الاردن وعض الاصابع

الرابط : اراء حرة :
بقلم : د . أابراهيم عبد الفتاح المجالي – الاردن :
قيل ان رجلا سأل عنترة العبسي , كيف صرت شجاعا يهابك كل محاربي العرب وفرسانهم ؟ فقال له عنترة : السر في ذلك انني أصبر على المكاره  أكثر منهم . فقال له : وكيف يكون ذلك ؟ قال هات اصبعك لأعضه وخذ اصبعي لتعضه . وعض كل منهما اصبع الآخر , ولم يلبث الرجل أن صاح من الألم . وحينئذ قال له عنترة : أرأيت .. لو انك صبرت قليلا , لصحت انا من الالم , لأنني تألمت مثلك , ولكنني صبرت أكثر منك  فالشجاعة صبر ساعة .
هذا تماما ما يحدث في الأردن هذه الأيام بين الحراك الشعبي والحكومة ، فكلاهما يعض على إصبع الآخر منتظرا منه أن يعلن استسلامه ورضوخه لمطالب الآخر ..غير أن المشكلة  تكمن في أنه قديما كان هناك عنترة واحد أما اليوم فنحن أمام عنترين  اثنين…فالحكومة تعتقد أنها الأقوى وهي تراهن على ملل الشارع واستسلامه مع الوقت ، وهي تنتظر صرخة الاستسلام المبكر من الحراك ولا أقول المعارضة ..ذلك أن من نزل الشارع هم الشعب بشعور من الألم والخوف من الجوع ..لا أحزاب بأجندات سياسية ، وأنا لا أنفي وجودها ..ولكن التأثير الأكبر هو للهبة الشعبية غير المسيسة أو الممنهجة  حزبيا.
ومن الجهة الأخرى فإن الشعب الثائر يعتقد أنه الأقوى وأن الحكومة سرعان ما سترضخ تحت ضغط أسنان الحراك وتتراجع عن موقفها وهم يراهنون على الوقت . فكل يراهن على عدم صبر الطرف الآخر أكثر من مراهنته على صبره هو لغياب الاجندة والتنسيق الشعبي الموحد.
ولكن من يا ترى من سيصمد أطول وقت ومن سيعلن استسلامه للآخر ؟؟؟؟
نظريا أرى أنه يجب على الحكومة أن تعترف أنها أخطأت حينما اختارت أن تعض على أصبع المواطن من خلال المساس بقوته وقوت عياله والذي لم تترك  له مجالا للاختيار ..فهو مخير بين اللاشيء  واللاشيء ..وهو يخرج من وضع سيء الى أسوأ .ففقد الثقة في الإصلاح أمام تعنت النظام وإصراره على أشخاص الفساد ..وتغيرات  وإصلاحات سياسية جاءت كالمنحة من الملك وليس كحق سياسي او استحقاق ديمقراطي .. غيرت في مكان الحروف والكلمات لا أكثر ولم تغير في فلسفة وطريقة الحكم ..أي أن الملك نقل سلطاته من يده اليمين ووضعها في يده اليسار وسمى ذلك إصلاحا وتغييرا  ..وهو ما لم يرض أحدا ..وعلى الرغم من ذلك فإن ندرة الوعي الحزبي والانتماء السياسي في الاردن لم يكن ليلقي بالا لهذه التغيرات والتي سميت جزافا بالإصلاحات السياسية ، ومرت هذه المسرحية دون أن تحرك في الشعب شيئا باستثناء المسيسين منهم ..أما اللعب بقوت العيال فهو المحرك الذي لا مفر منه ولن يقبل به أحد .
ولكن مالذي يمكن للحكومة القيام به لتمضي في طريقها قبل أن تعلن صرخة الاستسلام ، وفي الحقيقة هي غير مخيرة أمام اقتصاد هزيل ووطن منهوب ..ولكن بما أنها اختارت جانب النظام على جانب الشعب فعليها أن تحسب كم من العصي أو العضات  تستطيع أن تتحمل، وكما يظهر تبدو الحكومة حائرة ويشعر رئيس الوزراء أنه يسبح في المحيط وحيدا ..فأخذ في الظهور على شاشات التلفزة لإقناع الناس_فلا أدري أهو لا يعي عظم ما قام به أم أنه غر سياسة لا يفقه ما يفعل ..وكل ما يقوم به من محاولات اقناع زاد في الطين بلة …وصاحب الاتجاه الإعلامي تحركات أمنية محاولة قمع المتظاهرين والقبض على من تظنهم قيادي ومثيري للشغب ..في تقدير خاطىء لحجم الهبة الشعبية ، متعاملين مع الثورة على أنها حراك سياسي كالذي يحدث كل أسبوع، وثمة فرق كبير  بين الأمرين وهذا يضاف إلى الغباء السياسي للحكومة فوق غبائها، فهي كمن يضع مسدسا في رأس من يريد الانتحار لمنعه من الانتحار. وثمة محاولات داخلية من داخل القصر بالتواصل مع قيادات العشائر وشيوخها بقيادة الأمير حسن والذي فقد الكثير من بريقه بتصريحات داخلية أساءت للحراك وللعشائر ومخالفة لطروحاته الإصلاحية الخارجية ..وهؤلاء (الشيوخ ) جلهم أصبحوا متهمين من قبل الشعب وليس هناك ثقة بهم لأنهم جزء من منظومة الفساد الذي أوصل البلد إلى ما وصلت إليه فلا أظنها ستجدي نفعا…وآخرها الاستجابة لمطالب الخارج بربط المساعدات بالأجندة السياسية تجاه الأزمة السورية ..وهو الحل الأقرب لحفظ ماء الوجه خاصة وأن جلّ الشعب الأردني متعاطف مع الشعب السوري، فالحل في الأردن وللأسف يأتي من الخارج ولن يأتي من الداخل.
أما الحراك فليس أمامه إلا أن يستمر في ثورته إذا ما أراد أن يسمع صرخة الحكومة بالتراجع عن رفع المحروقات ..وأظنها فرصة للأحزاب والحراكات السياسية في أن تتواصل وتقترب من الشعب غير المسيس أكثر لفرض أجندتها وتحريك المياه الحزبية والوعي السياسي الراكد.
لا أدري كم سننتظر حتى نسمع إحدى الصرختين ولكن أتمنى أن تكون صرخة الحكومة والنظام هي الأسرع …