرحه لأفكار جديدة غير مسبوقة ، وهو يجعلك كمشاهد ترتشف المغزى باستعراضه المدهش للمشاهد الخلابة المشحونة بالمدلولات والمؤشرات الذكية التي تمتع وتحفز الدماغ وترتبط بالمعنى الكلي للقصة وأحداثها ، ويظهر ذلك جليا في ملحمة الخيال العلمي الجديدة ” بروموثيوس” (2012) التي يغامر بها باكتشاف الزوايا الأكثر غموضا وخطورة في الكون : حيث يأخذ فريق من العلماء والمستكشفين برحلة كونية مثيرة تسعى لاختبار قدراتهم وامكاناتهم العقلية والجسمية ، وكأنه يسعى بعناد لتحدي احد اهم ألغاز الوجود البشري على سطح الأرض ! ساعيا لمحاولة الاجابة على أكثر الأسئلة الانسانية عمقا ، ربما في محاولة جريئة وفريدة لسبر لغز الحياة النهائي ، ولكنه يصطدم بالمقابل بوجود كائنات فضائية خارقة ، تحاول التماثل مع دور “الآلهة الاغريقية ” العديمة الرحمة ( من هنا اقتبس اسم الفيلم ) ، فاتحون قساة لن يقبلوا  بالبشر المحدودي القدرة ندا لهم  ، يلعبون دور “المهندسين الكونيين”  باستعلاء ، وقد صمموا اسلحة بيولوجية فتاكة  ومراكب فضائية خارقة ، ساعين بعناد للعودة لتدمير “مخلوقاتهم ” الافتراضية .

نتعلم الكثير عن أنفسنا كجنس بشري اذا ما ابحرنا وتوغلنا أكثر فأكثر في الفضاء الكوني الخارجي ،حيث تسيطر علينا كبشر فكرة أزلية : ما هي أصولنا ومن أين جئنا ككائنات ذكية متميزة ؟  تبدو فكرة تكون بذرات الحياة من خارج مجرتنا فكرة عبثية ، تصطدم وتتلاعب بالمفاهيم اللاهوتية والدينية ، كما أنها تثير تساؤلا منطقيا : لماذا يقوم هؤلاء ” الفضائيين الغرباء ” بمحاولة العودة لتدمير مخلوقاتهم بعد مضي اكثر من 35000 عام على زيارتهم الاولى لكوكب الأرض ؟  وهل كانت رحلة مركبة ال”بروموثيوس” ذات طابع استباقي  “رؤيوي” ؟ بحيث انها استفزت نواياهم الشريرة وداهمتهم قبل أن يباشروا بهجومهم المرتقب في نهاية القرن الحادي والعشرين ! ولماذا يخاطر رجل اعمال ثري ومهووس  (ويلاند) بتمويل رحلة فضائية باهظة التكاليف (تريليون دولار) وحافلة بالمخاطر غير المتوقعة ؟ ولماذا لا يتضمن الفريق الاستكشافي المتنوع المغامر ضباط حراسة أشداء ومهندسي صيانة مهرة تحسبا للطوارىء ؟ يبدو هنا تأثر كل من المخرج وكتاب السيناريو والقصة  بمؤلف كاتب الخيال العلمي السويسري الشهير ” ايريك فون دانيكن” عربات الآلهة الذي صدر في العام 1968 ، وهو الكتاب الذي لاقى رواجا كبيرا ، والذي اشار فيه بوضوح لدور افتراضي محتمل لفضائيين كونيين في انجازات الحضارات القديمة ( كالمصرية والانكا على سبيل المثال ) ، وساد اعتقاد مؤكد عبر العصور بأنه من الصعب تحقيق المستوى الحضاري الذي وصلنا اليه بدون مساعدة (خارجية) ما .

الفيلم الاسطوري والذي لم يلقى الرواج الشعبي المتوقع ، يستعرض في 124 دقيقة لا يعرف خلالها المشاهد الملل ( بل اني شاهدته مرتين لأتمكن من فهمه كاملا والاستمتاع بالمشاهد البصرية الفائقة المتعة والدلالة ) ، يتميز بجمعه لخصائص مركزة من المزاجية والجدية والابداع والتسلية والتشاؤم والتفاؤل  والاثارة الفريدة من نوعها ، ويخلطها بشكل ساحر لينتج عملا بصريا نادرا  يتنافس بجدارة بل ويتفوق ( نظرا للمؤثرات السينمائية المتقدمة والاستباقية ) على فيلم “اوديسا الفضاء ” لستانلي كوبريك ، وربما كما قال احد النقاد يؤهله لأن يصبح افضل خيال علمي في القرن  الحالي ، وربما واحد من افضل عشرة أفلام متوقعة ! القصة مقدمة بشكل بالغ التركيز وتتحدث عن مركبة فضاء تهبط على كوكب بعيد ( او قمر) قاحل وتتعرض لبعض الأضرار بفعل الهبوط الاضطاري المبكر ، ويحاول الطاقم المنتقى بعناية اصلاحها ، وحيث تبدأ المغامرة  باكتشافهم لمعبد فضائي كبير وبداخله “مجسم دماغ حيوي غريب ” محنط ، بالاضافة للآلاف الجرار البدائية ، حيث يبادر  دافيد “الانسان الروبوتي” بجلب بعض الجرار الى داخل المركبة لتحليل محتوياتها ، ويتبين أن بعض هذه الجرار  يحتوي على المادة الوراثية لألاف النواع الحيوية ( الحاض النووي) ضمن سائل لزج قادر على اعادة استنساخ اي كائن حي بشكل خلوي ، وبعضها الاخر يحتوي على مكونات فتاكة لأسلحة بيولوجية متطورة ، وتبدأ “لعنات الغرباء” بالانتقال لطاقم الرحلة بسرعة غير متوقعة ، فيعانون من مظاهر العدوانية وفقدانهم لتواصلهم الانساني الضروري ، كما يتعرضون لرؤى وهلوسات مرعبة ، ناهيك عن انتقال العدوى الفيروسية الغامضة لهم وتمكن مخلوقات “أخطبوطية” (كزواحف حلزونية طولها يتراوح مابين 75-100 سنتم ) شرسة من النفاذ لأجسام بعضهم ،  ويقوموا تلقائيا بالحج الى اعماق المعبد الفضائي ، وكانهم سحروا ويتلقون رسائل تخاطرية من قبل “الدماغ الحيوي الفضائي” الكامن في قلب المعبد الاسطوري ، وبدا وكأنه يمارس عليهم نوعا من الشعوذة الفضائية الخارقة !

…وفي النهاية التراجيدية  المتوقعة تقوم المسوخ الفضائية الشريرة والشرسة بمهاجمة الفريق الانساني ، ويقتلوا جميعا ولا يتبقى الا العالمة الجريئة “شو” وبقايا الروبوت “دافيد” ( التي تقوم شو بتجميعها وتركيب رأسه ) ، ليقوما برحلة مثيرة جديدة لموطن الفضائيين الأصلي ! اما اللقطة الأكثر اثارة للجدل في هذا الخيال العلمي الجامح والفريد ، فتكمن في اكتشاف الرواد بالصدفة بتشابه مناخ “القمر” الجوي  مع مناخ الأرض ، وذلك عندما يلاحظ احدهم بعد ازالته لخوذته الفضائية انه يتنفس بسهولة تامة ، وربما يفسر هذا سبب اختيار  ” المهندسين الغرباء” لكوكب الأرض تحديدا لزرع بذور حامضهم النووي في غابر الزمان !