الرابط : سياسة واخبار (::::)
جيمس زغبي – واشنطن (::::)
في كتابي الأخير “نظرة إلى إيران: صعود إيران وسقوطها لدى الرأي العام” أعرض بتفصيل التغيرات الكبرى التي طرأت على المواقف العربية والإسلامية تجاه طهران سواء تعلق الأمر بسياساتها الإقليمية، أو ببرنامجها النووي، فبعدما كانت نظرة الغالبية في دول المنطقة تتبنى نظرة إيجابية نحو إيران، شهدت هذه الأخيرة انحداراً كبيراً في شعبيتها لدى الرأي العام بالشرق الأوسط، ويبدو من خلال البحث الذي قمت به أن التغيير في المواقف مرده انشغال المنطقة بالسياسات الإيرانية المتبعة في العراق وسوريا ودول الخليج العربي. ولكن في الوقت نفسه ألفت الانتباه إلى تفاقم الفجوة الطائفية في المنطقة بين السنة والشيعة، ولاسيما في السعودية والبحرين والعراق وتركيا وباكستان. وفيما يشير معظم الناس إلى سياسات إيران وتدخلاتها في بلدان المنطقة باعتبارها السبب الرئيس وراء الحساسيات الطائفية المتنامية.
ومع وجود تداعيات هذه الفجوة المتنامية بين الطوائف، وخاصة الطائفتين الكبيرتين السنة والشيعة، إلا أنها ما زالت حتى اليوم خافتة ولم تنفجر إلى مواجهة ضارية، وإن كانت إرهاصاتها غير مستبعدة ويتعين التعامل معها بحكمة، ذلك أن الانتماءات الإثنية والثقافية الضيقة ما زالت تحدد هويات المجتمعات العربية والإسلامية وما فتئت تتحكم في تصنيف الناس وخندقتهم.
وفي الوقت الذي كان فيه البرنامج النووي الإيراني يحظى بتأييد قوي من قبل الرأي العام في المنطقة، وإن عارضته بعض الحكومات، أصبح اليوم موضع قلق بالغ من الشعوب المتوجسة من الأهداف الحقيقية لبرنامج تقول إيران إنه موجه لأهداف سلمية دون وجود طريقة فعالة للتحقق من ذلك، فقبل ست سنوات فقط كان أغلب العرب والمسلمين مستعدين للوقوف إلى جانب طهران ضد الضغوط الدولية المتصاعدة، ولكنهم اليوم يريدون من المجتمع الدولي اتخاذ خطوات للجم الطموحات النووية الإيرانية. وبالمثل كانت العقوبات الغربية المفروضة على إيران محط اعتراض واضح في المنطقة لاستهدافها بلداً إسلامياً، في حين تحظى اليوم بتأييد واسع من قبل بلدان المنطقة المتوجسة من التمدد الإيراني ومن الخطر الذي ستكتسيه إيران في حال امتلاكها للسلاح النووي. ولكن هذا التأييد للعقوبات والضغط على إيران للتخلي على البرنامج النووي لا يرقى بعد إلى دعم تدخل عسكري ضدها، وقد يتحول في مراحل لاحقة إلى التأييد لو ظلت طهران على موقفها وتمادت في تدخلها في المنطقة. وأخيراً يُظهر الكتاب تحولاً آخر في الموقف من الولايات المتحدة في المنطقة، حيث شهدت تحسناً طفيفاً في نسبة شعبيتها لدى الرأي العام، وأكثر من ذلك تصاعد عدد الذين يرون في المنطقة أن الولايات المتحدة تلعب دوراً إيجابياً في دعم السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. ويُعزى هذا التغيير في المواقف إزاء أميركا بين فترة بوش وإدارة أوباما إلى ابتعاد واشنطن عن التدخل العسكري في المنطقة طيلة السنوات الأخيرة وتجنبها الضغط السياسي السافر على البلدان العربية، فضلاً عن الآمال التي أحياها أوباما في ولايته الثانية لدى العرب والمسلمين من احتمال ضغطه على إسرائيل، وإن كانت هذه الآمال تعرضت مرة أخرى لخيبة كبيرة عقب زيارته الأخيرة للمنطقة التي لم تأتِ بجديد عدا تأكيد الدعم للدولة العبرية.
بيد أن هذه التحولات في آراء شعوب المنطقة ترشدنا إلى مجموعة من المعطيات التي يتعين اتخاذها في عين الاعتبار، أولها أن الرأي العام العربي والإسلامي ليس ثابتاً في مواقفه والحساسيات في المنطقة تظل موجودة بالنظر إلى الطبيعة المتقلبة للوضع الذي يتعين على صناع السياسة التعامل معه. ثانياً يتعين على إيران الاعتراف بعزلتها في المنطقة والكف عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، والسبب أنه بدلاً من انتظار تعاطف شعوب المنطقة معها باتت تواجه اليوم ردة فعل عكسية من الرأي العام المتخوف من تطلعاتها، ومن جانبها يتعين أيضاً على حكومات دول المنطقة معالجة الإشكالات الداخلية وتنسيق سياساتها للجم الجماعات المتطرفة التي تؤجج الصراع الطائفي وتغذي حالة الاستياء لدى الأقليات الدينية ما يتيح أرضية خصبة تستغلها إيران وحلفاؤها. ولا يمكن نزع فتيل التوتر في المنطقة، بما في ذلك ما تتسبب فيه إيران، دون تمكين الفلسطينيين من حقوقهم كاملة، فلو انفجر الوضع الفلسطيني مجدداً واندلع العنف رداً على الاحتلال الإسرائيلي، ولو أن الولايات المتحدة انحازت، كما هو متوقع، لإسرائيل فإن المنطقة كلها ستنفتح على الاضطراب مفسحة المجال أمام تدخل إيران واستغلال الوضع لصالحها. وفي هذا السياق يتعين التذكير بأن الاستقرار في بلدان “الربيع العربي” لم يتكرس بعد، وأن الحكومات لا تستطيع السيطرة كلياً على غضب الشارع الذي يمكن أن ينفجر في أية لحظة. ولعل الهجوم الذي تعرضت له سفارة إسرائيل في القاهرة بعد عمليتها العسكرية ضد غزة والهجمات المتكررة على السفارة الأميركية القريبة من ميدان التحرير أوضح دليل على ذلك.
وأخيراً يتعين على الولايات المتحدة الاستفادة من دروس عدم تدخلها في المنطقة والنتائج الإيجابية التي جنتها من ذلك في رصيد شعبيتها، وهو ما يعني الامتناع عن اتخاذ أي خطوة عدائية، أو انتهاج سياسة أحادية ضد إيران لا تتمتع بدعم دولي واسع، وإلا سيصب ذلك لمصلحة طهران التي ستسارع إلى توظيفه لكسب الرأي العام العربي والإسلامي مرة أخرى.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

