التاريخ الشفهي

 

الرابط : فن وثقافة (::::)

محمد حبيدة – المغرب (::::)

التاريخ الشفهي قطاع إسطوغرافي يرتبط بالبحث في المروي، جمعا وحفظا ودراسة، بكيفية منظمة، وهو تاريخ مكتوب بشكل رئيسي انطلاقا من تحقيقات ومرويات غير مكتوبة. هكذا يُعَرِّف الباحثون التاريخ الشفهي. في المنطلق، كان السوسيولوجيون التجريبيون في الولايات المتحدة الأمريكية هم الذين اقتحموا هذا الميدان منذ مطلع القرن العشرين، وساهموا في إغناء المعرفة التاريخية، كما هو الشأن بالنسبة لقطاعات إسطوغرافية أخرى، مثل التاريخ والذاكرة مع عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالفاكس، وتاريخ العقليات مع عالم الاجتماع الألماني نوربير إلياس. وكانت تجربة السوسيولوجيا التجريبية هذه قد همت المهاجرين البولنديين في أمريكا، إذ ركز الباحثون على حكي الفرد كمصدر شخصي مليء بعناصر الملاحظة، لإعادة بناء حياة الفرد، ومن ثم حياة الجماعة، ووضعها في سياقها الاجتماعي والتاريخي. واقتبس المؤرخون مفهوم التاريخ الشفهي عن السوسيولوجيين الأمريكيين، إذ بدأت تظهر شيئا فشيئا فائدة النص الشفهي في توسيع فهم التاريخ، وأخذ المؤرخون يعيدون الاعتبار للحكي، ويتناولونه كمصدر تاريخي، وكموضوع للتاريخ في نفس الآن.           بدأ التاريخ الشفهي مع المدرسة الأمريكية التي كان لها السبق في الكشف عن أهميته وفائدته في إضاءة مناطق الظل في ماضي المجتمع وبنياته الاجتماعية والسياسية والثقافية. ويميز الباحثون ضمن هذه المدرسة بين “تيار شيكاغو”، و”تيار كولومبيا” بنيويورك، لأن الأولى اهتمت بتاريخ المنْسِيين، من مهاجرين وكادحين ومقصيين، وجمعت شهاداتهم وتجاربهم وكتبت تاريخهم، بينما ركزت المدرسة الثانية على شهادات علية القوم وأصحاب القرار وكبار رجال الأعمال قصد فهم دورهم في مجرى التاريخ. ويبقى تيار شيكاغو، ورواده السوسيولوجيون، وليام إسحاق توماس وفلوريان فيتولد زْنانييكي، هو الذي أسس لهذا التوجه المعرفي الذي ربط بين الحكي من جهة، وحياة الفرد من جهة ثانية. وقد تبين للمؤرخين أهمية هذا النهج، فساروا على درب مقاربة شيكاغو لدراسة تاريخ السود في أمريكا في الثلاثينيات من نفس القرن، وهو مشروع ضخم كانت قد أشرفت عليه السلطات الفيدرالية، إذ اعتمد الباحثون على أقوال السود المسنين وما اختزنته ذاكرتهم من حكايات متوارثة شفهيا أبا عن جد.           أما تيار كولومبيا، الذي اهتم بالطبقة العليا في المجتمع، فقد ظهر مع ألانْ نيفينس الذي أنشأ سنة 1948 أول مركز للتاريخ الشفهي بجامعة كولومبيا في نيويورك، وخصص دراسة هائلة لعائلة روكَفيلير المشهورة انطلاقا من روايات شفهية بالدرجة الأولى.           بهذه الجهود، تبددت شكوك المؤرخين حول التاريخ الشفهي، وانتقلت فائدته إلى أستراليا، وأوربا أيضا، وبالأخص بريطانيا، حيث انفتح الباحثون على مناهجه ومقارباته، وتعددت الجمعيات ومجموعات البحث في التاريخ الشفهي، وظهرت دوريات متخصصة، ونُظمت ملتقيات دولية لتبادل الخبرات ووجهات النظر وطرق البحث في الموضوع.           أما في فرنسا فلم يظهر الاهتمام بهذا الميدان إلا في وقت متأخر. ومع ذلك، كان الجيل الأول من مؤرخي مدرسة الحوليات الفرنسية مثل مارك بلوك ولوسيان فيفر، قد كافح منذ مطلع القرن العشرين من أجل تحطيم أبراج التاريخ الوضعاني المتشبث بقدسية الوثيقة المكتوبة، وتوسيع قاعدة المصادر، بالاعتماد ليس فقط على الوثائق المكتوبة، وإنما أيضا بالتنبه لكل ما من شأنه المساهمة في فهم الماضي، وربط الجسور بين الحاضر والماضي. ويتعلق الأمر بالمسكوكات، والتوبونيميا، والإقونوغرافيا، والرواية الشفهية. لكن مكانة هذه الأخيرة ظلت صغيرة في مقاربتهم، ولم تتسع إلا مع مطلع الثمانينيات، كما يدل على ذلك العدد الخاص الذي أصدرته مجلة “الحوليات: اقتصاديات، مجتمعات، حضارات”، سنة 1980، تحت عنوان “الأرشيفات الشفهية: تاريخ آخر”، وأيضا العمل الجماعي الذي أشرف عليه المركز الوطني للبحث العلمي بباريس في موضوع “الرواية الشفهية والهوية الثقافية”، والندوة الدولية التي نظمتها جامعة بروفانسيا سنة 1982 بخصوص “التاريخ الشفهي”، وأعمال أخرى مشابهة.           مهما يكن من أمر هذا التأثر المتأخر للمدرسة الفرنسية بالمدرسة الأنجلوساكسونية، فإن الأمر يتعلق من الناحية المعرفية والمنهجية بتوجه تاريخي حقيقي كشف، في مرحلة أولى عن رصيد الثقافات غير المكتوبة في أمريكا وأستراليا وإفريقيا، لينتقل في مرحلة ثانية إلى الثقافات المكتوبة في مجتمعات أوربا الغربية على وجه الخصوص، ويُبْرِز بالتالي جوانب هامة من تاريخ الحياة الاجتماعية.           نعلم جميعا، نحن معشر المؤرخين، أن كتابة التاريخ انطلقت في الأصل بالاستناد إلى الشفهي، أي بالاستناد إلى ما قاله الشاهدون، إذ بهذه التقنية التأريخية القديمة كتب هيرودوت “التنقيب”، وألّف توسيديد “حرب البيلوبونيز”، ودوَّن المؤرخون العرب الأوائل بدايات الإسلام. ويرى فيليب جوتار، وهو من المؤرخين المختصين في هذا المجال، أن استناد المؤرخين إلى الاستناد إلى الشفهي يعود إلى عاملين رئيسيين، هما: أولا، تطور المعرفة التاريخية، وانفتاح المؤرخين على أدوات جديدة لتناول التاريخ وتوسيع فهمه. ثانيا، وأساسا، تطور وسائل الاتصال المرئية والمسموعة.           ويمكن تناول الرواية الشفهية من خلال مفهومين رئيسيين: المفهوم الأول هو “المصَبَّرات الثقافية” الذي يستعمله الباحثون المختصون في الدراسات الأفروأمريكية لنعت ما احتفظت به ذاكرة السود عبر الزمن، وعبر المكان ومتغيراته، جيلا بعد جيل. والاشتغال حول هذا المفهوم هو الذي مكنهم من فهم تاريخ الأفارقة وثقافتهم، وكتابته. أما المفهوم الثاني فيرتبط بـِ “النصوص الإثنولوجية”. ويتعلق الأمر بـِ نصوص شفهية، أدبية أو غير أدبية، لغوية أو دارِجة، ذات قيمة إخبارية، إثنولوجية، تاريخية، لسانية، وهي الفولكلور والحكايات والأغاني والأمثال وغيرها من الأصناف الأدبية العامِّية، التي اشتغل عليها مجموعة من المؤرخين والإثنولوجيين واللسانيين في تجربة همت منطقة جنوب شرق فرنسا. وكل هذه النصوص الشفهية تكشف عن تقنيات الحياة اليومية، وتعكس مشاكل الناس وأساليب حل هذه المشاكل. وبعبارة أخرى، تعكس حكم المجتمع على ذاته، عبر أصوات الرواة، وعبر تعليقات المستمعين. ولذلك، تشكل هذه النصوص شهادات من الداخل، وليس ملاحظات من الخارج.           تكمن أهمية الرواية الشفهية فيما تحمله من تصورات وتمثلات. وهذا أمر هام بالنسبة للباحث الذي يحرص على خلق تقاطعات معرفية، بين هذه الثقافة العامِّية، العفوية، من جهة، والثقافة العالِمة، الأدبية، من جهة ثانية، قصد تعميق فهم المجتمع وسلوكياته. لكن مشكلة الرواية الشفهية تكمن فيما تحمله من ذاتية، وانطباعية، وانفعالية، لأنها تَعْرِض لما يتمثله الناس بشأن أحداث سياسية أو مظاهر اجتماعية أو سلوكيات أو إحساسات. ولذلك تظهر كصورة تختلط فيها المرجعيات، الفردية والجماعية. لهذه الأسباب، يكون على المؤرخ تفكيك مستوياتها وتفسير تداخلاتها وقراءة خفاياها، ومن ثم معالجتها بالنقد والبرهنة. وإذا كانت مهمة السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين عسيرة في التعامل مع النص المروي، فإن مهمة المؤرخين تبدو أكثر تعقيدا بالقياس إلى ثلاث مشكلات رئيسية:           أولا، مشكلة متصلة بسلطة الوثيقة المكتوبة الجاثمة على صدر المؤرخين. ولذلك فإن المؤرخ يجد نفسه أمام تحدي منهجي كبير، ألا وهو جمع الشواهد الشفهية ومقابلتها بالشواهد المكتوبة، وضبط سياقاتها الزمنية، في الوقت الذي يمنح فيه الكلمة للذين لم يكن بإمكانهم تاريخيا التعبير، بشكل أدبي، عن قضاياهم، كالفلاحين والنساء والأقليات والمهمشين، وكل أولئك الذين استمعوا في صمت، وهمسوا روايات منقولة، وعلقوا وحكوا ولم يقرأوا.           ثانيا، مورفولوجية الحكي، إذ يكون على الباحث التمييز داخل هذه المورفولوجية بين المروي الحقيقي، والمروي غير الحقيقي كالأساطير والحكايات التربوية الموجهة للأطفال والحكايات المبتكرة مثل السرد الفكاهي وسرد قصص الحيوان. ومما يزيد من صعوبة تناول هذه المرويات، كون أن الحدود بين ما هو حقيقي وما هو متخيَّل هي حدود ضبابية وغير قارة.           ثالثا، مشكلة مرتبطة بالزمن، وتحديدا بالكرونولوجيا. وفي واقع الأمر تشكل الكرونولوجيا نقطة ضعف كبيرة في التاريخ الشفهي. ففي إفريقيا مثلا يواجه المؤرخون، وهم يبحثون عن بقايا التاريخ انطلاقا من حكايات الناس ورواياتهم، مشكلات جمة بسبب افتقاد هؤلاء للحس الزمني اللازم الذي من شأنه أن يمنح لكلامهم معنى زمنيا. فمعظم المسنين الأفارقة لا يعرفون سنَّهم بالضبط، وحتى شيوخ القبائل وكبراء القوم لا يعرفون تماما كم حكموا قبائلهم وجماعاتهم.           لذلك يستلزم التاريخ الشفهي من المؤرخ تبني رؤية نقدية في تناول المرويات. وتبقى أول خطوة في هذا الباب هي المقابلة بين الرواية الشفهية والأرشيفات المكتوبة وأنواع مصدرية أخرى، كالأشرطة المصورة مثلا، هذا بالإضافة إلى طرق عمل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وبالخصوص دفتر التنقيب وجمع المعطيات.           وبصفة عامة، يمكن القول أن التاريخ الشفهي يتيح للمؤرخ توسيع حقل البحث والتفكير في القضايا التي يتفاعل فيها الماضي والحاضر، واقتحام مجالات ظلت في بالأمس حكرا على السوسيولوجيين أو الأنثروبولوجيين، إذ بفضل البحث في المروي، يمكن ولوج دوائر ومواقع اجتماعية لا تكشف عنها المعلومة المكتوبة، ومنح الكلمة لمنسيي التاريخ. ولذلك، يُولِي التاريخ الشفهي اهتماما خاصا للمهمَّشين كالنساء والأقليات والكادحين، الذين نادرا ما يظهرون في النص المكتوب، اللهم عبر نظرة الآخر، العدائية في الغالب. والاهتمام بالمهمَّشين هو اهتمام بالتاريخ الاجتماعي وتاريخ الحياة اليومية وتاريخ العقليات.