الرابط : اصدارات ونقد (::::)
د. أسماء غريب – ايطاليا (::::)
1.1 عن الجَمَال
لِـمَاذا كُلّما رأى الإنسان منظراً جميلاً تحرّكت بداخِله في مُعظم الحالات مشاعر جيّاشة من الدّهشة والرّقة، وفِي حالات أخرى انتابَه شعور بالغُموض والجُمود والدّخول في مدارات الغيبة والتطلسم والسّؤال؟ ربّما لأنّ المَوْضُوع الذي يُصبحُ محطّ تأمّله وتفكيره لهُ من الشّكل واللون، أو الطّعم والرّائحة، أو الصّوت واللاشكل، أو اللالون واللارائحة، أو اللاطعم واللاحركة ما يُثير كلّ أنواع رُدودِ الفعل الوجدانيّة بشكل يترتبُ عليه مُحاولة الإنسان التعبير عن كلّ هذا الكمّ الضّخم من الأحاسيس المتناغمة والمتناقضة فيما بينها، فإمّا ينجح عبر الكلمة أو عبر الصمت، وإمّا عبر السّكون أو الحزن، وإمّا عبر الموت احتراقا بنور الجمال. لكلّ هذه الأسباب تظلّ التجربة الجمالية من أقوى أنواع التجارب وأشدّها وطأة على عقل وقلب وفؤاد الإنسان، إذ من خلالها يتمّ التعبير عن وعْي المُدركات الجمالية بكافة أشكالها وألوانها من خلال الوظيفة البصرية والسّمعية الظّاهرة والباطنة. ووعيُ الجمال يَمُرُّ بمرحلتين أولاهما الشّعور به وثانيهما استيعابه والاستمتاع به، وهما معا مرحلتان متداخلتان ولا يوجد بينهما فاصل زمني، فما إن يُشعر بالجمال يُستمتع به مباشرة . وهذا الوعي يكون في كلّ الحالات متأثراً بعوامل عدّة أهمّها العامل النفسي، ناهيك عن عوامل أخرى شديدة الارتباط بالمجتمع أو بالحقبة التي يعيشها الإنسان أو بمختلف معتقداته بما فيها الدّينية والرّوحانية. ويُعدّ الإنسان الفنان بكلّ انتماءاته الفنّية والإبداعية، أكثر النّاس مسئولية عن التعبير العميق والخلاق عن التجربة الجماليّة بشكل عام، لذا فهو معني أكثر من غيره بالقدرة على تحقيق التوازن بين الضروريات النفسيّة وضرورات المجتمع وممارسة هذه الأخيرة بشكل إنساني قادر على تتبّع الفكرة والتقاط الإشارة الإبداعية مع امتلاك القدرة على التحليل والتركيب والتقويم والتأليف والتقييم لإيصال ما استوعبه من مظاهر جمال الكون وإظهاره لغيره من النّاس في شكل إبداعيّ باهر وبارع. وإذا كان الفنان المستوعبُ للجمال والمنتجُ له في شكل آخر من أشكال الجمال مبدعاً، فإنّ المتلقّي يكون مبدعاً هو الآخر. إذ لا قيمة لما يقدّمه المُبدع في غياب المتلقّي. وتجدُر الإشارة إلى أنّه على الرّغم من كون العديد من المدارس التي تهتمّ بعلم الجمال قد حاولت التقليص من دور الخيال والإلهام في عملية خلق الجمال الفنيّ، إلا أنّه لا يُمكن بأيّ شكل من الأشكال شطبُه من العمليّة الإبداعية، كما لا يُمكن نفي العقل وحُضوره القويّ بكل ميكانيزماته التفكيرية والعقلانية الثابتة في كل خطوة من خطوات عمليّة الخلق الإبداعي لكلّ ما هو جميل. والجمال جزء من الفلسفة، والإنتاجُ في إطاره كفنّ خلاق هو ليس فقط صورة للإبداع الخيالي ولكن للإنتاج العقلي الذي يتمّ عبر أربع عمليّات يُمكن تلخيصها في الاستعداد والإفراخ والتـبلور والنـسج، الشيء الـذي يـؤكد ما للإرادة من دور فعّال في عملية إنتاج العمل الإبداعي من خلال الوعي الإنساني بظاهرة الجمال وكنهها العميق ولا أدلّ على ذلك من التجربة الشعرية الجمالية الروحية الفنية الأدبية التي من أجلها كُرّس هذا الكتاب والخاصة بأديب كمال الدّين، الشاعر الصوفي الذي وهب نفسه وعقله وقلمه وقريحته وكل جوارحه لأسمى علم في الوجود: علم الجمال المطلق أو علم الجمال الإلهي.
إن الله جميلٌ يحبُّ الجَمَال
لا شكّ أن معرفة الله سبحانه وتعالى بالجمال والعشق كانت ولا تزال وستبقى من أرفع وأعظم أنواع المعارف منزلة وقيمة عند الخالق وذلك لأنها وُهِبَتْ وبدون منازع للمُخلصين من عباده، إذ عندما يَرْفـَعُ البارئ برحمته الإلهية الحُجُب الجثمانية يحصلُ لمن يـخْتَصُّ بهذا النوع من العلوم ما يسمّى بالسّلب والجذب والخطف فيقعُ الاصطفاءُ ويُصبح العبْدُ العالـِمُ خِلا للحضرة الإلهية فيعشقُ صانعه ومُبدعه ويفنى في بحار بهائه ثم يصحُو ليتحقق له البقاء في حدائق الكمال والحُسن والوداد بفضل سرّ قوله تعالى؛ ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، الذي إذا تقرّب مني شبراً تقرّبتُ منه ذراعاً وإذا تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة. هكذا هو العالِمُ بالجمال والعارفُ بالعشق الرباني فإما هو مِن زمرة مَن صاح “أنا الحق” أو مِن مَجمع مَن هتف: “جنّنني بي فمتُّ ثم جنّنني بي فعشتُ ثم جنّنني عنّي وعنه فغبتُ ثم أوقعني في درجة الصّحو وسألني أحوالي فقلتُ الجنون بي فناء والجنون بك بقاء والجنون عني وعنك ضياء وأنت في كل الأحوال أولى بنا” أو من فتية كهف “اجتمعتِ الحاءُ بالباء فكان الكون” . ولا غرابة في كون الجميل يُعدُّ من بين أسماء الصفات الأكثر محبة وتأثيرا في قلوب العارفين وقد صدق خير الأنام حينما قال: ((إن الله جميل يحبُّ الجمال)) سبحانه لا جميل يضاهيه في الجمال بل لو كان جمال الخلق كلّهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله بل لكانت النّسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جُرم الشّمس (ولله المثل الأعلى) ومن صفة واسم الجميل تنبع بقيّة أسماء الصفات الإلهية الدائرة في فلك النور والجلالة والظهور والكمال والبهاء، إذ لجمال الحقّ سبحات من النور من عاينها احترقت عين سرّه وإلا ما كان قال عليه أفضل صلاة وسلام (( لله سبحات من النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصر خلقه)) وكشفُ الجميل لجماله هو مقام للشوق والعشق، فيه تلوحُ أنوار الحق وتتزاحمُ داخل قلب العارف غابات من المعارف الشعشعانية كي تدل على الوحدانية من عالم الملك والملكوت، فيصيرُ بهذا صدر العارف مشكاة، وقلبه زجاجة، وعقله مصباحاً لا ينطق إلا بكلمة التوحيد التي تورق بداخله شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، شُبّهت في سورة إبراهيم بالنّخلة التي أورقت وأينعت واخضرّت حينما قال البارئ ساعة الكشف والظهور لأحبابه: ((كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أعرَف)) فغرَف بعد ذلك من بحار الكاف والنون ومحيطات الحاء والباء غرفتين وصبّهما في إناء القدرة واستوقد تحته نار العشق والمحبّة فالتهب الإناء وتأجّج حوله زبدُ الحدوثية فصار هُوَ هُوَ المُضيء بنفسه ((وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)) . هذا النّور بل هذا الجمال والعشق الذي فتن كلّ أهل العرفان والمحبّة لا يُمكنه سوى أن يثير الفضول داخل فكْر كل باحث اطّلع على التّجربة الجماليّة الخاصّة بالشّاعر أديب كمال الدّين كي ينتهي به الأمر إلى الرّغبة في معرفة كيف فعل جمالُ الله بالشّاعرِ كلّ هذا لدرجة أنه أبدع للقارئ 15 ديوانا لا يُتحدّث فيها سوى عن الله واسم الله وجمال الله؟ هذا ما سيُطّلع عليه عبر القادم من صفحات هذا الكتاب.
1.2 صور النّقطة والحرف
قيل الكثير والكثير عن الصّورة في الأدب العربي والعالميّ على السّواء، ويبدو أنّ أوائل فطاحلة نقاد الغرب لم يبدأوا في الاهتمام الفعليّ والحقيقيّ بمفهوم الصّورة إلا عند العقد الثالث من القرن العشرين هادفين في ذلك إلى السّعي نحو تأكيد الجانب الرّمزي للصّورة في النّص الأدبي شعرياً كان أم نثرياً، والجانب اللغوي المجازي بوصفه عنصراً جوهرياً في النّص وعاملاً رئيساً في المعنى والبنية. وتُعدّ الناقدة الإنجليزية “كارولاين سبيرجن” (Caroline Spurgeon) من بين أهمّ مَنْ أبدع من النقاد في الاعتناء بالصورة الفنية حينما وهبت كل طاقتها الفكريّة والإبداعيّة لدراسة الصُّور الشعرية عند “شكسبير” بإخلاص مُنْقطع النّظير ممّا أسفر عن نتائج مُذهلة فتحتْ للقارئ أبواباً جديدة جعلته يطّلع من خلالها على عُمق التجربة الفنية والأدبية الفذة لهذا الأديب الإنجليزي وعلى عقليته الجمالية ورُوحه الإبداعية . أمّا فيما يتعلقُ بالدّراسات الأدبية في النقد العربي الحديث للصّورة فهي لم تتخلف زمنياً عن قرينتها في الأدب الغربي إلى حدّ كبير، وإن اختلف البعضُ عنها من حيث العناوين التقليدية التي يغلبُ عليها الطّابع التراثي والمنظُور البلاغي والبياني، بشكل يتمّ فيه ربط الصّورة بصفتها” البلاغية” أو “البيانية” وأحياناً أخرى بعُنصر مُفرد من عناصرها، فتجدُ العناوين تدلّ على دراسة التشبيه أو الاستعارة أو المجاز، ويُجاوز عدد منها ذلك إلى “الصّورة الفنية” حيثُ الاتساع بدلالة الصورة إلى ما رواء اللغة المجازية من أنماط ونماذج ورموز أو صور ذهنية ، وفي أحيان أخرى يتمّ ربط الصّورة بالنوع الأدبي للنّص. والصّورة عند أديب كمال الدّين، هي تجسيد لشعوره المتدفّق من حنايا تجربته الشعرية التي تفاعلت في نفسه عبر سنين طويلة من الخبرات والمكتسبات الشعورية والحياتية بشكل جعل منه بوثقة نار ونور انصهر بداخلها كلّ ما اعتراه ولم يزل من مشاعر محوّلا إيّاها إلى كلمات تصويرية ناطقة حيّة تتشكل في إطار التجربة بواسطة “التدفق الثرّ لكلّ ملذات اللغة” تدفقاً أصبحت معه صور الشّاعر حمضاً نووياً يُخَزّنُ فيه كلّ المعلومات الخاصّة بقصيدته بما فيها التراثية والتاريخية والسياسية والدّينية والصوفية والأسطورية والطلسمية والنفسية والروحية، ولا أدلّ على ذلك من قصيدته (الكثير من الصور) التي تُعدّ مفتاحاً لبابٍ لابدّ من دخوله لكشف أغوار العديد من القضايا الجمالية والفنية الخاصّة بمُختلف التقنيات والأدوات التي تقوم عليْها الصّورة الشعرية عندَ أديب كمال الدّين، وذلك لأنّ هذه القصيدة بالذات تطرحُ إشكالية تعامُل الشاعر مع الصّورة كمفهوم عام وكيفية اعتباره لهذه الأخيرة قناعا يخفي وراءه الحقيقة التي طالما تمنّى أن يُعبّر عنها بدون أيّ لون أو غطاء. وكون هذه القصيدة ستكون مدخلاً فهذا يعني أنها ستُمهّدُ لما سيتمّ وضعُ اليد عليه عبرها من الخيوط الأولى الموصلة لماهية الصّورة عند الشّاعر لا بمفهومها الصّوفي فقط ولكن بمفهومها الأدبي والإبداعي. لذا فإنّه سيُحاول في البداية فهم ما يعنيه أديب كمال الدّين بالصور المسطورة داخل أحرف هذه القصيدة ثم بعد ذلك تسليط الضوء على مختلف مستويات الصورة الأدبية والفنية للشاعر وهو يمخُر عباب محيطات الحرف والنقطة.
يقول الشاعر:
“التقطنا معاً،
يا صديقي الحرف،
الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة
قرب الجسر
وقرب باب المدرسة
وقرب محطة القطارِ النازلِ إلى الجحيم.
وعلى مائدةِ النقطة
وكأسها المترعِ بالشوق
التقطنا صوراً عاريةً
إلا من الألم،
صوراً عاريةً إلا من صرخاتِ الليل،
صوراً عاريةً إلا من قميصِ الله.
نعم،
التقطنا صوراً ملوّنةً
بلونِ الغروبِ عند البحر
أو بلونِ الأمطارِ الأستوائية
أو ملوّنةً بغيومِ الشتاءِ البعيد
أو بظلالِ النساء
أو بنورِ الشمس
وهي تتعرّى على امتدادِ المحيطِ العظيم.
هذه الصور تسمّيها أنت،
وأنتَ على حقّ،
تسمّيها قصائد.
وأنتَ فرحٌ بها
لأنكَ ابتكرتها
وكنتَ فيها الظاهِر والباطِن.
أما أنا فسأموتُ دون أنْ أكتب
قصيدتي التي أقولُ فيها الحقيقةَ عاريةً
دون صورٍ من أيِّ نوعٍ كان!” تبدو القصيدة في ظاهرها بريئة حدّ الموت، وخالية من أيّ فخ يكون قد نصَبه الشاعر عن قصد أو غير قصد للقارئ، وبراءتُها هذه هي التي تجعل منها نصّا في حاجة إلى قراءة مضادّة تقوم على التشكيك المعرفي وتكون المحلول الذي ستُنقع بداخله بيتا بيتا كي يتم الكشفُ عمّا بين ثناياها من رُموز وصُور جمالية. يقول الشاعر في مطلع القصيدة: “التقطنا معاً،/ يا صديقي الحرف،/ الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة / قرب الجسر / وقرب باب المدرسة” وهي مقاطع يبدو فيها الشاعر وكأنه يخاطب صديقاً ما أعطاه اسما ربّما يكون وهميا كي يغطّي به اسمه الحقيقي. صديقا يُحتملُ أن يكون قد عرفه منذ سنين الطفولة وشاركه اللعب والذكريات البعيدة عند الجسر وعند باب المدرسة. لكنّ الأبيات التي تلي مباشرة هذا الجزء تجعل المتلقّي يشعرُ وكأن كلّ ما قدّمه لهُ الشّاعر من أفكار ومعلومات هي الآن على وشك أن تُنسف الواحدة تلو الأخرى أو كأنه أمام سلك كهربائي عارٍ ما إن تمسكُ به يدُه المبللة بماء البحث حتى تُصعق بتيار حارق يولّد بداخله سيلا عارما من الأسئلة: ـ عن أيّ قطار يتحدّث الشاعر؟ بل كيف لهذا القطار أن يسافر بطفلين صديقين مازالا على عتبات المدرسة إلى الجحيم؟
ـ كيف تكون للنقطة مائدة ومَن أو ما تكونه هذه النقطة؟ ـ بل كيف يُمكن لهذين الصّديقين أن يلتقطا صوراً مع هذه النقطة وهم حول أو فوق مائدتها؟ ـ هل هذا الصّديق هو شاعر أيضاً، مادام قد سمّى الصّور التي التقطها مع صديقه بالقصائد؟ ـ وهل النّص يحملُ بين ثناياه هوية شاعرين أحدهما يكتب القصائد والثاني مازال لم يكتب قصيدته العارية إلى اليوم؟ يؤسفني أن أقول لك أيّها القارئ أن كلّ علاماتِ الاستفهام هذه لا فائدة منْها تُرجى، لأنّها تبدو وهماً أو سراباً بعيداً ما دُمنا أنت وأنا لم نضعْ يدنا على أهمّ صورة التقطها لاوعي الشاعر وقدّمها لك مفتاحا على طبق من فضّة كي تتمكّن من حلّ لغز قصيدته هذه بل قصائده جميعا: وهي الصّورة التي يسمّيها أهل البلاغة والنقد بالتشخيص أو الأنسنة، وذلك لأنه مشى على نهج تقنية نقل الكائنات الحيّة والجمادات التي تدرَكُ بالحواسّ المختلفة من عالمها الحسّي إلى عالم حسّي جديد تكتسبُ فيه صفات البشر، فتصبح شخوصاً ناطقة بالضّبط كما أصبحه “الحرف” هنا في قصيدة الشاعر، فهو شخص يتبادل الحديث والذكريات مع الشاعر عن قصائده العديدة أو صوره التي التقطها والشاعر في مواقف ومراحل حياتية مختلفة ومتنوعة.
فمن يكون هذا “الحرف”؟ وما جوهر هذه “الصور” التي التقطها مع الشاعر؟ يقول الناقد أ . د. عبد الإله الصائغ في كتاب (الحروفي): “استطاع الشاعر أديب كمال الدّين خلق شعريته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة حتّى أنسن الحرف وأنسن النقطة! فأنت لا تقرأ حرفاً خالصاً كما تراه أنت أو أنا! وإنما تقرأ الحرف كما يراه الشاعر! وليس ثمة سوى التشفير أحياناً والتماهي مع الحرف أخرى وتمجيز الحرف ثالثة في فضاء لانهائي تتوحد فيه الأصوات والمرئيات والمشمومات والمجرات والحبيبات حتّى يعسر وضع حدود بين المحدودات! إذن (الحرفنقطة) باختصار واتساع شديدين عالم القصيدة والقصيدة أيضاً عالم الحرفنقطة! الحرف كلّ شيء وكلّ شيء الحرف! السماء حرف والأرض كذلك! القتلة حروف والمقتولون حروف! الحبيبة الطاهرة حرف واللعوب الغادرة كذلك! الثنائيات حروف الليل والنهار الموت والحياة الإبداع والأتباع حرف! ليس ثمة مشكلة على مستوى الرؤية! ولكن كلّ المشكلة في مشغل القصيدة! أن تحوِّل المحسوس مجرداً والمجرد محسوساً! أن تؤنسن مفردات الطبيعة أو تعيد مفردات الإنسان إلى الطبيعة!”
نعم، لقد صدق د. عبد الإله الصائغ حينما قال إنّ المُعضلة الكبرى هي مشغل نصوص أديب كمال الدّين ذاتها باعتبارها جسداً يضمّ وحدات تصويرية بعضها كلّي وبعضها جزئيّ يصوغها الشاعر بالاستدعاء الوجداني فتصبح أحياناً وكأنّها وحدات تعبيرية صغيرة تمثل لقطة فنية تصويرية خاطفة وأحياناً أخرى تصبح جزءاً من تصوير مركّب أكثر شمولية تتشكل بداخله صور مركّبة وشديدة التعقيد وبعيدة الأثر كما هو الحال في الصور التي ضمّها هذا النّص. ما الذي دفع الشاعر بأنسنة “الحرف” أولاً و”النقطة” ثانياً؟ للجواب عن هذا السؤال سيتمُّ تحليل اللقطات الفنية التصويرية الخاطفة أولاً ثم بعد ذلك الصور الأكثر تركيباً وتعقيداً: يقول الشاعر في بداية النّص:
” التقطنا معاً، يا صديقي الحرف، الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة” • التقط + نا + معا من البديهي ألا تكونَ هناك بين الفعل ونون الجماعة أيّة مسافة أو فاصل، فالعلاقة حميمية ومتماهية لدرجة الذوبان، وإضافة الشّاعر ل “معا” ماهي إلا بدافع التأكيد على درجة الحميميّة الكُبرى بينه وبين الحرف، هذه الحميمية التي تصبح أكثر وضوحا وتجليّاً حينما يُضيف عبارة “يا صديقي”. والنتيجة المتحصل عليها يمكن تشكيلها إذن كما يلي: التقط + نا الفعل هنا يدلّ على السّرعة في تخزين الصور، لكن (الشاعر لم يتحدث عن “العنصر المُصوِّر”) هل هو عدسة آلة تصوير حقيقية أم هو عدسة العين المجرّدة؟ وفي هذه الحالة منْ كان يُصوّر منْ؟ هل الشاعر هو الذي كان يصوّرُ الحرف، أم العكس؟ أم أنهما معاً (مادامت “نا” هنا تدلّ على المعيّة والجماعية في القيام بالفعل ذاته) كانا يصورّان صورا كلٌّ بعينه أو كلّ بآلته التصويرية.
معا يبدو أن هذه ال “معا” مشكلة حقيقية هنا، فهي وإن كانت من الناحية الإعرابية حالاً مؤوّلاً بمشتقّ «مجتمعين» منصوباً وعلامة نصبه الفتحة لفظاً والثانية للتنوين، فمِنَ المُحْتمل أنْ تكونَ حالاً كاذباً لهُ بزيفه هذا أن ينْسف علاقة الحميميّة التي سبقت الإشارة إليها قبل قليل: ولو افتُرض أن كلّ طرف من أطراف الفعْل قد التقط لوحده صورا، فمن الممكن جداً أن تكون صُور كلّ واحد من الاثنين مختلفة عن صُور الآخر ومن الجَائز أيْضاً أن تكون المَعية هنا مَعية رفقة أو صُحبة في القيام بذات الفِعْل فتُصبح بذلك عبارةُ “يا صديقي الحرف”.حمّالة أوجه وتفسيراتٍ مُختلفة. فإلى أي حدّ يُمْكن اعتبار هذا الأمر صحيحاً؟
يُكمل الشّاعر ويقول: • “الكثير من الصور التذكارية” يعني أن الصّور كثيرة ومتنوعة، وبالتالي فإن العلاقة الجامعة بين الطّرفين استمرّت على طُول وامتداد فعل التقاط الصّور. حتى عبارة “التذكارية” هنا لها من طابع الحميمية والقرابة ما يجعلُ القارئ يتساءلُ عن نوعيّة ودرجة هذه الصّداقة التي راكمَ الشاعرُ وصديقه الحرف بداخلها وعلى طولها كلّ هذه الصّور أو هذه الذّكريات. ما الذي يقصدُه الشاعر بهذه الصّور؟
يجيبُ الشاعر سريعاً عن هذا السّؤال القلق فيسردُ لائحة من الصّور ويحددّ مَكانها ويرْمي كرة تحديد زمانها في ملعب المُتلقّي: إذن فالصّور مأخوذة قرْبَ الجِسر / قرب باب المدرسة / قرب محطة القطار النازل إلى الجحيم / على مائدة النقطة وكأسها المترع بالشوق.
لكن ليس هذا فقط فهو يمُدّ المتلقّي بعُنصر آخر ومعلومات أخرى عن هذه الصّور: فهي جميعُها عارية (إلاّ) من الألم / من صرخات الليل / من قميص الله. ولكنها في الوقت نفسه ملوّنة بلون الغروب عند البحر (أو) بلون الأمطار الأستوائية / بغيوم الشتاء البعيد / بظلال النساء / بنور الشمس وهي تتعرّى على امتداد المحيط العظيم. كلُّ هذا يعني أنّه حَانَ الوقتُ للتوقف عند كلّ عنصر على حدة، وسيـُبدأ أولاً بعنصر المكان كدالّ على عُنصر الزّمان، ثم سيتمُّ الختمُ بالتوقف عند عنْصُري العُري واللون عبْر سؤال آخر يُحاول معْرفة كيْف يُمْكن الجمْع بين هذين العُنصرين المُتناقضين، أيْ كيْفَ يُمكن للصّور أنْ تكُون عارية وفي الوقت نفسه مُلوّنة؟





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

