من ذا اصابك يا بغداد بالعين

 

الرابط : اراء حرة (::::)
*طلال قديح – الرياض ( ::::)
على امتداد التاريخ قديماً وحديثاً لعب العراق دوراً محورياً ورائداً، وظل الرقم الصعب في كل المعادلات الدولية سلماً أو حرباً.. وبقي  ساحة للحروب وحقل تجارب للأسلحة بكل أنواعها  مما دفعه لأن يدفع الثمن غالياً من دماء أبنائه ومقدراته وثرواته المتعددة التي يسيل لها لعاب الأعداء فضلاً عن الموقع المميّز الفاصل بين شرق العالم وغربه.            عرف العراق حضارة الرافدين التي أهدت للإنسانية كنوزاً من الثقافة والعلوم التي لا تقع تحت عد أو حصر..فهي مهد الحضارات الأشورية والبابلية ثم الإسلامية التي توجت بالخلافة العباسية التى استمرت ما يزيد عن خًمسة قرون كانت فيها بغداد قبلة العلماء وملتقى الفقهاء ومنطلق الجيوش الإسلامية الفاتحة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، نهضت فيها بغداد نهضة عملاقة أهدت البشرية علماء أفذاداً ظلوا شامة في وجه التاريخ ، وسُطّرت أسماؤهم بمداد من نور وظلت أنشودة على ألسنة الزمن.
لم يَرُق للأعداء أن تتربع بغداد على قمة المجد فكان الغزو المغولي البغيض الذي قتل ودمر التراث وأغرق الكتب في نهري دجلة والفرات وبهذا قضى على حضارة عظيمة عريقة وأعاد العالم إلي شريعة الغاب!
وبكى الشعراء بغداد بكاء لا نظير له وحزنوا عليها حزناً شديداً:
من ذا أصابك يا بغداد بالعين   وقد كنت دهراً قُرّة العين؟!
وتتكرر نكبات بغداد وصولاً إلى العصر الحديث الذي غزت فيه أمريكا العراق بحجة امتلاكه أسلحة كيمائية ومفاعلاً نووياً ووجدت من يصدقها ويسير في ركابها دون أن يعطي نفسه مهلة للتفكير السليم.. وكانت حرب دمرت الحجر وأحرقت الشجر وقتلت البشر وحرقت الأخضر واليابس وأعادت العراق أعواماً طوالاً إلى الوراء وهذا ما كان بسعى له الغرب الحاقد ومعه ربيبته إسرائيل التي قطفت ثمار الحرب وحدها ولصالحها كما هو ديدنها منذ نشأتها.
وبعد ذلك ومع مرور الوقت يتبين زيف كل الادعاءات الكاذبة والمبررات المضللة مما دفع العقلاء للمطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب أمام محكمة العدل الدولية لينالوا عقابهم الرادع ويكونوا عبرة لغيرهم. ولكن هيهات أن يتم ذلك في ظل سيطرة الغرب على الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي!!
وانسحب المعتدون من الباب ليعودوا من النافذة مطمئنين أن أتباعهم سيبقون يقومون بالدور المسند إليهم تحت غطاء الديموقراطية الزائفة.وهكذا لم يتح للعراق أن يلتقط أنفاسه ولم يعط فرصة للبناء والإعمار وإصلاح الدار ليجد نفسه من جديد أمام طوفان من المشاكل والنزاعات الطائفية التي ترتبط بأجندات أجنبية لا تريد خيراً للعراق وتعمل لحسابها تحت مظلة وبدافع الطائفية البغيضة والتي هي من أفدح الأخطار التي تهدد العراق في وحدته الوطنية وانتمائه العربي الاصيل.
إن ما يجتاح العراق الآن من حملة تفجيرات لم تستثن مدينة أو قرية ولم ترحم شيخاً أو طفلاً لهو دليل على ما يخبئه الأعداء لهذا البلد العربي العريق من دسائس ومؤامرات لا نهاية لها..فالأعداء هم هم لا يتغيرون وإن تغيرت أزياؤهم  وتلونت وجوههم القبيحة!
إن الأعداد الهائلة للقتلى والجرحي تدمي القلوب وتملأ النفوس أسى وحزناً.. فهم على كل حال إخواننا وأهلنا وعشيرتنا نأسى ونتألم لما يصيبهم..ومما يؤسف له أن نجد البعض ممن يتربعون على سدة المسؤولية لا يعون الأخطار المحدقة بالعراق وكل همهم كرسي الحكم وليذهب ما عداهم إلى الجحيم.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن ما ينتاب العراق من أقصاه إلى أدناه من تفجير وتدمير يطال مئات الضحايا يذهب به إلى مهاوي الردى ويبعده عن مكان الصدارة في المنطقة وهو ما يخطط له الاعداء إدراكاً منهم  لأهمية مكانته ودوره البارز على المستوىين المحلي والدولي. فهو دولة محورية لها ثقلها ولها وزنهاٍ انطلاقا من موقعها وإمكاناتها العلمية والاقتصادية المؤثرة.
إن معاناة العراق ليست بعيدة عن معاناة سوريا والمنطقة كلها فالعدو واحد والأيدي التي تعبث هنا وهناك واحدة.. المنطقة كلها على صفيح ساخن لا يهدأ لحظة حتى يشتعل من جديد ليكون أشد لهيبا يكتوي به الجميع ويقاسيه الكل.
أيها العراقيون : احذروا أن تكونوا وقوداً لفتنة لا ناقة لكم فيها ولا جمل..كنتم دوماً عراقيين عرباً تنتمون إلى وطن واحد يجمعكم الدين والوطن والقربى والتاريخ.. لا تلتفتوا إلى ما ينصب لكم من مكائد يحاول الأعداء الوصول من خلالها إلى ما يقوّض دعائم اللحمة الوطنية ويهدم منجزاتكم العظيمة في كل المجالات. تخطوها بحكمة وحذر.
حفظ الله بلاد الرافدين وحفظ الله بغداد لتظل منارة إشعاع حضاري وعلمي يبدد ظلمات الجهل .. وقى الله العراق وكل بلاد العرب كل الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم آمين.
• كاتب ومفكر فلسطيني.