محمد محمود 2012

الرابط : فضاءات عربية :
للكاتب / ماجد ضيف  – مصر      :
أذكر بداية أننى كنت بفضل الله أحد أجرأ من عارض نظام مبارك حينما كان الكثيرون من أشاوسة اليوم لا يسمع لهم حديثـًا ولا يرى لهم حدثـًا ، فقد كنت آنذاك أكتب فى سبع صحف ومجلات تشهد صفحاتها بصدقى وتشهد بأن كتاباتى كان يحجب نصفها ويسمح بالنصف الآخر تجنبًا لبطش النظام ، وقد أكدت فى مقالات سابقة أن الصحافة فى عهد مبارك كانت جسدًا يسكنه مرض أما الآن فقد صارت بكل أسف مرضًا يسكنه جسد ، إننى أذكر هذا فقط حتى لا يزايد أى شخص على ثوابتى المبدئية إسلاميًا ووطنيًا فيما سيرد بمقالة اليوم .
وبداية فإننى أحمل كل القوى السياسية والشعبية والإعلامية دون استثناء مسئولية ما وصل إليه واقعنا السياسى بكل أبعاده من تدن وقبح ، فقد ساهم الجميع بحسن نية أو بسوء نية وبعلم أو بجهل منذ قيام ثورة يناير فى إحقاق وشرعنة بعض الأباطيل وإبطال وتزييف بعض الحقائق ما تسبب بكل تأكيد فى إحداث مزيد من الخلل فى منظومة القيم والأخلاق السائدة فى المجتمع والتى هى مختلة من الأصل ، وأزعم أننى ربما كنت الوحيد الذى كتب ونشر محاولاً إعادة الأمور إلى نصابها خشية ما سرنا إليه وما صرنا عليه .
وإننى اليوم ولوجه الله لا لوجه الميدان أكرر التأكيد على بعض الحقائق التى زيفت وحرفت فى مسيرة الثورة على أمل أن يعلمها ويعمل بها كل ذى ضمير يقظ وعقل ناضج ألا وهى : ــ
1 ــ أن ثورة يناير لم تبدأ فعليًا يوم 25 يناير الذى لم يتعد فى قدره حشدًا وطموحًا وتأثيرًا كونه مجرد تظاهرة كبيرة ولدت فى أعقاب سلسلة من التظاهرات والإحتجاجات والإعتصامات الشعبية والعمالية التى عمت مصر فى السنوات الأخيرة ، وهذا ما تؤكده كافة الشواهد والأحداث ، بل وما تؤكده شهادة بعض من دعوا إلى تلك التظاهرات من شباب الفيس بوك .
2 ــ أن الثورة الحقيقية لم تبدأ إلا يوم 28 يناير حين احتشد ملايين المصريين من كافة الأعمار والفئات والطبقات وعلى امتداد مصر معلنين إصرارهم على رحيل النظام .
3 ــ أن السبب الأكبر قى تنحى مبارك عن الحكم هو تخلى الجيش المصرى ( ممثلاً فى المجلس العسكرى ) عن مساندته وانحيازه إلى الشعب ، إذ القول بغير هذا تضليل يرقى بمبارك إلى صفوة الحكام الديمقراطيين ، ففى يقينى أن مبارك لو لم يفقد ورقة الجيش لأكمل بها اللعبة إلى منتهاها حتى وإن احتشد ضده 80 مليون مصرى .
4 ــ أن التضليل الإعلامى فى الإلحاح على معنى ( ثورة شباب ) والصائب هو ( شباب الثورة ) تسبب فى إزكاء روح التمرد والغطرسة فى نفوس الكثير من شبابنا ، كما تسبب فى غرس العديد من الخطايا التى لازلنا نحصد مآسيها حتى الآن ، فقد تخيل البعض أن للثورة رأس وهى ليست كذلك ، كما توهم البعض أنه زعيم وهو مجرد فرد فى ثورة شعبية ، كما ظن البعض أن من حقه التحدث باسم الثورة وهو حق لم يمنحه إياه صانع الثورة وهو الشعب .
5 ــ الخطيئة التى كانت بمثابة عامل مشترك بين كافة الحكومات التى زامنت وأعقبت الثورة باستثناءات نادرة وأعنى بها إعلاء مبدأ القوة فوق الحق والعدل وذلك بالتأكيد الدائم على حق التظاهر والإضراب والإحتجاج دون قيد أو شرط  من قانون أو خلق ، بل والإستجابة لمطالب هذه التجمعات مما رسخ فى أذهان كل من لديهم ميل للتجاوز أن الدولة صارت غابة وأن القوة صارت قانون وأن البلطجة صارت ثورية وأن التسيب صار حرية !!
6 ــ ثم نأتى إلى أحد أخطر الخطايا ألا وهى التعامل مع ضحايا الثورة فى كل مراحلها وفى مختلف مواقعها وفى شتى أحداثها دون تمييز باعتبارهم شهداء ، فقد ردد الجميع أنها ثورة سلمية ويقينى أنها لو كانت سلمية لما كانت ثورة ، ويقينى الثانى الذى كان ينبغى عل ببغاوات الفضائيات أن يعلموه لأبنائنا أن الثورة فى أى بلد فى العالم حتى وإن كان فى أعلى مراتب الديمقراطية هى عملة ذات وجهين ، فالوجه الأول للثورة يراه صناعها ومفاده أنهم يقومون بعمل يتسم بالبطولة والسمو والوطنية ، أما الوجه الثانى فتراه سلطات الدولة ومفاده أن جزءًا من الشعب يقوم بعمل يتسم بالتمرد والدناءة والعمالة ، ومن الطبيعى أن كل طرف يرى أنه على الحق المبين وأن الآخر هو الشيطان الرجيم ، لذا فمن الطبيعى أيضـًا ــ لدى كل ذى ضمير ونضج ــ بعد انتهاء فترة الغليان الثورى وانتصار الثورة أن يحاول كل طرف تفهم ما كان عليه الطرف الآخر فإما عدل ببرهان وإما عفو بإحسان .
7 ــ أن الكثير من توابع الثورة لم يكن بأى حال من الأحوال امتدادًا لها ، بل يقينى أنه كان هدمًا لها ، ولو أن ذوى الشأن من النخب قد راعو ضمائرهم ووصفوا الأفعال وفاعليها بأوصافهم الحقيقية ما رأينا وما سمعنا ما نراه وما نسمعه الآن من أحداث وهتافات جاهلة بمعنى الحرية وهادمة لمكاسب الثورة .
وخلاصة الأمر التى ينبغى على كل مواطن أن يعلمها وأن يعمل بها هى أن الثورة هى فوضى بناءة ولكن الفوضى ليست إلا ثورة هدامة .. أن المطالبة بالتغيير للأصوب والتطهير للأسمى ينبغى أن يسبقه أو أن يزامنه تغيير وتطهير حقيقى فى ذات المطالب من ذاته .. أنه من المستحيل أن يكون للمواطن حق فى وطن بلا حقوق .. أن الحريات لا تعنى أن تفعل ما شئت وقتما شئت وإينما شئت لأن هذا هو بكل بساطة إهدار وتغييب للقانون ، وإذا أهدر القانون وغيب فلا تبكى على ثورة ولدت لتبعث القانون من مقبرته .. لا تبكى على ثورة منحنا الله إياها فضلاً منه وإحسانـًا علينا وليست عدلاً مكافئًا لكل ما فينا من فساد وإفساد .. لا تبكى لأن فضل الله وإحسانه إن رفع عنا فلن نظلم لأنه سبحانه ليس بظلام للعبيد ولكنه فقط سيعاملنا بالعدل الذى نستحقه .. وهل تعلم ماذا نستحق ؟ أسأل الله ألا يحرمنا فضله وإحسانه وألا ينزل بنا عدله حتى لا يصير أغلبنا إلى حيث صار من نزلت بهم عدالة الله فى طره .. إتقوا الله فى أديانكم وأوطانكم وأنفسكم فلستم على حق فى محمد محمود 2012 كما لم تكونوا على حق فى محمد محمود 2011 والله أعلم .

maged.daif@hotmail.com