كلمه في ذكرى ( مارتن لوثر كنج) 1939-1968

 

الرابط : الولايات المتحده الامريكية (:::)

أ. د. حسيب شحادة – جامعة هليسنكي (::::)

تصادف هذه الأيامَ،‏ ‬وعلى وجه التحديد،‏ ‬في‏ ‬الرابع من نيسان الجاري‏ ‬الذكرى الخامسة والأربعون لاغتيال الزعيم بلا منازع لحركة الحقوق المدنية في‏ ‬أمريكا، القِسّ‏ ‬الدكتور مارتن‏ (‬ميخائيل‏) ‬لوثر كنچ‏  ?(.Martin Luther King, Jr)‏. ‬كرّس هذا الزعيمُ‏ ‬الفذّ‏ ‬حياتَه القصيرة وضحّى بها من أجل انتزاع الحقوق المدنية للسود المق قهورين في‏ ‬بلاد العم سام الديموقراطية‏. ‬ وُلد ميخائيل الذي‏ ‬عُرف فيما بعد بمارتن واختصاراً‏ ‬ب‏ ‬MLK‏ ‬في‏ ١٥ ‬كانون الثاني‏ ١٩٢٩  ‬في‏ ‬أطلنطا   ‏. ‬كان أبوه وجدّه‏ (‬والد أمه‏) ‬قِسيسََيْن مَعمَدانيّيْن في‏ ‬كنيسة ابن عيزِر(Ebenezer)‏ ‬في‏ ‬أطلنطا،‏ ‬ف! الجدّ‏  ‬هذا‏ ‬A. D. Williams‏ ‬وصل إلى أطلنطا عام ‏١٨٩٣‬وأقام هناك طائفةً‏ ‬معمدانية كبيرة‏. ‬من أهمِّ‏ ‬ما تعلّمه مارت! ن وشقيقُه وشقيقتُه من والدهم هو‏: ‬معاملة كافّة الناس بالتقدير والاحترام‏. ‬ كان مارتن طالباً‏ ‬لامعاً،‏ ‬فقد حصل على شهادة الباكالوريا (B. A.= Bachelor of Arts)‏ ‬في‏ ‬علم الاجتماع   سنة ‏١٩٤٨ ‬من جامعة أطلنطا وهو ابن ١٩ ‬عاماً‏ ‬ثم على شهادة الدكتوراة‏ ‬Ph D. = philosophiae doctor‏ ‬في‏ ‬علم اللاهوت من جام 93 عة بوسطن سنة ‏١٩٥٥. ‬ أحسّ‏ ‬مارتن لوثر كنچ منذ نعومةِ‏ ‬أظفاره بالتمييز العنصري‏ ‬بين البيض والسود‏ (‬الملوّنين‏) ‬في‏ ‬  ?أمريكا‏. ‬رأى مثلاً‏ ‬بأنه لا‏ ‬يحقّ‏ ‬له أن‏ ‬يشربَ‏ ‬من نفس الحنفيات التي‏ ‬يشرب منها زملاؤه البيض وقِس ععلى ذلك بالنسبة لاستعمال المراحيض‏. ‬كما وفرّقت السياسةُ‏ ‬هناك بينه وبين صديقِه الجار الأبيض الذي ed‏ ‬كان‏ ‬يلعب ويمرح معه إبّان دخول المدرسة‏.‬

يبدو أن بداية نشاط مارتن لوثر كنچ كداعية لحقوق الانسان الاجتماعية وكرئيس مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية‏ ‬(SCLC = Southern Christian Leadership Conference)‏ ‬تعود لحادثة اعتقال السيدة الافريقية‏ – ‬الامريكية روزا پاركس‏ ‬(Rosa Parks) البالغة من الع aمر ٧٢ ‬عاما بسبب ارتكاب‏ “‬جريمة‏” ‬لا تُغتفر‏. ‬إنها لم تقم في‏ ‬الأول من كانون الأول سنة ١٩٥٥ ‬لتُخلي‏ ‬مقعد َها في‏ ‬الباص لرجل أبيض‏. ‬قام الأفارقة‏ – ‬الأمريكيون بمقاطعة السفر في‏ ‬الباصات في‏ ‬مونتچومري‏   ‬لمدة ١٣٨ ‬يوماً‏. ‬لقد أثمر ذاك الاحتجاج إذ أعلنت ولاية ألاباما عن عدم شرعية التفرقة في‏ ‬أماكن الجلوس بي   البيض والسود في‏ ‬الحافلات‏. ‬   في‏ ‬هذه العُجالة لا‏ ‬يتسنّى لنا التطرقُ‏ ‬إلى جميع جوانب النشاط الاجتماعي‏ ‬الذي‏ ‬مارسه مارتن لوثر كنچ في‏ ‬الخمسينات وأوائل الستينات من القرن العشرين‏. ‬إلا أنه لا بدَّ‏ ‬من ذكر بيت القصيد في‏  ?هدا الصدد وهو ممارسة أسلوب العصيان المدني‏ ‬(civil disobedience)‏ ‬واللا عنف‏ ‬(non-violence)‏ ‬في‏ ‬المظاهرات والاحتجاجات‏. ‬أمامَنا   نمطٌ‏ ‬من أنماط الممارسات السياسية المتمخّضة عن خرق متعمّد للقوانين بُغيةَ‏ ‬استقطاب الرأي‏ ‬العا c7م إزاءَ‏ ‬الظلم والاضطهاد‏. ‬ومن المرجّح أن أصلَ‏ ‬هذه الفكرة‏ ‬يرجع إلى الكاتب والفيلسوف الامريكي‏ ‬David Thoreau‏   0 (١٨١٧-١٨٦٢) ‬الذي‏ ‬كتب مقالاًَ‏ ‬بعنوان‏ “‬العصيان المدني‏” ‬Civil) (Disobedience‏ ‬سنة ١٨٤٨. ‬وكما‏ ‬يعرف الكثيرون فقد م  ارس هذا النوعَ‏ ‬من النضال المثمر الزعيمُ‏ ‬الهندي‏ ‬مهاتما‏ ‬غاندي‏ (١٨٦٩-١٩٤٨) ‬(Mohandas Karamchand “Mahatma” Gandhi)‏ ‬الذي‏ ‬اغتيل هو ال لآخر‏.‬ زار مارتن لوثر كنچ الهندَ‏ ‬عامَ‏ ١٩٥٩ ‬تلبيةً‏ ‬لدعوة رئيس وزراء الهند آنذاك السيžد جواهِر لال نهرو وتباحث مع أتباع‏ ‬غاندي‏ ‬حول فلسفته النضالية‏. ‬وقد اقتنع كنچ بان انتهاج أسلوب ا لمقاومة السلبية أي‏ ‬اللاعنف في‏ ‬المعركة من أجل انتزاع الحقوق المدنية هو الأمثل‏. ‬ هذا ما‏ ‬يسمّى في‏ ‬الهند  بـ”سَطْيَچْراها‏” ‬(Satyagraha)‏ ‬التي‏ ‬تعني‏ ‬حرفياً‏ ‬بالسنسكريتية‏ “‬المسك أو التمسك بالحقيقة‏” – ‬وهي‏ ‬فلسفة‏ ‬غاندي‏ ‬المتمثلةُ‏ ‬في‏ ‬المقاومة السلبية وعدم التعاون مع البريطانيين المستعمِرين‏ . قاد مارتن لوثر كنچ الكثيرَ‏ ‬الكثيرَ‏ ‬من المسيرات الاحتجاجية لا سيما في‏ ‬جنوب أمريكا وذاق هو وال! مشتركون معه طعمَ‏ ‬القسوة والحقد والكراهية التي‏ ‬تجسّدت باستعمال الشرطة خراطيمَ‏ ‬المياه والغاز  َ المسيّ للدموع وانقضاض الكلاب‏. ‬كما وفُجِّر منزلُ‏ ‬كنچ وزُجّ‏ ‬صاحبُه في‏ ‬غياهب السجون مراتٍ‏ ‬عديدة! ‏. ‬ يجدرُ‏ ‬بنا التنويه بمسيرة واشنطن بالقرب من النُّصب التذكاري‏ ‬لابراهام لنكولن‏    (١٨٠٩-١٨٦٥) ‬في‏ ‬صيف ‏١٩٦٣ ‬حيث اشترك فيها ما‏ ‬يقارب الرُّبع مليون شخص‏. ‬ألقى كنچ خلالَ‏ ‬تلك المسيرة!  خطابَه الشهير‏ “‬لديَّ‏ ‬حُلمٌ‏” ‬(I Have a Dream)‏ ‬وإثرَ‏ ‬ذلك بسنتين أي‏ ‬في ‏٦ ‬آب ‏١٩٦٥ ‬حصل السودُ‏ ‬على حقهم في‏ ‬الاقتراع في‏ ‬أمريكا‏. ‬ذلك الرئيس الامريكي‏ ‬قد قال مرةً‏ “‬هذه الامةُ‏ ‬لا تستطيع البقاءَ‏ ‬على قيد  الحياة طالما أن نصفَها عبدٌْ‏ ‬والنصف الآخر حرّ‏”. ‬ حصل بطل الاخوّة والسلام،‏ ‬مارتن لوثر كنچ،‏ ‬على جائزة نوبل للسلام في‏ العاشر من  ‬  3 كانون الأول عام ١٩٦٤ ‬تقديراً‏ ‬لنضاله وجهوده من أجل المساواة بين البيض والسود في‏ ‬الولايات المتحد! ة الأمريكية وكان أصغرُ‏ ‬الحائزين على هذه الجائزة سِنّا‏. ‬ تمّ‏ ‬اغتيال كنچ في‏ ‬الرابع من نيسان سنة ‏١٩٦٨ ‬في‏ ‬فندقه لورين في‏ ‬مِمفيس في‏ ‬ولاية تِنسي‏. ‬رَجلٌ‏ ‬أبيضُ‏ ‬من الجنوب باسم‏ ‬James Earl Ray‏ ‬اتُّهم باقتراف الجريمة وحُكم عليه بالسجن لمدة ‏٩٩ ‬سنةً‏. ‬دُفن جثمان مارتن لوثر كنچ في‏ ‬أطلنطا في‏ ‬التاسع من نيسان سنة ١٩٦٨. ‬في‏ ‬الآونة الأخيرة تعالتِ‏ ‬الاصواتُ‏  ‬من   طرف أرملة كنچ وأولاده الأربعة مطالبةً‏ ‬بإعادة التحقيق في‏ ‬عملية الاغتيال‏. ‬لا بدّ‏ ‬من الإشارة   إلى أن  مكتب التحقيقات الفيدرالي‏ ‬كان‏ ‬يلاحق كنچ ويراقبه مراقبة تامة ودائمة في‏ ‬كل حركاته وسكناته‏. ‬بعد حقبة معينة من الزمن سيكشف عن ملفات التحقيق السميكة وعندها ربما سيعرف العالم من قتل مارتن لوثر كنچ‏. ‬حُوِّل الفندقٌ‏ ‬المذكور إلى‏ “‬متحف الحقوق المدنية‏” ‬وهو فريد من نوعه في‏ ‬العالم‏. ‬ لقِي‏ ‬مارتن لوثر كنچ حتفَه وهو في‏ ‬ريعان شبابه‏ – ‬ابن ٣٩ ‬عاماً‏ ‬واليكم بعض المقتطفات مما ورد في̴ 7 ‏ ‬مؤلفاته وخطاباته التي‏ ‬ستبقى حيّةً‏ ‬ونِبراساً‏ ‬يُهتدى بها في‏ ‬أصقاع المعمورة قاطبةً‏ ‬حيث التمييزُ‏ ‬والاضطهاد بأشكالهما المتعددة ما زالا حيين‏ ‬يُرزقان وينخران في‏ ‬عِظام البشرية في‏ ‬دول لا عدّ َ‏ ‬لها ولا حصر‏. ‬

‏١. ‬المقهور على‎ ‬حق أقوى من المنتصر على‎ ‬باطل‏.‬ ‏٢. ‬إنه من الخطأ انتهاج وسائلَ‏ ‬غير أخلاقية لتحقيق أهداف أخلاقية‏.‬ ‏٣. ‬لو جلستُ‏ ‬لأردَّ‏ ‬على‎ ‬الكم الهائل من الانتقادات لما تبقّى لي‏ ‬وقتٌ‏ ‬للعمل البنّاء‏.‬ ‏٤. ‬أعلمُ‏ ‬من تجربتي‏ ‬المؤلمة بأن الحريةَ‏ ‬لا تُمنح أبدا بل تُنتزع انتزاعا من الظالم‏.‬ ‏٥. ‬أمم آسيوية وإفريقية تخطو خطواتٍ‏ ‬عملاقةً‏ ‬نحوَ‏ ‬تحقيق الاستقلال ونحن نحبو للحصول على فنجان   من القهوة على مائدة الغَداء‏. ‬ ‏٦. ‬هناك مسؤولية أخلاقية وليس قانونيةً‏ ‬فحسب ملقاة على كاهل المواطن لاحترام القوانين العادلة‏.‬ ‏٧ ‬القانون العادل هو ذلك الذي‏ ‬يرفع من قيمة شخصية الانسان‏.‬ ‏٨. ‬الحرية الاكاديمية لحدٍّ‏ ‬ما هي‏ ‬واقعٌ‏ ‬اليومَ‏ ‬لأن سقراط ‏٤٦٨-٣٩٩ ‬ق.م.مارس العصيان المدني ‏٩. ‬أنا أشياءُ‏ ‬كثيرةٌ‏ ‬لأناس كثيرين‏.‬ ١٠. ‬الصراع اليومَ‏ ‬بين اللاعنف واللاوجود‏.‬ ‏١١. ‬الحضارة والعنف مفهومان متضادان‏.‬ ‏١٢. ‬اللاعنف ليس السلبيةَ‏ ‬المحضة بل قوة أخلاقية جامحة‏.‬ ١٣.‬إني‏ ‬أومن بجسارة بأن الشعوبَ‏ ‬في‏ ‬كل مكان‏ ‬يحقّ‏ ‬أن‏ ‬يكون لها ثلاث وجبات‏ ‬يوميا للجسم،‏ ‬ تربية وثقافة للعقل،‏ ‬شرف ومساواة وحرية للروح‏.‬ ١٤. ‬سنكون قادرين بهذا الايمان أن ننحتَ‏ ‬حجرا من الأمل من جبل اليأس‏.‬