مرآة ساره

 

الرابط : القصة ::
بقلم : عباده الحمصي – نيوجرسي  ::
دخلت البيت بعينين مليئتين بالدموع وقد ارتسمت علامات الحزن على وجهها… توجهت بخطوات يائسة نحو غرفتها وأغلقت على نفسها الباب.
ولمّا كان الغداء تحلّق أفراد الأسرة كعادتهم حول المائدة ولكنّهم فوجئوا بغياب زهرة المنزل التي ما فتئت تملؤه عطراً وطيباً: سارة!
أين سارة؟؟ قال الأب متسائلاً.
لم يجب أحد بكلمة واحدة، وساد قلق غريب عمّ البيت برّمته.
قام الأب عن المائدة متجها نحوغرفة سارة بخطوات حائرة.
الباب مغلق…
طرقه مرّات عدّة… لكن دونما جواب!
ما لبث أن سمع صوتاً مخنوقاً يقول: تفضّل.
فتح الأب الباب.
التفتت سارة إلى أبيها وقد انسدل شعرها الذهبي على وجهها فغطّى جانباً منه كما تغطي الغيوم وجه القمر في المساء، وراحت ترنو إلى أبيها بعينين حزينتين مليئتين بالدموع .
سألها أبوها بصوت قلق حريص: ما يبكيك يا ابنتي؟
أجابت سارة بكلمات مضطربة حزينة و دموعها ما فتئت تنسال على خدّها الناعم:
أنا لا أصلح لشيء يا أبي…. لا فائدة مني….
اقترب الأب من ابنته وجلس بجوارها بعد أن مسح دموعها وقال لها بصوت واثق:
من قال ذلك يا حبيبتي؟
هدأت سارة قليلاً، وبدأت الكلمات تخرج منها بتواتر مضطرب، وأخذت تحدّث أباها عمّا تعرضت له من إحراج في مدرج الجامعة كان له من الأثرالكبير على نفسها،
حيث وقفت لتطرح سؤالاً للمرّة الأولى أمام ثلاثمئة طالب في مدرج كبير لم تألفه! كيف لا ولم يمض شهر على دخولها الجامعة!!
وحدث ما لم يكن متوقعاً!
تثاقل لسانها…. نسيت ما أرادت قوله…. راحت عيون الجميع تلاحقها…. ازدادت نبضات قلبها بشكل رهيب… وتعالت الضحكات من كل حدب وصوب!
احمرّت وجنتا سارة من شدّة الخجل، واعتراها حزن كبير، فما كان من الأستاذ إلاّ أن طلب منها الجلوس.
تبسّم الأب في وجه ابنته وخرج من الغرفة دون أن ينطق بكلمة واحدة.
تعجّبت سارة من فعل أبيها و لكنّها لزمت الصمت.
مع شروق صباح اليوم التالي استيقظت سارة بعد أن لامست خدّها أشعة الشمس الذهبية المتسلّلة عبر النافذة.
نهضت من الفراش وتوجّهت نحو المرآة تمشّط شعرها الناعم ككلّ يوم.
نظرت إلى المرآة..
تغيّر لون وجهها، وارتسمت عليه معالم الدهشة والفزع!
ما هذه النقط السوداء التي تملأ وجهي؟؟!!
ماذا حلّ بوجهي؟؟!!
ردّدت بصوت مذعور!
فوجئت بأبيها يدخل الغرفة ويتجّه نحوها بخطوات واثقة والبسمة تعلو شفتيه.
أعطاها خرقة مبللّة بالماء وطلب منها مسح المرآة.
استغربت سارة في بداية الأمر، لكنها سرعان ما تناولت الخرقة من يد أبيها وجعلت تمسح المرآة وعيناها ترنوان لوجه أبيها المتبسم.
وعندما انتهت… طلب منها أبوها النظر للمرآة، فالتفتت نحوها بسرعة… ولم تصّدق عينيها!!
أيعقل هذا؟؟؟
اختفت البقع السوداء!
اختفت البقع السوداء!!
ردّدت سارة مدهوشة!!
ثم أردفت قائلة: أتقصد بذلك شيئاً يا أبي؟؟
هنا تبسّم الأب وقال:
اعلمي يا ابنتي أنّ هذه المرآة مكنونة في أعماق كلّ منّا، وما البقع السوداء التي تعلوها من حين لآخر سوى تجارب الحياة التي نمرّ بها، ومَهما تكن تلك التجارب صعبة وقاسية يجب ألّا نسمح لها بالتأثير على نظرتنا لذواتنا وثقتنا بأنفسنا!
يا ابنتي.. تضعك الحياة في مواقف حرجة تارةً، وصعبة تارة أخرى!
قد تشعرين بالخجل.. بالحزن.. باليأس.. بالإحباط
عندها لا تبتئسي يا ابنتي، فهذه طبيعة الحياة
لكن إيّاك أن تنظري لنفسك من منظار تلك المواقف والتجارب العابرة،
فتظلمين نفسك من حيث لا تدرين.
اعلمي يا سارة أنّك رائعة وستظلّين رائعة.
وختم الأب قائلاً:
عديني يا ابنتي بمسح المرآة قبل النظر إليها في المرّة القادمة.
تبسّمت سارة وانهالت على رأس أبيها تقبّله وهي تردّد:
أعدك يا أبي …. أعدك يا أبي
___________________________
بقلم : عبادة الحمصي