الرابط : القصة :
رواية الكاتب : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك :
وبالرغم من الثراء الذي حققاه ووجه نحوهم نظرات الحسد من الكثيرين حتى معارفهم من الأثرياء ، لم يتوقفا ، وتحولت خطاهم إلى الركض طمعاً في المزيد ، حتى لا يختل هذا التل الهائل من المال ، للأسف لم يستطع ما درساه من علوم الطب شفاءهما من سعار المال الذي كان بالنسبة لهما الدواء الشافي لأي مرض في هذه الحياة ، وكأنه نبع الحنان الذي يسبغانه على ابنتهما الوحيدة ، ما عليها إلا أن تغترف ما تشاء منه فحنانه ارق من حضن الأمومة والأبوة !! ، ماذا ستفعل بحنان ودفء أحضانهما ، ماذا ربحا هما من الغرق في أحضان الأهل سوى العوز والحاجة عندما كبرا ووجدا انهما لا يستطيعان تلبية حتى ابسط احتياجات الحياة . كانت هذه الأفكار هي السبيل الوحيد لتبرير جريمتهما التي اقترفاها في حق هذه الابنة المسكينة ، وفلسفة الطمع الذي تملكهما ، لكن ماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه .. وهما خسرا اقرب إنسانة إليهما في الحياة .. خسرا ابنة كان يمكن أن تكون حدباً عليهما عندما يتقدم بهما العمر ويحتاجا لمن يسأل عنهما أو يقدم لهما شيئا يختلف كل الاختلاف عما يقدمه المال ، لكن فاقد الشيء لا يعطيه ، وهما لم يعطيا لابنتهما سوى المال فقط فلم تعد تهتم حتى لمجرد رؤيتهما . بل كانت تشعر بأنها في حاجة للاختلاء بمربيتها اكثر من حاجتها للاختلاء بأمها ، أما الأب فلم يعد بالنسبة لها سوى مصدراً للمال لا أكثر . عندما فكر يوما أن يحاسبها على خطأ ارتكبته واجهته بمنتهى الحدة قائلة : كان يجب أن توليني من الوقت ما يكفي لتعرف أن هذا الخطأ الذي ارتكبته لا يقاس بجانب أخطاء أخرى لم تعلم بها وأنت لاه عني . هذا هو الواقع المرير ، فاق الأب ليرى ابنته قفزت بها الأعوام لتبلغ السابعة عشرة من عمرها ، وها هي تستعد للاحتفال بنهاية الدراسة الثانوية في الحفل الذي تقيمه المدارس كل عام خصيصاً لهذه المناسبة ، وبدت سوسو في روعة تفوق الخيال وهي تتأبط ذراع صديقها الذي سيرافقها إلى الحفل كالعادة في هذه المناسبة ، كل فتاة يجب أن يرافقها صديق ، وصديقها في هذا الحفل لم تتحدد صداقته من أجل هذا الحفل فقط ، تعرفت عليه منذ أن كانت في الخامسة عشرة عندما أحست في داخلها بجوع شديد للعاطفة .. أي عاطفة .. المهم أن تشبع داخلها المحروم .. فالجائع لا يهمه نوع الطعام الذي يقدم له ، المهم هو أن يُسكت الجوع الذي ينهش معدته .. وهي حُرمت من انظف وأحلى أنواع العاطفة ، عاطفة البنوة نحو الأباء والأمهات الذين عرفوا كيف يسكبون علي أطفالهم كل ما ادخروه داخلهم من حنان ورعاية ، إلى أن يصبح هؤلاء الأبناء أباء وأمهات ولم يزل الأباء ينظرون إليهم كأطفال في حاجة إلى رعايتهم ، هيهات أن تكون سوسو انتابها الشعور ولو للحظة واحدة بأن هناك الأب أو الأم اللذان تفضلا عليها بجرعة ولو بسيطة من الحنان ، الاحتياج يملي عليها أي نوع من العاطفة ، الحرمان دفعها نحو هذا الصديق لمجرد إحساس بالإرتياح نحوه ، ومن خلال الباب الموارب وقع نظر الأم علي ابنتها وهي تغيب في قبلة طويلة مع هذا الصديق الذي اصطحبته معها إلى المنزل بعد الانتهاء من الحفل ، تملكتها دهشة تفوق دهشة أهل الكهف بعد استيقاظهم من رقاد طويل ليجدوا كل شيئا تغير من حولهم ، لم تنتبه إلا بعد رقاد دام سبعة عشرة عاماً هي عمر ابنتها واستيقظت لتجدها بين ذراعي صديقها ، وعندما استفسرتها عن مدي هذه العلاقة ناصحة بأنها يجب أن تكون حريصة ، نظرت إليها سوسو بنظرة متحدية وأجابتها أنها قد وصلت بهذه العلاقة إلى مداها وأنها لا تجد حرجاً في ذلك ، ولأول مرة تحس الأم بأنها فاقت من سباتها ، لكن هذه اليقظة جاءت متأخرة جدا ولا فائدة ترجي منها الآن والأفضل أن تعود لرقادها ، غادرت وحيدتها دون محاولة للدخول في نقاش يمكن أن ينتهي إلى ما لا يحمد عقباه ، محاولة تبرير جريمتها بأن ما حدث ما هو إلا نتيجة طبيعية في مجتمع يرى في العلاقة بين الفتي والفتاة بدون زواج شيء عادي وطبيعي وتناست من أي مجتمع أتت هي ، وما كان يجب عليها بذله حيال ابنتها لتنشأ علي نفس المبادئ والعادات والتقاليد ، لكنها لم تحاول أبدا أن توقف سير عجلة الجشع للمال لتلقي ولو نظرة واحدة على الأسر التي أنجبت أطفالها في هذا المجتمع ، لكنها حرصت كل الحرص على تنشئتهم تحت راية الدين والعادات والتقاليد فنشأوا نشأة تسر لها الأفئدة .
********
استيقظت سوسو ذات يوم وهي تشعر بأن علاقتها بهذا الفتي الغض لم تكن سوى علاقة واهية موهومة وأن عاطفته نحوها لا تتعدى لقاءات الفراش ، هو نفسه يفتقر إلى الحب والحنان ، وداخله يشتاق إلى العاطفة مثلها ، فكيف تنتظر منه أن يغدق عليها شيئا لا يمتلكه ، وكما تعرفت عليه فجأة قررت الابتعاد عنه دون سابق إنذار ، لم تثنها دموعه التي ذرفها لمعرفة الأسباب ولم يجن سوى الصد العنيف الذي لم يكن في طبعها . التحقت بالجامعة وكان لهذا المجتمع الجديد أثره في أن تنظر لنفسها نظرة جديدة بعد أن قرأت نظرات الإعجاب في أعين الزملاء ، وبالرغم من المحاولات المستميتة من بعضهم ابتغاء صداقتها إلا أنها رفضت الجميع ، تبحث عن شيء ينقصها ، شيء لم تجده داخلهم ، لا يريدون منها سوى امتصاص الرحيق وهي تتوق لمن يغدق عليها الحب لا من يأخذ منها ، تبحث عن شخص يتدفق حنانه دون حساب فتهبه نفسها دون حساب أيضا ، لم تنتظر طويلاً وتخيلته في قاعة الدرس متمثلا في أحد أساتذتها ، يكبرها بخمسة وعشرين عاماً على الأقل لكن شيء ما لفت نظرها نحوه ، شيء داخل عينيه يناديها للاقتراب منه اكثر فأكثر لترتمي بين أحضانه وتدفن رأسها في صدره فقد تستنشق من خلاله عبير الحنان المفقود ، شيء ضاع منها وهي في اشد الحاجة إليه ، ُسلب منها وهو من حقها ، حتى الحيوانات تسبغ على أطفالها الحنان لكن هي ضاع منها هذا الحق ولم تعرف له طريقا حتى فقدت الأمل فيه ، وها هي الآن تبحث عن حنان بديل توهمته مدفونا في صدر هذا الاستاذ الذي يوليها من العناية ما يفوق قريناتها في الدرس ، وفي النهاية وجدت نفسها منجذبة إليه دون أن تدري ليصبح لها العاشق الأب ولتصبح هي الابنة الباحثة عن الحنان بين أحضانه ، لم يمنعه كونه زوجاً وأباً لثلاثة أطفال من اتخاذ صديقة وخليلة تقل عن أولاده عمرا . لم تدم هذه العلاقة الغير متكافئة بعد أن فاقت زوجة هذا العاشق المتصابي بألاعيبه وهددته بانتقام أسرتها التي تحظى بمركز اجتماعي مرموق فآثر الانسحاب ، ولم تشعر سوسو بشعور الخاسر لفقدانه فلم ترى فيه أكثر من مراهق أكتشف لتوه أنه تعدى مرحلة الطفولة ، وأنها لم تكن سوى منخدعة خلف حنان زائف ، لم تجد فيه ضالتها المنشودة التي كانت تسعي إليها ، ومضت في طريقها غير عابئة بنصائح أمها التي جاءت بعد فوات الأوان ولا بنظرات الأب التي تحمل لوماً صامتاً لا يستطيع الإفصاح عنه بعد أن هددتهم بترك المنزل اثر مشادة حدثت بينهم . لم تتوقف سوسو ولم تجد أي غضاضة في انتقالها من صديق لصديق بسرعة مذهلة ، وقد يفكر البعض في إدانتها متخذين من سلوكها دليلا علي جرمها ، وهم بذلك يكونوا قد الحقوا بها ظلما فوق الظلم الذي حاق بها من والديها . الكثير من الجرائم ترتكب تحت تأثير مرض ألم بمرتكبيها ولا يستطيع القانون محاسبتهم عليها ، ومرض سوسو كان كامنا بداخلها منذ طفولتها وهو فقدان الإحساس بالحنان وعدم الشعور بالانتماء لأسرة تجد في أحضانها الحب ، وعندما شبت وأدركت أنها حُرِمت من أشياء كانت من حقها بحكم قانون السماء ، والرحمة ، والإنسانية ، والأسرة ، والمجتمع الآدمي ، رأت انه من حقها أن تبحث عن هذه الأشياء وتجدها بصرف النظر عمن تجدها لديه ، فأصبحت كظامئ ساقته الأقدار إلي صحراء مجدبة وظل يركض خلف السراب متوهما بأنه الماء الذي سيرويه ويرطب جفاف حلقه ، ويزيد من ركضه لينتقل من ظمأ إلى ظمأَ ، نبع الماء الذي لم ترتو منه لن تجده حتى لو دفعت فيه كل ما تملك لأن هذا الماء لا يباع ولا يشترى ، ومن هنا نشأت مأساتها لأنها تبحث عن شيء لن تجده فهي بعلاقاتها الكثيرة لا تبحث عن جنس أو شهوة ، لكنها تبحث عن رشفة تعوضها ولو قليلا عما تفتقده ، وعندما تكتشف أن حتى هذه الرشفة لم توفرها لها هذه العلاقة تتركها لتبحث عنها في علاقة أخري ، لكنها أبدا لم تصل إلى ما تسعي إليه ، حتى بعد أن حصلت على شهادتها الجامعية وجاء الأب يعرض عليها من تقدم لطلب يدها وأصابته الدهشة لموافقتها الغير متوقعة ، كانت محاولة يائسة منها .. فربما تجد في فستان الزفاف الأبيض ، ومنزل الزوجية ، بالإضافة إلى أمل في أن تجد في هذا الزوج شيئاً مختلفاً عن الآخرين وخاصة أنه ولِد ونشأ في مصر ، فقد يتخلى القدر عن ظلمه وتجد في هذا الزواج المرفأ الآمن لسفينة حياتها التائهة .. لكن صدمتها في هذا الزوج كانت أشد وتحولت أحاسيسها نحوه إلى خليط من الاشمئزاز والاحتقار ، اكتشفت أنه تزوجها ليصل من خلالها إلي تحقيق أطماعه وليستحوذ علي كل ما يمكنه الاستحواذ عليه دون أي اعتبار، زواجه منها لم يكن سوى الطريق المفروش بالورود ، ليتسلق على أكتاف أبيها للوصول إلى ما يصبو إليه كطبيب ، وأمامه مال مكدس يغترف منه دون حساب ، وجمال لا يهمه منه سوي إفراغ شهواته ، طفت حقارته فوق كل ما به من عيوب عندما قصت عليه كل علاقاتها السابقة بالتفصيل حتى تزيد من إذلاله ولم تبدو عليه أي بادرة للنخوة والكرامة ، ولم تثر فيه حتى مجرد الغيرة ، بل تقبله كشيء عادى معلقا عليه تعليقا لا يصدر إلا من قواد ، فهو لا يضايقه أن تكون مسرورة ، وأن تمارس حريتها الشخصية في هذه النواحي سواء كان هذا قبل الزواج أو بعده ، يظن أنه بهذا العرض الوضيع سيشتري رضاءها عنه حتى لا يفقد هذا الكنز الذي ناخ طمعه عليه دون أن يكلفه شيئا ، وكان جزاؤه على كرمه الحقير صفعة تلقاها على وجهه والطرد الفوري من منزل الزوجية ثم الطلاق ، انتابها شعور بأنها تريد أن تتقيأ من جوفها كل لحظة أمضتها في منزل يجمعها مع زوج مفهومه عن الشرف لا يتعدى مفهوم عاهرة تتاجر بجسدها ، وزاد هذا من مرارة كأسها وجعلها تنبذ فكرة تجربة الزواج لمرة ثانية وقررت الابتعاد عن هذه المدينة بذكرياتها المؤلمة وتجاربها الفاشلة ، وانتهزت فرصة قبولها للعمل بإحدى السفارات بالعاصمة لتترك المدينة التي ولدت بها ولم تشعر فيها بأي شيء يمكنه أن يدخل البهجة إلى نفسها لتنفرد بعيدة عن كل من تلامست معهم من قريب أو بعيد.
———————————
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

